












|
|
|
الرابحون والخاسرون ما هي التنمية ؟ وما هي العولمة؟ ومن هم الرابحون والخاسرون في زمن العولمة ؟
 |
هناك عدد وافر من المؤلفات الخاصة بالتنمية الاقتصادية, غير أنه لا يوجد تفسير واضح لمعني التنمية أو اتفاق عليه, إضافة إلي تغيير التفسيرات علي مر الزمن, علي أن هناك حد أدني يمكن أعتباره المعني الأساسي. فالتنمية عملية يجب أن تحقق تحسنا في ظروف معيشة الناس ومن ثم ينبغي أن تضمن تلبية الاحتياجات البشرية الأساسية للجميع: ليس فقط الغذاء والملبس بل وكذلك المسكن والرعاية الصحية والتعليم. وركزت المؤلفات الأولي بشأن التنمية علي النمو الاقتصادي وتراكم رأس المال علي الصعيد الاقتصادي الكلي بينما تركز المؤلفات المعاصرة بشأن التنمية علي زيادة الفعالية والإنتاجية الاقتصاديتين علي الصعيد الاقتصادي الجزئي.
واعتبر التصنيع دائما رمزا أساسيا للتنمية. وأرتفعت من حين إلي آخر أصوات معارضة تشكك في الحكمة التقليدية المتمثلة في اعتبار النمو الاقتصادي أو أزدياد دخل الفرد مقياسا للتنمية واقترحت مؤشرات أخري للتنمية مثل الحد من الفقر واللامساواة والبطالة التي ستشكل مقياسا للتغيرات في نوعية الحياة( برنامج الأمم المتحدة في تقاريره عن التنمية البشرية). غير أن الاتجاه السائد في علم الاقتصاد تجاهل إلي حد كبير جوانب التنمية هذه ولم يميز بين الوسائل والغايات والنمو والكفاءة أو التصنيع وسيلة في حين أن التنمية غاية. ولا يحقق النمو والفعالية التنمية الاقتصادية إلا إذا كان مقرونين بالعمالة الكاملة والقضاء علي الفقر وخفض اللامساواة والتنمية البشرية.
ويبقي الغرض من التنمية علي كل حال هو تهيئة بيئة تمكن الناس أي الناس العاديين من العيش عيشة كريمة. وواضح من التجربة الإنمائية للاقتصاد العالمي منذ عام1950 كانت متفاوتة, ففي الفترة اللاحقة للاستعمار التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة اعتمدت البلدان المتخلفة استراتيجيات إنمائية تتناقض تماما مع ماضيها في عهد الاستعمار الذي كان يتميز باقتصادات مفتوحة وأسواق لا تخضع لضوابط تنظيمية. وفي أوائل الخمسينات تم القيام بمحاولة واعية للحد من درجة الانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي سعيا إلي تحقيق تنمية أكثر استقلالا, وأنيط بالدولة دور استراتيجي في التنمية لأن السوق في حد ذاتها كانت تعتبر غير كافية لتحقيق مطامح الملتحقين الجدد بركب التصنيع وكان هذا النهج يمثل أيضا توافقا للأراء بشأن أنسب استراتيجية للتصنيع وكان هذا العهد يمثل عهد توافق الآراء.
وفي مستهل التسعينات تحول الرأي العام بشأن التنمية إلي الاتجاه المعاكس. وبدأت معظم بلدان العالم النامي والكتلة الاشتراكية السابقة في تعديل سياستها الاقتصادية المحلية للاندماج اندماجا أكبر في الاقتصاد العالمي وتعزيز دور السوق مقارنة بدور الدولة. وساهم فيه إلي حد كبير التحول الجذري في الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي. ويبدو أن القبول الواسع لهذا النهج والذي عرف بتوافق أراء واشنطن. وعلي الرغم من كثرة المعارضين ظل هذا الرأي يمثل الرأي السائد لأسباب كثيرة منها قيام صندوق النقد والبنك الدولي, اللذين يؤثران تأثيرا قويا في الاقتصادات التي تعاني من أزمة بالترويج له غير أن توافق أراء واشنطن فقد رونقه بعد أن خيبت تجربة التنمية الآمال في التسعينات.
أما بالنسبة لمصطلح العولمة فهي تختلف باختلاف الناس ولكن يمكن تعريفها علي نحو أدق, بأنها عملية مرتبطة بازدياد الانفتاح الاقتصادي ونمو الترابط الاقتصادي وتعميق الاندماج الاقتصادي في الاقتصاد العالمي. والعولمة سلطت الأضواء علي لاعبين جدد, فهناك مجموعتان رئيسيتان من اللاعبين الاقتصاديين: الشركات عبر الوطنية التي تسيطر علي الاستثمار والإنتاج والتجارة في الاقتصاد العالمي, والبنوك الدولية أو الوسطاء الماليين الذين يتحكمون في عالم التمويل. وترغب الشركات عبر الوطنية والبنوك الدولية أو الوسطاء الماليون في وضع القواعد الجديدة بحيث تمكنهم من إدارة المخاطر المقرونة بالعولمة, وفي هذه المهمة تقدم البلدان الصناعية ما يلزم من النفوذ والدعم السياسيين المطلوبين وربما يكون الإطار المتعدد الأطراف لمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدولي هو أهم واسطة. وفي عالم شركاء غير أنداد ليس مستغربا أن تكون قواعد اللعبة غير متماثلة من حيث البناء وغير عادلة في النتيجة فالقوي يملك القوة لوضع القواعد والسلطة لتنفيذها والضعيف لا يستطيع وضع القواعد ولا التذرع بها فالمشكلة تتخذ أشكالا مختلفة:
1- هناك قواعد مختلفة في مجالات مختلفة, إن القواعد التي وضعتها منظمة التجارة العالمية تعطي أكثر الأمثلة وضوحا حيث أن هناك أوجه عدم تماثل مذهلة, فالحدود الوطنية لا تهم بالنسبة للتجارة وتدفقات رؤوس الأموال لكن ينبغي ترسيمها بوضوح إذا تعلق الأمر بتدفقات التكنولوجيا والعمالة. ويترتب علي ذلك أن البلدان النامية ستسمح بالوصول إلي أسواقها دون أن يقابل ذلك السماح لها بالوصول إلي التكنولوجيا, وإنها ستقبل بحركة رؤوس الأموال دون أن يقابل ذلك انتقال للعمالة أي إنفتاح في بعض المجالات دون الآخر. أي هناك تناقض بين حركة رؤوس الأموال وحركة انتقال العمالة عبر الحدود الوطنية.
2- هناك قواعد تطبق علي البعض دون تطبيقها علي البعض الآخر, فمثلا تلجأ البلدان التجارية الرئيسية في منظمة التجارة العالمية إلي ممارسة السلطة بصورة منفردة متجاهلة بذلك القواعد, لأن البلدان الصغيرة لا تملك القوة الاقتصادية للرد, حتي وإن كانت تملك الحق القانوني للقيام بذلك. ومع ذلك فإن الشروط التي يفرضها صندوق النقد والبنك الدولي تعطي أنسب مثال علي ذلك فالأثنين يضعان قواعد للمقترضين في العالم النامي لضمان سداد الديون لكنها تفرض في الواقع شروطا لخدمة مصالح البنوك الدولية التي تقدم هذه القروض لهذه البلدان
3- محاولة إيجاد اتفاق متعدد الأطراف بشأن الاستثمار في إطار منظمة التجارة العالمية يستهدف الوصول الحر ومنح المعاملة الوطنية للمستثمرين الأجانب مع أحكام لتطبيق التزامات وتعهدات علي المستثمرين الأجانب. ومن المؤكد أن هذه الحقوق للمستثمرين الأجانب يجب أن تقابلها بعض التزامات من جهتهم. إن النظام الجديد أشد صرامة بكثير فيما يتعلق بالقانون وتنفيذه. إن القواعد الجديدة المعنية بالتجارة في النظام الجديد ستجعل من الحماية الإنتقائية أو التشجيع الاستراتيجي للشركات المحلية أمام المنافسة الخارجية أشد صعوبة بكثير كما أن النظام المتشدد لحماية حقوق الملكية الفكرية ربما يجهض أو يخنق تنمية القدرات التكنولوجية المحلية. فالقواعد والشروط ستؤدي بالتأكيد إلي الحد من استعمال السياسات الصناعية والتكنولوجية والتجارية والمالية كأشكال استراتيجية للتدخل من أجل تعزيز التصنيع. ويجب التسليم بأن تدخل الدولة هذا كان حاسما خلال النصف الثاني من القرن العشرين في نجاح تنمية البلدان حديثة التصنيع.
أما الرابحون من العولمة هم الأشخاص الذين يملكون أصولا ومن يكسب أرباحا ومن يعيش علي إيرادات أمواله الموظفه والمتعلمون وأصحاب المهارات الفنية أو الإدارية أو التقنية, في حين أن الخاسرين هم من لا يملكون أصولا والمأجورون والمدينون وغير المتعلمين ومتوسطي المهارات أو غير الماهرين والرابحات من الشركات هي الشركات الكبيرة والدولية والمخاطرة والرائدة تكنولوجيا في حين أن الخاسرات منها هي الشركات الصغيرة والوطنية والمحلية والشركات التي تتجنب المخاطر والشركات التابعة تكنولوجيا والاقتصادات الرابحة هي الاقتصادات المصدرة لرؤوس الأموال وللتكنولوجيا المقرضة الصافية والاقتصادات ذات هياكل أساسية مادية وبشرية في حين أن الاقتصادات الخاسرة هي الاقتصادات المستوردة لرؤوس الأموال وللتكنولوجيا والاقتصادات ذات هياكل أساسية مادية وبشرية ضعيفة.
لقد قللت العولمة من الاستقلال الاقتصادي إن لم يكن السياسي, ومع ذلك هناك درجات من الحرية التي يجب استغلالها سعيا لتحقيق التنمية ومن ثم ينبغي أن يكون هدف أي استراتيجية إنمائية معقولة هو إيجاد حيز اقتصادي لمتابعة المصالح الوطنية والأهداف الإنمائية فهناك دور استراتيجي للدولة لا في مجال السياسات الاقتصادية المحلية فحسب بل أيضا في ميدان التفاعل مع العالم الخارجي. وفي السياق الوطني يجب علي الدولة أن تسعي إلي تهيئة الظروف المسبقة لتنمية تتسم بقدر من العدالة وأن تتوخي الحذر في الإدارة الكلية للاقتصاد بغية الحد من سرعة التأثر وأن تتدخل لتقليل التكاليف الاجتماعية للعولمة.
كما يجب علي الدولة في سعيها للحصول علي الاستثمار الأجنبي أن تقاوم الإغراء المتمثل في تقديم الحوافز والتنازلات وأن تتفاوض مع الشركات عبر الوطنية بما يضمن أن تكون أنشطتها مؤدية إلي التنمية. وأن تتوخي الحيطة في مجال أموال الحكومة علي أن يكون تدخل الدولة وسيلة للحد من ارتفاع التكاليف الاجتماعية المصاحبة للعولمة. وإذا وفرت الدول النامية فرصا للوصول إلي أسواقها, فإن ذلك ينبغي أن يقابل قدر من الوصول إلي التكنولوجيا. وعلي الدول النامية أن تشارك بفعالية في جدول أعمال القواعد الجديدة بما يعود عليها بالنفع وهذا يتطلب دراسة أخري.
عزت عبد الحفيظ |
|
|
|
|
|
|
  |
|