2074‏السنة 126-العدد2008اكتوبر6‏6 من شوال 1429 هـالأثنين















الاقتصاد المصري بين حربي يونيو‏67‏ وأكتوبر‏73‏
كتب - أحمد السيد النجار
خبير اقتصادي بمركز الدراسات والاستراتيجية بجريدة الأهرام
تعرض الاقتصاد المصري لخسائر هائلة في حرب‏1967‏ اثرت علي قدراته وصورته العامة وادائه ويمكن تركيز الخسائر الرئيسية للاقتصاد المصري بسبب حرب يونيو‏1967‏ فيما يلي‏:‏

ا ـ فقدان سيناء بثرواتها البترولية والمعدنية وامكانياتها السياحية وهي ثروات كان من الممكن اعتبارها مفقودة مؤقتا لو ان اسرائيل احترمت الاتفاقيات الدولية ولم تستنزف ثرواتها لكن الذي حدث هو ان اسرائيل نهبت ثروات سيناء وبالذات نفطها‏.‏ وهو ما يعني ان مصر فقدت بشكل نهائي جزءا من الثروات الطبيعية في سيناء بعد حرب‏1967,‏ ذلك يمكن بل ويجب ان يكون مبررا لطلب تعويضات من اسرائيل حاليا الا ان النتيجة في ذلك الحين كانت فقدان الاقتصاد المصري لجزء من الثروات الطبيعية بعد وقوع سيناء اسيرة للاحتلال الاسرائيلي‏.‏

ب ـ فقدت مصر ايرادات قناة السويس التي كانت قد بلغت نحو‏95.3‏ مليون جنيه عام‏1966‏ اي نحو‏219.2‏ مليون دولار توازي نحو‏4%‏ من الناتج المحلي الاجمالي في ذلك العام حيث توقفت الملاحة في قناة السويس في منتصف عام‏1967‏ حتي عام‏1974‏ قبل يتم افتتاحها في عام‏1975‏ وفقدت مصر خلال تلك الفترة ايرادات القناة في وقت كانت احوج ما تكون اليها للمساهمة في تمويل الانفاق العسكري وازالة اثار العدوان الاسرائيلي‏.‏

ج ـ فقدت مصر جانبا هاما من الايرادات السياحية قدرها وزير اقتصاد مصري سابق بنحو‏100‏ الف جنيه يوميا اي نحو‏36.5‏ مليون جنيه سنويا توازي قربة‏84‏ مليون دولار في ذلك الحين‏.‏

د ـ فقدت مصر قدرا من مواردها البشرية التي تعتبر العنصر الاكثر حيوية في تحقيق التنمية الاقتصادية كما فقدت في الحرب اصولا انتاجية تم تدميرها او تعطيلها بشكل دائم او مؤقت وهو ما اثر بلاشك بشكل سلبي علي قدرة الاقتصاد الوطني المصري في مرحلة حرجة للغاية هي فترة مابين الحربين‏.‏

واذا كانت هذه العناوين الرئيسية للخسائر الاقتصادية لمصر بسبب العدوان الاسرائيلي عليها عام‏1967‏ فان اقتصاد مصر المثقل بهذه الخسائر كان عليه القيام بمهمة كبري لتمويل تعويض الخسائر الاقتصادية المباشرة وتمويل تعويض خسائر المعدات والبنية الاساسية العسكرية وتمويل الانفاق العسكري عموما مع محاولة رفع القدرة علي مواجهة الاستهلاك المحلي لتقليل الواردات المدنية او ابقائها عند مستوياتها دون زيادة لتوجيه حصيلة مصر من النقد الاجنبي لتمويل الواردات من المعدات العسكرية‏.‏

ولان الوضع الذي كانت مصر تمر به كان وضع طواريء ولان المهام الملقاة علي عاتق الاقتصاد لمصري انذاك كانت مهاما استثنائية مرتبطة بلحظة استثنائية هي تضميد جراح الهزيمة والاستعداد للحرب فإن السياسات الاقتصادية المصرية كان لابد وان تكون بدورها سياسات استثنائية ملائمة لتحقيق الاهداف المرجوة من الاقتصاد المصرية كان لابد ان تكون بدورها سياسات استثنائية ملائمة لتحقيق الاهداف المرجوة من الاقتصاد المصري في تلك الفترة‏.‏

السياسات الاقتصادية بين الحربين
تشكلت ملامح السياسات الاقتصادية المصرية في الفترة ما بين حرب يونيو‏1967‏ وحتي حرب اكتوبر‏1973‏ علي اساس انها سياسات لادارة اقتصاد حرب وتجسد ذلك في فرض ضرائب جديدة وزيادة معدلات الضرائب القائمة وذلك لزيادة الايرادات العامة الضرورية لمواجهة التزايد السريع في الانفاق العام اللازم للاستعداد لخوض جولة جديدة من الصراع العسكري مع العدو الاسرائيلي‏.‏

وهذه السياسة النقدية المتمثلة في التمويل بالعجز تعتبر عاملا رئيسيا مغذيا للتضخم‏,‏ وكان التضخم مكبوتا في الفترة مابين حربي‏1967‏ و‏1973‏ بسبب سياسة التسعير الجبري للسلع الاساسية لكنه انفجر فيما بعد حرب اكتوبر‏1973‏ مع تخفيف سياسة التسعير الحكومي للسلع باتجاه الغائها‏.‏

كذلك تميزت السياسة الاقتصادية المصرية بين الحربين باعطاء اولوية للاستثمارات التي تخدم المعركة علي كل ماعداها من استثمارات وتميزت ايضا بالذات من بداية عام‏1972‏ بايقاف استيراد السلع الكمالية حيث صدر قرار بحظر استيراد تلك السلع ومن بينها الملبوسات والاقمشة الصوفية الفاخرة واجهزة التليفزيون والراديو والسجائر والثلاجات والغسالات والسجاد الفاخر‏.‏ كما تقرر زيادة الرسوم الجمركية علي السلع الكمالية الواردة للاستعمال الشخصي بنسبة‏50%‏ كما تم قصر تجارة الجملة في المواد والسلع التموينية الاساسية علي القطاع العام‏.‏ وكان الهدف من ذلك هو منع اي تلاعب في هذا السلع وضمان وصولها الي جماهير الشعب باعتبار ان توفيرها عنصر مهم في تحقيق الاستقرار السياسي‏.‏

كذلك اتسمت السياسة الاقتصادية المصرية ما بين حربي‏1967‏ ـ‏1973‏ بزيادة الاعتماد علي التمويل الخارجي من خلال القروض والمنح التي تلقتها مصر من الدول الشقيقة والصديقة في ظل عدم كفاية المدخرات المحلية لمواجهة متطلبات الانفاق الاستثماري في ظل العجز الكبير في ميزان المدفوعات الجاري بسبب زيادة الواردات الضرورية للتسريع بتهيئة الظروف للجيش لخوض حرب اكتوبر‏1973.‏

الدول العربية والصديقة ودعم الاقتصاد المصري بين الحربين
بلغ التمويل الاجنبي الذي حصلت عليه مصر في الفترة من‏65/1996‏ ـ‏71/1972‏ نحو‏5.6%‏ من الناتج المحلي الاجمالي مقارنة بنحو‏6.4%‏ من ذلك الناتج خلال الفترة من‏59/1960‏ و‏1964/1965‏ وقد جاء التمويل الاجنبي الذي حصلت عليه مصر بين الحربين من الاتحاد السوفيتي السابق والكويت والسعودية وليبيا وكانت شروطه ميسرة للغاية في حالة القروض فضلا علي ان جانبا منه كان في صورة من ح لا ترد فبالنسبة للقروض السوفيتية لمصر فان سدادها كان يبدأ بعد عام من استكمال بناء المشروع الذي خصصت لتمويله لكي يكون الدفع من عائد الانتاج‏,‏ وكانت اجال السداد نحو‏12‏ عاما وبفائدة لا تتجاوز‏2.5%‏

ولذلك لم يكن غريبا ان مصر انجزت مجمع الحديد والصلب في الفترة ما بين الحربين رغم ان قيمته تجاوزت‏165‏ مليون دولار لكن القرض السوفيتي الميسر ساعد علي انشائه بلا مشاكل هذا فضلا عن القروض السوفيتية التي استخدمت في تمويل استيراد الاسلحة والمعدات العسكرية‏.‏ اما الدول العربية المنتجة للبترول فإنها قدمت دعما ماليا بلغ اكثر من‏135‏ مليون دولار في العام‏(‏ قدمت الكويت‏55‏ مليونا منها‏,‏ وقدمت السعودية نحو‏50‏ مليونا منها في حين قدمت ليبيا‏30‏ مليونا منها‏).‏

ولان مصر لها ذاكرة تمتد لآلاف السنين قبل الميلاد وتفوق كل ما عداها من شعوب ودول العالم‏,‏ فإنها لا يمكن ان تنسي من ساندوها اقتصاديا في فترة ما بين حربي يونيو‏1967,‏ اكتوبر‏1973‏ مهما كان حجم تلك المساندة او فعاليتها لان الوقفات الكريمة في زمن الازمات لا تسقط من ذاكرة الشعوب العظيمة التي يقف الشعب المصري في قلبها ومقدمتها‏.‏

وعلي اي الاحوال فأن الحكومة المصرية نجحت الي حد كبير في توظيف العلاقات الدولية لمصر في ذلك الحين في الحصول علي مساعدات بشروط ميسرة‏,‏ وهي مساعدات لم تكن ضخمة ولكنها كانت مؤثرة بسبب نمط توظيفها الذي تحكمت فيه مصر بشكل اساسي سواء لان جانبا من تلك المساعدات كان غير مرتبط بمشروعات محددة‏,‏ وبالتالي يدخل الموازنة العامة ليتم انفاقه بالصورة التي تحددها الحكومة المصرية‏,‏ او لأن المشروعات التي تلقت مصر مساعدات لانجازها كانت من اختيار مصر وكانت في غاية الاهمية للاقتصاد المصري‏,‏ ويمكن القول بأن مصر اعتمدت بدرجة معقولة علي ذاتها في تمويل الانفاق الدفاعي والاستعداد للحرب مدفوعة في ذلك بطوفان من مشاعر الغضب الشعبي بسبب الهزيمة في اسرائيل يونيو‏1973‏ والرغبة الشعبية في خوض الحرب وتحقيق الانتصار علي العدو الاسرائيلي بأي ثمن‏.‏

ولذلك لم تتجاوز الديون الخارجية لمصر انتهاء حرب اكتوبر‏1973‏ نحو‏2.7‏ مليار دولار وهي ديون محدودة للغاية خاصة اذا قورنت بما حصلت عليه الحكومة الاسرائيلية في ذلك الحين من مساعدات خارجية فبين عامي‏1967‏ و‏1973‏ تزايدات الديون الخارجية الاسرائيلية بمقدار‏4726‏ مليون دولار لتصل الي‏6792‏ مليون دولار‏.‏ وهو مؤشر علي حجم ماتلقته اسرائيل من قروض خلال تلك الفترة هذا بالاضافة الي التعويضات الالمانية والمنح الاخري التي لا ترد وكانت المساعدات الرسمية الامريكية وحدها لاسرائيل قد بلغت نحو‏4312‏ مليون دولار خلال الفترة من‏1967‏ ـ‏1974‏ منها نحو‏1655‏ مليون دولار منح لا ترد والباقي قروض ميسرة

ورغم الحجم الهائل للمساعدات الخارجية التي تلقتها اسرائيل بين حربي‏1967‏ و‏1973‏ والذي بلغ عدة اضعاف حجم المساعدات التي تلقتها مصر في تلك الفترة فان مصر تمكنت من خلال الاعتماد علي الذات والمساعدات الاقل ان تواجه خسائرها الاقتصادية في حرب‏1967‏ وان تمول الانفاق الدفاعي اللازم لتجهيز جيشها للحظة المواجهة الحاسمة مع العدو الاسرائيلي بحيث انه عندما حانت لحظة الصفر كان الاقتصاد المصري رغم كل الملاحظات الواردة ضمنيا علي ادائه قد مهد الطريق لانطلاق هدير المدافع او الدبابات او ازيز الطائرات ورؤوس الصواريخ وحمم البوارج في معركة مصر لاستعادة الكرامة المهدرة والارض المغتصبة‏.‏