












|
|
|
لوغاريتمات الحياة المصرية الناس تشكو الفقر وتدهور المعيشة وتقارير الحكومة تؤكد العكس! من اين ينفق المصريون علي المحمول والمصايف ومن أين تأتي ملايين المزادات علي الاراضي والشهاليات؟! لماذا لا يشعر المصريون بما تحقق من تحسن في المؤشرات الاقتصادية وهل تغير مستوي المعيشة في السنوات الاخيرة؟! قراءة وتحليل : محمود عبدالعظيم
 |
تشهد الحياة المصرية ـ علي الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي ـ في السنوات الاخيرة ما يشكل في مجمله لغزا كبيرا يستعصي علي الفهم.
هذا اللغز يتمثل في تناقض واضح بين مايجري علي ارض الواقع وفي الاسواق وبين مايردده الناس في شكواهم واحاديثهم هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية هناك تناقض مماثل بين ماتعلنه الحكومة من مؤشرات وتصريحات ايجابية وما يعانيه الناس في حياتهم اليومية.
وبتفصيل اكثر علي مستوي التناقض الاول يجمع كافة افراد الشعب علي ان المعاناة الاقتصادية تظلل الجميع وان مستوي معيشة الناس تدهور وان الاجور ـ مهما تحسنت ـ لم تعد كافية لمواجهة سباق الاسعار وان الفقر المدقع بات يلتهم شرائح واسعة من الشعب المصري بما فيه افراد الطبقة المتوسطة التي فرمتها طاحونة الغلاء.
في نفس هذا التوقيت وبالتزامن مع الشكوي والاعلان الدائم عن مرارة العيش تجد ملايين الجنيهات ـ بل المليارات ـ تجري في الشوارع كل صباح ويكفي ان تدخل اي مزاد لأي شيء لتجد هذه الملايين من الجنيهات تتدفق بين الايدي في سهولة ويسر الامر الذي جعل شاليه لاتزيد مساحته عن150 مترا في مارينا يبلغ ثلاثة ملايين جنيه بالتمام والكمال في الصيف الماضي.
ورغم الارتفاع الكبير في اسعار كل شيء ـ بفعل التضخم وجشع التجار واشياء اخري ـ فإن معدلات الاستهلاك تزيد بنسب تفوق معدلات الانتاج الامر الذي تسبب في مزيد من الطلب وبالتالي مزيد من ارتفاع الاسعار.
اما علي صعيد التناقض الثاني بين ما تعلنه الحكومة ومايشكو منه الناس فالامر يبدو اشد غرابة. فالحكومة تعلن كل صباح عن تحسن الاوضاع الاقتصادية وارتفاع متوسط الدخول وتقدم المعيشة. في المقابل يؤكد الناس ـ وفي حالة اجماع غريبة ـ ان احوالهم تتدهور ومستوي معيشتهم يتراجع علي كافة المستويات.
وتبرهن الحكومة علي تصريحاتها بظهور بنود انفاق جديدة لم تكن قائمة من قبل ومع ذلك ينفق عليها المصريون عدة مليارات من الجنيهات كل عام وفي مقدمة هذه البنود تكلفة التليفون المحمول الذي لايكاد يخلو منه بيت علي ارض مصر الان.
هذا التناقض هو الملمح الرئيسي في المشهد اليومي للحياة المصرية في السنوات الاخيرة الامر الذي دفع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء الي القيام بدراستين هامتين:
الدراسة الاولي تطرح سؤالا حول مستوي معيشة الاسرة المصرية وهل تغير خلال السنوات العشر الماضية وفي اي اتجاه كان هذا التغير.
اما الدراسة الثانية فهي محاولة للاجابة عن سؤال بين النخبة والجماهير في كل لحظة وهو لماذا لا يشعر المواطنون بما تحقق من تحسن في المؤشرات الاقتصادية؟!
وتستند الدراستان الي مسح استطلاعي ميداني يقوم علي المعايير العالمية في قياس مستوي المعيشة الي جانب قياس مؤشرات تحسن الاداء الاقتصادي ومؤشرات درجة الرضا بين المواطنين.
مؤشرات احصائية الدراسة الاولي تهدف لقياس مستوي معيشة الاسرة المصرية خلال الفترة من1995 الي2005 عبر رصد تطور بعض المؤشرات التي تعكس بعض الخصائص التنموية للسكان من واقع بيانات سلسلة المسح الصحي.
هذه الخصائص تمثل بداية عدة مؤشرات ايجابية تصب في خانة تحسن نوعية حياة المصريين فهناك ارتفاع نسبة من اتمو التعليم الثانوي من24.2% الي35.2% عام2005 بالنسبة للذكور ومن16.5% الي28% بالنسبة للاناث.
وهناك تحسن في معدلات وفيات الاطفال بشكل كبير حيث انخفض معدل وفيات الاطفال الرضع من60% حالة لكل مولود في العام1995 الي33 حالة فقط لكل ألف مولود في العام2005 كما انخفض معدل وفيات الاطفال دون الخامسة من81 حالة لكل ألف مولود الي41 حالة في العام2005.
من بين هذه المؤشرات ارتفاع نسبة الاسر التي تقيم بمساكن متصلة بمواسيرمياه الشرب من73.2% عام1995 ليصل الي89.7% عام2005 وكان ريف الوجه البحري اكثر استفادة من هذا التحسن.
وبالنسبة للكهرباء فهي تغطي اغلب مساكن الأسر المصرية بنسبة99.4% عام2005 مقابل95.5% عام1995.
مؤشر آخر حول ارتفاع نسبة امتلاك الأسر المصرية من الاجهزة المنزلية خاصة التليفزيون الذي ارتفعت نسبة ما يمتلكونه من78.8% الي92.8% من اجمالي الاسر المصرية خلال فترة الدراسة وكذلك الثلاجة التي ارتفعت بنسبة الاسر التي تمتلكها من55.9% الي85.7% وغسالة الملابس من74.95 الي92.1% بالاضافة الي ارتفاع نسبة الاسر التي تمتلك تليفونا ارضيا لتصل الي56% من اجمالي الاسر عام2005.
التحسن الاقتصادي وشعور المواطنين ونأتي للسؤال الجوهري وهو اذا كانت هناك مؤشرات للتحسن الاقتصادي كما رأينا بالارقام واذا كانت هذه الارقام تقطع بتقدم مستوي معيشة المصريين مما انعكس علي معدل وفيات الأطفال علي سبيل المثال حيث نعلم جميعا ان هذا المؤشر كان يعكس في الماضي القريب انهيار المستوي الاقتصادي والصحي للاسر المصرية خاصة في الريف والمناطق الهامشية والنائية وان ارتفاع معدل وفيات الاطفال كان عنوانا بارزا لهيمنة ثلاثية الفقر والجهل والمرض علي حياة شرائح واسعة من السكان.
اذن اذا كانت الارقام تقول ان هناك تحسنا فلماذا لا يشعر المواطنين به, ولماذا يشكو الجميع؟!
الدراسة الثانية لمركز معلومات مجلس الوزراء تحاول الاجابة علي هذا السؤال حيث تعرض بداية لمؤشرات الاداء الاقتصادي حيث تؤكد هذه المؤشرات ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في مصر ليبلغ6.8% في العام2006 مقابل5.9% حسب تقديرات الايكونوميست.
ولكن في مقابل هذا النمو جاء شبح التضخم ليهدد هذا الانجاز الاقتصادي حيث بلغ معدل التضخم في ذات العام11.8% مما قفز بالمستوي العام للاسعار لذلك لم يكن مستغربا ـ حسب قياس مؤشرات عدم رضا المواطنين ـ ان نشير الي نتائج استطلاع الرأي العام حول رؤية المواطنين تجاه الاحوال الاقتصادية ان النسبة الاكبر ممن شملهم الاستطلاع يرون سوء الاحوال الاقتصادية بصفة عامة. اما المؤشر العام لثقة المستهلك فقد اتجه للانخفاض ثم عاد للارتفاع في ابريل من العام2006 ثم عاد للانخفاض مرة اخري في مايو وحتي نوفمبر الماضي الامر الذي يشير الي شعور المواطنين بالاحباط وعدم شعورهم بالرضا عن الحالة المعيشية والاقتصادية للمجتمع خلال تلك الفترة.
فجوة وتقدم الدراسة عددا من العوامل ـ بعضها موضوعي وبعضها ذاتي ـ التي تفسر ما يمكن اعتباره فجوة بين تحسن الاداء الاقتصادي وعدم رضا المواطنين. من العوامل الموضوعية توزيع الدخل الذي يبدو انه يعاني من حالة تركز شديد وحصول الاثرياء علي نصيب اكبر من عائدات الثروة القومية وان ثمة سوء توزيع للدخل القومي مما يعكس نوع من عدم العدالة الاجتماعية,والعامل الاخر الذي يتمثل في توزيع موارد الدولة التي شهدت زيادة خلال هذه الفترة فقد زاد اجمالي انتاج الغاز الطبيعي بنسبة50%, وارتفعت ايرادات قناة السويس لتبلغ3.8 مليار دولار الي جانب عائدات بيع بنك الاسكندرية ورخصة التليفون المحمول ـ16.7 مليار جنيه ـ وعمليات الخصخصة الأخري, ورغم هذا التحسن فقد انخفضت الموارد المخصصة للأنفاق الاجتماعي في الموازنة العامة للدولة من14.1 الي12.6 مليار جنيه.
اما العوامل الذاتية المسئولة عن تنامي عدم شعور المواطن بما تحقق من نمو اقتصادي فتشمل نقاط عدة في مقدمتها اتساع هامش الحرية وتنامي الاحساس بوطأة الفساد والمحسوبية والتطلعات المتزايدة للمواطنين والتوترات بين السلطة وشرائح مجتمعية مؤثرة والفجوة بين السلطة ورجل الشارع والازمات وكيفية ادارتها واخيرا مدي ادراك المواطن لحجم برامج المساندة للحكومة.
ففي النقطة المتعلقة بمدي جدية الحكومة في التصدي لظاهرة الفساد الاداري قال26% ممن تم توجيه السؤال لهم ان الحكومة غير جادة في هذا الامر بينما اجاب بنعم61% وفيما يتعلق بالتوتر بين السلطة وشرائح مجتمعية مؤثرة رصدت الدراسة عددا من هذه التوترات منها اضراب عمال الغزل والنسيج وازمة القضاة والصيادلة وغيرهم.
هناك ايضا الازمات وكيفية ادارتها والتي عمقت من شعور المواطنين السلبي تجاه الاحداث ومنها ازمة حوادث السكك الحديدية وما اظهرته من تدهور في البنية الاساسية وتدني مستوي جودة الخدمة وازمة العبارة الغارقة وماترتب عليها من خسارة بشرية هائلة بسبب سوء ادارة الازمة وتأخر عمليات الانقاذ وعدم توافر الرعاية الكافية لأهالي الضحايا وكذلك أزمة تلوث الدم وما أظهرته من إهمال.. |
|
|
|
|
|
|
  |
|