2053‏السنة 126-العدد2008مايو12‏7 من جمادى الأول 1429 هـالأثنين















في الطاقة‏..‏الدعم لايزال للاغنياء
‏كتب - محمد ابراهيم
في الوقت الذي استهدفت فيه الاجراءات الاقتصادية الاخيرة تخفيف أعباء محدودي الدخل جاءت النتائج عكسية لتصب في مصلحة الشرائح ذات الدخل الأعلي‏ ففي الوقت الذي حصدت فيه الموازنة العامة أكثر من ستة مليارات جنيه نتيجة رفع أسعار السولار والبنزين فئة‏92,90‏ أوكتين لم تحصد هذه الموازنة سوي‏20‏ مليون جنيه فقط من رفع سعر بنزين‏95‏ رغم زيادته جنيها كاملا‏.‏

أما فارق أسعار الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة فلم يزد عن‏1.6‏ مليار جنيه‏,‏وبذلك احتفظ الاغنياء بنسبة كبيرة من الدعم‏,‏ بينما بدأت الاسواق تشهد تفاعلات سلبية نتيجة القرارات الاخيرة خاصة بعدما بدأ التجار في استغلال هذه القرارات لتحقيق مزيد من الارباح علي حساب الفقراء ومحدودي الدخل علي خلفية ضعف أدوات الرقابة علي هذه الاسواق‏.‏

في محاولة لعلاج التشوهات الحالية في عدم كفاءة توزيع الدعم تقدمت وزارة المالية في اقل من شهرين بمشروعي قانون استهدفا فتح اعتماد اضافي بالموازنة العامة للدولة للسنة المالية الحالية الاول بلغت قيمته‏19.66‏ مليار جنيه منها‏12.934‏ مليار جنيه للسولار و‏3.825‏ مليار جنيه للبنزين و‏2.901‏ مليار للبوتاجاز‏,‏ واثناء دراسة لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب لمشروع قانون الاعتماد الاضافي جددت وزارة المالية مطلبها بتعزيز هذا الاعتماد بمبلغ‏4‏ مليارات جنيه اخري ليصل الاجمالي الي‏23.66‏ مليار جنيه لمواجهة الموجات المتتالية لارتفاع اسعار البترول عالميا والتي تخطت عتبة الـ‏120‏ دولارا للبرميل‏,‏اما المشروع الثاني والذي اثار حفيظة الغالبية من المصريين خاصة محدودي الدخل والطبقات الفقيرة فقد استهدف تعديل نسب ضريبة المبيعات علي بعض المنتجات البترولية وفرض رسوم تنمية لمواجهة الانفاق العام المترتب علي زيادة الاجور والمعاشات ودعم السلع التموينية‏..‏

فعلي خلفية هذه الاحداث المتلاحقة طالبت لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب برئاسة المهندس احمد عز بإجراء تصحيح فوري لسياسات الدعم بالشكل الذي يضمن تحسن اعمال الهيئة ويعظم الاستفادة من قطاع البترول كمورد مهم وحيوي يعول عليه دورا كبيرا في دفع عجلة النمو والتنمية الاقتصادية في المجتمع حيث كشفت التحليلات المالية التي اجرتها اللجنة علي نتائج اعمال الهيئة المصرية العامة للبترول ومركزها المالي عن العديد من الاثار السلبية الممتدة لسياسات الدعم المفتوح للمنتجات البترولية علي هيئة البترول‏,‏ ابرزها تزايد الضغوط لتمويل مشترياتها الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي رغم ارتفاع الاسعار العالمية للبترول الخام ومنتجاته والغاز

الطبيعي الي ضغوط مالية حيث تشتري الهيئة‏40%‏ من الخام المكرر من الشريك الاجنبي والشركات الاستثمارية او بالاستيراد وتشتري اكثر من‏50%‏ من الغاز الطبيعي من الشريك الاجنبي لتلبية احتياجات السوق المحلي‏.‏

وكشف التقرير ان الهيكل المالي للهيئة يعاني من صعوبات حيث ارتفاع ارصدة الدائنين والحسابات الدائنة الي‏49.8‏ مليار جنيه بنسبة‏53.6%‏ من جملة الاصول البالغة‏92.8‏ مليار جنيه وبلغت جملة الديون المستحقة علي الهيئة‏79.3‏ مليار جنيه حتي نهاية العام المالي الماضي منها‏68.7‏ مليار جنيه قروض قصيرة الآجل و‏10.6‏ مليار جنيه قروض طويلة الآجل‏.‏

وقد نتج عن هذه الضغوط تأخر الهيئة في سداد مستحقات الموردين المحليين والاجانب ولجوئها الي الاقتراض‏,‏واستمرت في تحقيق قيمة سالبة لرأس المال العام بلغت نحو‏9.4‏ مليار جنيه في‏30‏ يونيو الماضي نتيجة السياسات السعرية والدعم المفتوح للفئات المستحقة وغير المستحقة‏,‏ تدني معدلات تحصيل الايرادات بسبب تأخر العديد من الجهات الحكومية في سداد مقابل ماتحصل عليه من منتجات بترولية وغاز طبيعي حيث بلغت المديونية المستحقة علي وزارة الكهرباء‏14‏ مليار جنيه‏.‏

وأوضح التقرير عدم تحقيق ايرادات من البترول والغاز الطبيعي تتناسب والامكانات الكبيرة المتاحة من هذه الثروة بسبب بيع الهيئة لجانب كبير من حصتها من الخام المكرر بأسعار مدعومة في السوق المحلية‏,‏ كما ان نسبة المنتجات الخاضعة للدعم في اجمالي الخام المكرر الخاص بحصة الهيئة ارتفعت من‏66.9%‏ عام‏2006/2005‏ الي‏67.4%‏ العام المالي الماضي ثم الي‏69%‏ في النصف الاول من العام المالي الحالي وهذا يعكس التأثيرات السلبية علي ايرادات النشاط التجاري للهيئة لان حصة الهيئة في الخام الذي تنتج عنه المنتجات الخاضعة للدعم في عمليات التكرير يتم تسعيرها بصفر

ولاتحصل الهيئة الا علي مقابل مما تتحمله من تكاليف مباشرة تتمثل في التكاليف والاعباء المالية الناتجة عن عمليات نقل وتوزيع وتكرير المنتجات البترولية وضريبة المبيعات ورسوم الدمغة وغيرها من الرسوم التي تشمل دعم الطرق حيث تقوم الهيئة بتحمل اعباء هذه التكاليف أما التكاليف غير المباشرة تتمثل في الاتاوات وضرائب الشريك الاجنبي وغيرها من التكاليف التي تحمل علي جميع المنتجات المستخرجة من الخام‏,‏ وبالتالي لاتنمو ايرادات البترول والغاز الطبيعي بمعدلات تتناسب والزيادة في الاسعار العالمية‏.‏

ورغم ارتفاع اسعار البترول والغاز عالميا بحوالي‏60%‏ خلال الفترة من يوليو‏2007‏ وابريل‏2008‏ إلا أن ايرادات النشاط الجاري لهيئة البترول لم تتجاوز معدل نموها‏21%‏ خلال تلك الفترة نتيجة لتثبيت اسعار بيع المنتجات البترولية والغاز الطبيعي في السوق المحلي‏.‏

تجدر الاشارة الي أن اسعار بيع المنتجات البترولية في السوق المحلية ظلت ثابتة منذ أن كان السعر العالمي لخام البترول يتراوح حول معدلات منخفضة له وحتي عام‏2004‏ حيث اتخذت الحكومة المصرية قرارا بتحريك الاسعار المحلية للبنزين‏92‏ فقط في مارس‏2004‏ وكان السعر العالمي لخام البترول أن ذلك يبلغ‏33‏ دولار للبرميل‏,‏ وعلي الرغم من الزيادات الكبيرة التي حدثت في اسعار خام البترول عالميا‏,‏ إلا أن اسعار بيع المنتجات البترولية في السوق المحلية ظلت ثابتة ولم يحدث فيها زيادات جديدة‏.‏ فيما عدا الزيادة التي طرأت علي أسعار بيع البنزين‏90‏ والسولار والكيروسين في يوليو‏2006‏ وكان السعر العالمي لخام البترول في ذلك الوقت قد وصل‏60‏ دولار للبرميل ومع الطفرة الاخيرة في الاسعار العالمية لبرميل البترول الي مايقرب من‏120‏ في الوقت الحالي فإن الأمر اصبح يحتم مراجعة السياسات السعرية لبيع المنتجات البترولية في السوق المحلية‏.‏

ونبهت اللجنة ان هذه التأثيرات تحد من قدرة الهيئة العامة للبترول علي جذب شركات المستوي الاول في البحث والتنقيب وتحول دون استفادة المجتمع المصري من ثرواته الطبيعية‏.‏

عدم كفاءة
وكشفت الاجراءات الجديدة عن استمرار عدم كفاءة توزيع الدعم حيث تستأثر الطبقة المتوسطة بما نسبته‏51%‏ تليها الشرائح العليا بنسبة‏32%‏ ثم الفئات الأقل دخلا بنسبة‏17%‏ حيث يمثل الحجم الكلي لاستهلاك المنتجات البترولية والغاز‏54.7‏ مليون طن منها‏27‏ مليون طن غاز بنسبة‏50%‏ منها‏58%‏ للكهرباء‏,‏ و‏10%‏ للقطاعات الصناعية‏,‏ و‏13%‏ لقطاع البترول‏,‏ و‏7%‏ للاسمنت والحراريات‏,‏ و‏3%‏ للمنازل وتموين السيارات‏,‏ و‏9%‏ للاسمدة‏.‏

وفيما يتعلق بالاستهلاك سجلت معدلات استهلاك البنزين بانواعه المختلفة خلال الفترة من يوليو وحتي نهاية مارس الماضي نحو‏2.8‏ مليون طن منها مليون و‏104‏ آلاف طن للبنزين‏80‏ بنسبة‏39%‏ ومليون و‏60‏ ألف طن للبنزين‏90‏ و‏568‏ ألف طن للبنزين‏92‏ بنسة‏20%‏ و‏12‏ ألف طن للبنزين‏95,‏ كما سجلت معدلات الاستهلاك زيادة بلغت‏13.3%‏ خلال الفترة من يوليو الي ديسمبر الماضي بلغت مليونا و‏631‏ الف و‏594‏ طنا مقابل مليون و‏629‏ ألف و‏177‏ طنا خلال نفس الفترة من العام السابق كما شهد يناير الماضي زيادة في الاستهلاك بلغت‏22%‏ مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي من‏261.261‏ ألف طن الي‏320.537‏ ألف طن وارتفع معدل الاستهلاك السنوي من‏3.3‏ مليون طن الي‏3.7‏ مليون طن‏.‏

وتوضح مؤشرات استهلاك البنزين‏80‏ الذي لم يتحرك سعره عن‏90‏ قرشا منذ عام‏92‏ وتقدر تكلفة دعمه بنحو‏59.8%‏ أنه سجل زيادة بلغت‏31%‏ ومن المتوقع ان يشهد استهلاكه ارتفاعا كبيرا نتيجة تحول كثير من المستهلكين لاستخدامه‏,‏ يليه البنزين‏90‏ الذي ارتفع سعره الي‏175‏ قرشا مقابل‏130‏ قرشا للتر وسجل تراجعا بنسبة‏14%‏ علي عكس البنزين‏92‏ الذي سجل ارتفاعا ملحوظا بلغ‏7%‏ ومن المتوقع أن يتراجع بعد الزيادة الاخيرة والتي بلغت‏185‏ قرشا للتر مقابل‏140‏ قرشا‏,‏ أما البنزين‏95‏ الذي لم يتحرك سعره منذ‏12‏ عاما فارتفع الي‏275‏ قرشا مقابل‏175‏ قرشا للتر كما ارتفعت نسبة استهلاكه الي‏279%‏ في الربع الثاني من العام المالي الجاري حيث بلغ‏3528‏ ألف طن مقابل‏986‏ ألف طن خلال نفس الفترة من العام السابق‏.‏

ورغم الزيادة الاخيرة الا أن البنزين‏95‏ الذي يستخدمه الاغنياء مازال يحظي بمساندة حكومية وحصل علي دعم نسبته‏32%‏ مقابل‏57.2%‏ حيث تقدر تكلفة اللتر بنحو‏4.09‏ جنيهات بدون هامش ربح ومازال البنزين‏92‏ يستأثر بـ‏51.2%‏ من نسبة تكلفة الدعم مقابل‏63.1%‏ وتبلغ تكلفة اللتر‏3.79‏ جنيه ثم تراجع دعم البنزين‏90‏ اوكتين الي‏38.3%‏ مقابل‏54.5%‏ في حين تبلغ تكلفته‏2.86‏ جنيه للتر‏.‏

أما بالنسبة لمعدلات استهلاك السولار فقد بلغت‏10.2‏ مليون طن بزيادة‏6%‏ عن العام الماضي تمثل‏36%‏ من اجمالي استهلاك المنتجات البترولية حيث يستأثر قطاع النقل علي‏29%‏ يليه قطاع السياحة بنسبة‏22%‏ ثم قطاع الزراعة والري‏16%‏ ثم قطاع الصناعة‏15%‏ ثم قطاع الطرق والمقاولات‏10%‏ ثم قطاع البترول‏4%‏ واخيرا الكهرباء بنسبة‏1%‏ وقطاعات أخري‏3%‏ ويتوقع ان يزيد الاستهلاك الي‏11‏ مليونا و‏116‏ ألف طن نهاية العام الجاري‏.‏

وقد اسفرت الاجراءات الاخيرة عن زيادة سعر لتر السولار الي‏110‏ قروش مقابل‏75‏ قرشا بزيادة‏31%‏ ليصل سعر الطن الي‏1315.6‏ جنيه بخسارة‏2344.16‏ جنيه مقابل‏2679.4‏ جنيه‏.‏

ويتضح من الارقام السابقة أن اسعار بيع المنتجات البترولية حاليا مازالت اقل بمعدلات كثيرة عند مقارنتها بالتكلفة الفعلية حيث ارتفعت قيمة الخسارة من‏10.2‏ مليار جنيه عام‏2000/2001‏ الي‏43.8‏ مليار جنيه العام المالي الماضي وقد بلغ اجمالي الخسارة ــ الدعم ــ خلال تلك الفترة‏175.4‏ مليار جنيه بالاضافة الي توريد‏38.9‏ مليار جنيه للخزانة العامة مما يعني دعم الخزانة العامة باجمالي‏214.3‏ مليار جنيه في سبع سنوات كما تشير المؤشرات الي ارتفاع قيمة الدعم العام المالي الحالي لأكثر من‏60‏ مليار جنيه ليرتفع اجمالي دعم المنتجات البترولية الي‏274‏ مليار جنيه في ثماني سنوات وبحساب الفرص البديلة تبلغ قيمة الدعم اكثر من‏476‏ مليار جنيه‏.‏