1938‏السنة 126-العدد2006فبراير27‏28 من المحرم 1427هـالأثنين















اسرار أزمة السكر
تحقيق‏ :‏ هبة سعيد

فجأة وبدون مقدمات اشتعلت أزمة السكر في الاسواق فالسكر يكاد يختفي من المحلات ومؤشر الاسعار يواصل ارتفاعه كل يوم حيث قفز من‏225‏ قرشا الي‏2.5‏ جنيه ثم ثلاثة جنيهات ثم ثلاثة جنيهات ونصف حاليا‏.‏

ولأننا شعب كثير الاستهلاك للسكر حيث نستهلك سنويا‏2.3‏ مليون طن بينما لاننتج سوي‏1.1‏ مليون طن فقد ساد شعور بالجزع بين جموع المستهلكين الذين تكالبوا علي شراء الكميات المتاحة في المجمعات ومحال السوبر ماركت وتحزينها في منازلهم تحسبا لتعقد الازمة‏.‏

ورغم أن الحكومة اتخذت عددا من الاجراءات لمواجهة الازمة منها ضخ‏50‏ مليون جنيه لدعم السكر التمويني وتوفير مخزون استراتيجي يزيد علي‏660‏ ألف طن ويكفي لتغطية احتياجات عدة شهور إلا أن واقع الاسواق يشير الي أن ثمة ألغاز تنافي رسالة الاطمئنان التي تسعي الحكومة لتوصيلها للمستهلكين‏.‏

هنا تحقيق يتناول أبعاد وأسرار أزمة السكر‏...‏
واذا كانت اسعار السكر علي مستوي الاسواق والبورصات تعاني من التذبذب وعدم الثبات وتخضع لهوي التجار فان الاسعار علي مستوي المحلات المنتشرة في احياء القاهرة تعاني هي الأخري من التذبذب‏.‏

حيث تؤكد حنان يوسف ـ ربة منزل أن هناك استغلالا من جانب التجار بسبب إقبال المستهلك علي شراء السكر مما أدي الي زيادة الاسعار التي بلغت‏3.5‏ جنيه للكيلو بالاضافة الي صعوبة الحصول عليه‏.‏

وتقول فردوس أحمد ـ ربة منزل إنه برغم تصريحات الحكومة بطرح كميات اضافية بالاسواق خاصة بالمجمعات الاستهلاكية والتي ارتفع فيها السكر الي‏2.5‏ جنيه للكيلو الا أن معظم المجمعات تخلو تماما من السلعة‏.‏

ويوضح محمد مصطفي ـ موظف إنه في أقل من أسبوع واحد ارتفع سعر السكر الي ثلاثة جنيهات ونصف ووصل لدي بعض التجار الي ثلاثة جنيهات وخمسة وستون قرشا‏.‏

وعلي جانب آخر يوضح محمد مصطفي ـ تاجر ـ أن أسعار السكر في حالة من التذبذب نتيجة العرض والطلب والبيع والشراء يسير وفقا لأسلوب السوق الحر وتبعا لأسعار استيراد السلعة‏.‏

فجوة
ويقول مصطفي زكي ـ رئيس الشعبة العامة للمستوردين بالغرفة التجارية بالقاهرة إن صناعة السكر اصبحت ذات أهمية قصوي للمواطن والاقتصاد القومي حيث إن الانتاج يبلغ‏1.3‏ مليون طن بعد أن كان نصف مليون طن فقط قبل عدة سنوات الا أن الزيادة السكانية أسهمت بشكل مباشرة في زيادة الاستهلاك الذي يبلغ‏2.3‏ مليون طن مما أوجد فجوة كبيرة بين الانتاج والاستهلاك مشيرا الي أن متوسط استهلاك الفرد زاد من‏16.6‏ كيلو في السبعينيات حتي وصل الي‏31‏ كيلو عام‏2005‏ بزيادة قدرها‏48%‏ مما يتطلب ضرورة انشاء مصانع جديدة لسد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك حيث نجد أن هذه الصناعة اعتمدت علي محصول القصب في مصر طوال قرن ونصف القرن وكان الانتاج المحلي يغطي الاستهلاك ويزيد للتصدير فكان الانتاج‏118%‏ من الاستهلاك ولكن بسبب خفض المساحة المزروعة بمحصول القصب بالوجه القبلي وانخفاض المتاح من مياه الري اتجهت الدولة لانتاج السكر من البنجر منذ عام‏1982.‏

طالب بضرورة انشاء مصانع جديدة لسكر البنجر بمناطق التوسع في زراعة وإنتاج المحصول علي أن يتم استكمال الدراسات الخاصة باقامة مصنعين بمنطقة بورسعيد والشرقية بعد مصنع النوبارية‏,‏ مشيرا الي أن حجم استثمارات صناعة السكر في مصر بلغت‏10‏ مليارات وتزيد القيمة السوقية لمصانعها علي‏25‏ مليار جنيه‏.‏

سلوكيات استهلاكية
في حين يرفض حمدي النجار ـ رئيس الشعبة العامة للمستوردين فكرة أن لدينا أزمة في السكر مؤكدا أن السكر متوافر بالاسواق بكميات كبيرة وأن الارتفاع الحالي نتيجة طبيعية لارتباط السوق المحلي بالاسواق العالمية‏,‏ حيث ارتفع سعر الطن ليبلغ‏3‏ آلاف و‏400‏ جنيه وفي شركة الدلتا للسكر‏3‏ آلاف و‏100‏ جنيه‏,‏ مشيرا الي أن هناك العديد من السلوكيات الاستهلاكية تحتاج للضبط والتعديل بمعني أن من يستهلك‏2‏ كيلو سكر اسبوعيا لايجب أن يقوم بشراء‏20‏ كيلو تحسبا لحدوث أزمة وحتي لايحرم الاخرين من الحصول علي نفس السلعة وهذا يتطلب ضرورة أن تقوم جمعيات حماية المستهلك بدورها‏.‏

ويقول عبدالرحيم الغول ـ رئيس مجلس ادارة جمعية العامة لمنتجي قصب السكر ورئيس لجنة الزراعة والري مجلس الشعب‏..‏ ان الجمعية تتولي الدفاع عن حقوق مزارعي القصب وكذلك المطالبة برفع سعر طن القصب حيث قامت الجمعية العامة باعداد دارسة حول تكاليف وعائد فدان القصب في ضوء المتغيرات التي طرأت مثل الزيادة الايجارية للفدان وزيادة اسعار الاسمدة وزيادة تكلفة العمليات الزراعية والزيادة التي طرأت علي أسعار المحاصيل الزراعية الأخري مثل القمح والذرة والقطن‏,‏ وقد انتهت الدراسة الي المطالبة بزيادة سعر طن القصب‏130‏ جنيها الي سعر يتناسب مع التكلفة الفعلية وهو‏170‏ جنيها للطن اعتبارا من موسم‏2005/2006‏ ليحقق فائضا مناسبا للمزارع‏.‏

أزمة مفتعلة
واستجابة لرغبة زراع محصول القصب في اعادة النظر في عقد توريد المحصول قامت الجمعية العامة برفع مذكرة الي وزير الزراعة واستصلاح الاراضي لتشكيل لجنة مراجعة بنود وعقد توريد المحصول وتضم ممثلين عن الجمعية العامة وشركة السكر والصناعات التكاملية ومجلس المحاصيل السكرية ومجلس الشعب‏.‏

وقال الغول أن أزمة السكر الحالية هي أزمة مفتعلة من جانب التجار ولذلك تطالب الاجهزة المعنية بمحصول القصب بالعمل علي زيادة الانتاج وذلك باستخدام التكنولوجيا المتعددة‏.‏

ويوضح أحمد حلمي ـ المدير العام للجمعية العامة لمنتجي قصب السكر أن هناك صناعات مهمة من نواتج صناعة السكر مثل الكحول الاثيلي وخميرة العلف وغاز ثاني أكسيد الكربون والخل الطبيعي ومستحضرات ومكسبات الطعم والطحينة والحلويات والخشب الحبيبي وقال نظرا لزيادة معدلات نمو السكان فقد انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي من السكر الي‏6%‏ فقط‏.‏

واشار الي أن السياسة السعرية لمحصول قصب السكر طرأ عليها العديد من المتغيرات علي عناصر التكلفة وكذا بمقارنة عائد الدورات الزراعية البديلة لدورة القصب لذلك فان الجمعية تقترح زياد سعر طن القصب لمواجهة المتغيرات ومنها زيادة سعر السولار‏50%‏ وماترتب علي ذلك من زيادة في تكاليف تشغيل آلات الري والجرارات بالاضافة الي زيادة أجور العمالة بنسبة‏30%‏ وزيادة اسعار الاسمدة بنسبة‏40%‏ وزيادة سعر طن تقاوي القصب بمقدار‏25‏ جنيها‏,‏ وزيادة القيمة الايجارية للفدان بمعدل‏422‏ جنيها وبالتالي يصبح متوسط الزيادة في تكلفة طن القصب‏45‏ جنيها وبالتالي السعر المقترح لطن قصب السكر هو‏175‏ جنيها‏.‏

وحول الشركة القابضة للصناعات الغذائية يقول أحمد الركابيي ـ رئيس الشركة إن الشركة تطرح‏8‏ آلاف طن اضافية من السكر الحر اعتبارا من الاسبوع الماضي بالمجمعات الاستهلاكية والمقرر بيع الكيلو السكر الحر بسعر‏250‏ قرشا للمستهلك وتشديد الرقابة علي جميع منافذ البيع لمنع التهريب ـ مؤكدا أن السكر متوافر بكميات كبيرة في المخازن وشركات توزيع السلع لتجارة الجملة موضحا أن المخزون الاستراتيجي يكفي للاستهلاك المحلي لمدة‏9‏ أشهر قادمة ولامساس باسعار اي سلعة غذائية أخري‏..‏

وأرجع الركايبي بداية الازمة الي ارتفاع اسعار السكر الخام في البورصات العالمية مشيرا الي أن طن السكر المستورد قفز من‏285‏ دولار الي‏442‏ دولار بالاضافة الي زيادة مبلغ‏20‏ جنيها في سعر توريد طن قصب السكر والبنجر من المزارعين في السوق المحلية مما أدي الي زيادة‏200‏ جنيه في تكلفة الطن السكر المحلي مؤكدا أنه علي الرغم من هذه الزيادة فان سعر البيع للمستهلك مازال في حدود التكلفة الاقتصادية‏.‏

جشع التجار
وعن دور جمعيات حماية المستهلك توضح سعاد الديب رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك أن الازمة كانت متوقعة منذ شهرين نتيجة للارتفاعات المتتالية للاسعار العالمية‏.‏

وقالت إنه لايوجد أي مبرر لزيادة اسعار السكر الا الاستغلال من جانب التجار لأن لديهم مخزونا من السكر ولم يقوموا باستيراده خلال الفترة القصيرة الذي ارتفعت خلالها الاسعار العالمية هذا بالاضافة الي قيام التجار والمستوردين باخفاء السكر من المجمعات الاستهلاكية بالتواطؤ مع بعض مسئولي المجمعات الاستهلاكية لخلق سوق سوداء وبالتالي تتفاقم الازمة وهذا مايسعي اليه التجار‏.‏

وتطالب بضرورة أن تعلن الدولة عن سعر موحد للسكر حتي لاتعطي فرصة لاستغلال التجار للمواطن محدود الدخل وحتي لايؤدي ذلك الي ارتفاعات متتالية في اسعار للسلع الاساسية الأخري وبالتالي يصبح الضحية الاولي والاخيرة هو المستهلك‏.‏

واشارت الي أن الجمعية تلقت العديد من الشكاوي من جانب المواطنين من ارتفاع اسعار السكر واختفائه من المجمعات الاستهلاكية وفي بعض الاحيان الامتناع عن البيع للمستهلك‏.‏

ولذلك تسعي الجمعية النوعية لحماية المستهلك لتنظيم حملات توعية للمستهلك بترشيد الاستهلاك والتخلص من سلوك التخزين بالاضافة الي مقاطعة التاجر الذي يرفع اسعاره وابلاغ الهيئات الرقابية التابعة لوزارة التموين‏.‏

‏4‏ شركات منتجة وفجوة مرشحة للنمو
يسيطر علي صناعة السكر حاليا شركة السكر والصناعات التكاميلية لانتاج سكر القصب والبنجر ويشاركها في انتاج السكر البنجر ثلاث شركات أخري هي الدلتا والدقهلية والفيوم‏.‏

بلغ انتاج مصر من السكر بنوعيه في موسم‏2003‏ حوالي‏1.258.294‏ طن وذلك بتراجع طفيف عن عام‏2002‏ حيث بلغ الانتاج فيه‏1.372.595‏ طن وتتفرع من صناعة السكر صناعات أخري مثل الورق والخل والخميرة والخشب والعطور وبعض الكيماويات مما يمثل قيمة مضافة‏.‏

انتهجمت الحكومات المتعاقبة سياسات زراعية صناعية عديدة تهدف الي تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر ولكن الفجوة ظلت كبيرة بين الانتاج والاستهلاك وبلغت عام‏2003‏ نحو‏1.800‏ ألف طن وهو مادفع الحكومة للتوسع في انشاء مشاريع ضخمة لصناعة السكر مثل مشروع شرق التفريعة ومشروع الشرقية والنوبارية‏.‏

ويفسر الفجوة بين الاستهلاك والانتاج بالزيادة السكانية وارتفاع معدل الاستهلاك نتيجة لتغيير نمط استهلاك وبرغم أن انتاج مصر قد تضاعف نحو ثلاث مرات منذ عام‏1972‏ حيث كان الانتاج يصل الي نحو‏550‏ الف طن الا أن الفجوة مازالت كبيرة بل وتزيد بين عام وآخر حتي بلغت عام‏2003‏ نحو‏800‏ الف طن‏.‏

وتشير معدلات استهلاك المواطن المصري من السكر سنويا عام‏1972‏ الي‏27‏ كيلو للفرد في حين قفز هذا المعدل لعام‏2003‏ الي‏30.2‏ كيلو جرام للفرد‏.‏

وعلي الرغم من تصدر مصر للعالم في انتاج القصب والبنجر الا أن الزيادة السكانية المطردة ابتلعت كل هذه المجهودات حيث بلغت انتاجية فدان القصب نحو‏50.3‏ طن والبنجر نحو‏20.6‏ طن‏.‏

اقترح خبراء التغذية لتقليل الفجوة السكرية خلال السنوات العشر القادمة وفي ظل التزايد السكاني اقامة مصانع جديدة ليصل انتاج السكر الي‏2.2‏ مليون طن وبافتراض ثبات معدل استهلاك الفرد فان الفجوة السكرية ستنخفض الي‏300‏ ألف طن علي الرغم من أن خبراء التغذية توقعوا زيادة الاستهلاك‏.‏