2053‏السنة 126-العدد2008مايو12‏7 من جمادى الأول 1429 هـالأثنين















الإدخار والاستهلاك في الصين
كيف ينظر المجتمع الصيني إلي موضوع الاستهلاك ؟
وما هي معدلات الإدخار ؟ وطبيعة التمويل العقاري هناك ؟
كان الاستثمار في الأصول الثابتة يشكل المقياس الذي تلجأ إليه الصين لتقييم التقدم الاقتصادي‏.‏ فكلما ارتفع عدد الأطنان المنتجة من الصلب‏,‏ وقطع الخرسانة المصبوبة‏,‏ وجالونات النفط التي تضخ من الأرض‏,‏ كلما كان ذلك أفضل‏.‏ أما الاقتصاد المعتمد علي الاستهلاك‏,‏ والذي خضع له الغرب الرأسمالي بكل وضوح‏,‏فلا وجود له‏.‏ فما زالت الصين مهووسة بالاستثمار ـ حيث يستهلك تشييد المصانع والإنفاق علي البنية الأساسية‏41%‏ من الناتج المحلي الإجمالي للصين‏,‏ وحوالي نصف النمو الاقتصادي الذي حققته الصين خلال عام‏2005‏ فضلا عن ذلك‏,‏ فإن ارتفاع معدلات الاستثمار في الأصول الثابتة في الصين له ما يبرره منطقيا ـ ذلك أن بناء الطرق‏,‏ ومد مواسير المياه‏,‏ وشق شبكات المترو‏,‏ وإنشاء شبكات الاتصالات‏,‏ وبناء مصانع الإلكترونيات من الأمور التي يتعين علي بلد يشهد مثل هذا التطور السريع الواسع النطاق أن يهتم بها‏.‏

ولكن هناك مشكلة واحدة‏:‏ فيما يبدو أن الشعب الصيني غير راغب في الاستهلاك‏,‏ أو علي الأقل طبقا للبيانات المستشهد بها بصورة عامة‏.‏ لقد بلغت معدلات الادخار الوطني في الصين حوالي‏50%‏ من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام‏2005‏ في الصين‏,‏ وهو الأمر الذي يعني بوضوح أن الأسر تخشي العجز عن سداد فواتير المستشفيات‏,‏ والرسوم المدرسية‏,‏ ومقدم الشقة الجديدة التي تحلم بها إلي الحد الذي يجعلها تدخر كل قرش تكسبه‏.‏ والأرقام الخاصة بالادخار هذه تحجب عنا شيئا علي قدر عظيم من الأهمية‏.‏ فالأسر الصينية تدخر قدرا كبيرا من دخلها‏,‏ قد يصل إلي الربع‏.‏ وإن ما يجعل الصين مختلفة عن العديد من الدول النامية الأخري ليس ارتفاع معدلات ادخار الأسر الصينية‏,‏ بل ارتفاع معدلات ادخار المؤسسات التجارية‏.‏ ولقد بدأ الاستهلاك الخاص في الصين يشهد نموا بلغ معدله السنوي حوالي‏10%‏ طيلة السنوات السبع الماضية‏.‏ وهذا يعني أن حمل الأسر الصينية علي إنفاق المزيد ليس بالمهمة المستحيلة‏.‏

لم تبدأ بطاقات الائتمان الاستهلاكية الانتشار في الصين إلا في أواخر تسعينيات القرن العشرين‏,‏ في ظل أنظمة تسمح للبنوك بتقديم قروض عقارية‏,‏ بلغت اليوم حوالي‏10%‏ من إجمالي القروض‏.‏ وطبقا لدراسة مسح حديثة قام بها بنك الصين الشعبي‏(‏ البنك المركزي‏),‏ فإن الأسر في أكبر عشر مدن في الصين تنفق حوالي‏35%‏ في المتوسط من دخلها الشهري في تسديد أقساط القروض العقارية‏,‏ وهي نسبة تشبه نظيراتها في دول أخري‏.‏

كما أصبح من الممكن الآن الاقتراض لتغطية نفقات التعليم أو شراء سيارة‏.‏ كما تمتلك أسرتين من كل مائة أسرة في تلك المدن بطاقة ائتمانية‏,‏ وهي نسبة ما زالت منخفضة بوضوح مقارنة بـ‏75%‏ من الأسر في الولايات المتحدة‏,‏ ولكن منذ خمسة أعوام ما كنت لتجد مثل هذه الأسر في الصين‏.‏ وعلي الرغم من أن البطاقات المدينة ما زالت أكثر شيوعا‏,‏ إلا أن البنوك مثل بنك‏'‏ تشاينا ميرشانتس‏'‏ أصدر مؤخرا عددا هائلا من بطاقات الائتمان الحقيقية‏.‏

ولكن هناك مشكلة رئيسية فيما يتعلق بعرض بطاقات الائتمان‏,‏ وتتلخص هذه المشكلة في أن أنظمة الدفع الآلية لم تنتشر بعد‏,‏ بالإضافة إلي أنها مكلفة إلي الحد الذي يجعل بائعي التجزئة يحجمون عن استخدامها في متاجرهم‏,‏ كما أن العديد من المتاجر تفضل التعاملات النقدية بهدف تجنب الضرائب‏.‏ لكن الدين غير المسدد علي بطاقات الائتمان يتزايد علي نحو مستمر‏,‏ بل إنه تضاعف إلي أربعة أمثال في عام‏2004,‏ حتي بلغ ما يوازي‏018%‏ من الناتج المحلي الإجمالي للصين‏,‏ طبقا لشركة ماكينـزي الاستشارية‏.‏ مع ذلك‏,‏ هناك العديد من العقبات الأخري التي ينبغي أن تذلل من أجل تعزيز الاستهلاك في الصين‏.‏

أولا‏,‏ ما زالت البنوك لا تملك سوي القليل من السبل الناجحة لمراجعة القدرة الائتمانية الحقيقية للمقترضين‏,‏ بما في ذلك التحقق من القروض التي اقترضوها من بنوك أخري‏.‏ كما ينبغي أن تزدهر القروض التعليمية في المناطق الريفية والحضرية من الصين‏,‏ إلا أن البنوك عاجزة عن تحديد من ينبغي عليها أن تقرضه‏,‏ وعلي هذا فقد امتنعت عن هذا النوع من الإقراض كليا‏.‏ وتتلخص العقبة الثانية في تعرض البنوك لعدم السداد‏.‏ ففي الفترة ما بين عامي‏2003‏ و‏2004‏ شهدت سوق الإقراض لشراء السيارات بعض الازدهار‏,‏ لكن معدلات عدم السداد التي تجاوزت‏50%‏ من القروض أجبرت البنوك علي التراجع‏.‏ وكانت الصعوبات المتمثلة في استرداد السيارة علي سبيل المثال‏(‏ أين يضع المقترض سيارته؟‏)‏ أو إعادة بيعها‏(‏ ما زالت سوق السيارات المستعملة في الصين في مرحلة الطفولة‏),‏ سببا في اضطرار البنوك إلي إلغاء مثل هذه القروض السيئة‏.‏

هناك أيضا سحابة سوداء باتت تخيم علي سوق القروض العقارية في أعقاب حكم أصدرته محكمة الشعب العليا في عام‏2003‏ بـحـظر استرداد المنازل التي تعد سكنا أساسيا بالنسبة للمقترض‏.‏ ولقد سمح تعديل حديث لهذا القرار للبنوك باسترداد المنازل‏,‏ ولكن بشرط تقديم يد المساعدة للمقترض في الحصول علي مسكن أقل كلفة ـ وهو ما يشكل كابوسا إداريا بالنسبة للجهات المقرضة‏,‏ وبصورة خاصة إذا ما بدأ عدد كبير من المقترضين في عدم السداد في نفس الوقت‏.‏ العقبة الثالثة تكمن في عدم تعود المستهلكين بصورة عامة علي التعامل مع المجازفة الخاصة بتغيير أسعار الفائدة‏.‏

ذلك أن كل القروض العقارية تقريبا تطبق نظام سعر الفائدة المتغير الذي يتفاوت طبقا لسعر الفائدة علي القروض لمدة خمس سنوات والذي حدده بنك الصين الشعبي‏.‏ ولكن في أواخر العام الماضي بدأ بنك‏'‏ إيفربرايت‏'‏ وبعض البنوك الأخري في عرض أسعار فائدة ثابتة علي القروض العقارية‏.‏ وكانت عودة السوق إلي نشاطها بطيئة‏,‏ إلا أن رفع أسعار الفائدة علي نحو مفاجئ في شهر إبريل‏2006,‏ ربما يساعد في نشر الوعي العام علي نطاق واسع فيما يتصل بالمجازفة المترتبة علي تغير أسعار الفائدة‏.‏

وتتمثل العقبة الأخيرة في احتياج الصين إلي قدر أعظم من التنوع في المنتجات المالية‏.‏ فحتي وقت قريب‏,‏ لم يكن بوسع البنوك أن تقدم سوي حسابات ادخار بسيطة‏.‏ لكن الودائع المركبة ـ علي سبيل المثال وديعة يرتبط معدل الفائدة المستحق عليها ببورصة نيويورك للأوراق المالية ـ بدأت الآن تكتسب قدرا متزايدا من الشعبية‏.‏ وتشكل محافظ الاستثمار في الأوراق المالية اليوم حوالي‏30%‏ من رأسمال سوق الأوراق المالية‏,‏ علي الرغم من أن هذه النسبة لا تعادل سوي‏0.9%‏ من الناتج المحلي الإجمالي‏,‏ مقارنة بنسبة‏5%‏ في الهند‏.‏

من المرجح أن تتنامي الأهمية الاقتصادية للمنتجات المالية الجديدة علي نحو أكثر سرعة بدخول البنوك الأجنبية إلي السوق‏.‏ وإذا ما أصدر المسئولون في الصين التراخيص المناسبة‏,‏ فلسوف يلعب القطاع المالي دورا رئيسيا في تغذية ودعم مجتمع الاستهلاك في الغد‏.‏

تؤكد نتائج الأبحاث أن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات تساهم بالتأكيد في النمو الاقتصادي للبلدان النامية والبلدان المتقدمة‏.‏ فتلك التكنولوجيات تعطي دفعة للإنتاجية بتحسينها كفاءة الأفراد والشركات والقطاعات والاقتصاد بمجمله‏.‏ وعلي وجه الخصوص‏,‏ يتيح اعتماد تكنولوجيات المعلومات والاتصالات فرصا غير مسبوقة للشركات في البلدان النامـية للتغلـب علي العراقيل المتمثلة في محدودية إمكانية الوصول إلي الموارد والأسواق‏.‏ فتستطيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوصول بصورة أفضل إلي التجارة والتمويل والتمويل الإلكتروني عن طريق المؤسسات التي تقدم بيانات عن الائتمان والائتمان الإلكتروني‏.‏

كما تخفض تكنولوجيات المعلومات والاتصالات تكاليف الصفقات وتيسر التجارة فتتيح بذلك فرص أعمال تجارية جديدة علي الصعيد الدولي ومشاركة أكبر من البلدان النامية في اقتصاد المعلومات‏.‏ وإلي جانب تسـجيل مستويات أعـلي في التجارة‏,‏ تزداد استعانة البلدان المتقدمة بمصادر خارجية من البلدان النامية‏,‏ كما تزداد استثماراتها في تلك البلدان‏.‏ كما أن هذه الاستعانة وهذه الاستثمارات آخذة في الزيادة فيما بين البلدان النامية أنفسها كذلـك‏.‏

ومن شأن تطوير المعرفة بتكنولوجيات المعلومات والاتصالات وزيادة التجهيز بالبني الأساسية المتصلة بها أن يساعدا البلدان النامية علي تحسين تنافسيتها واجتذاب قدر أكبر من المشاريع المنقولة إلي الخارج‏.‏ وتمثل تكنولوجيات المعلومـات والاتصالات عوامل هامة في تحديد كيفية العمل ومن ينجزه وتوقيته ومكانه ويمكن ربطها بنمو العمالة في البلدان النامية والمتقدمة علي حد سواء‏.‏ غير أن الاعتماد علي تكنولوجيات المعلومات والاتصالات يخدم العاملين المهرة وقد لا ينال العاملون في الأرياف والفقراء والعاملون غير المهرة والنساء نصيبا من عوائده‏.‏ فإن استبعد هؤلاء من اقتصاد المعلومات‏,‏ آلت مساهمة قوة عاملة كبيرة إلي الضياع‏.‏

عبد الرحمن أبو الخير