2130‏السنة 126-العدد2009نوفمبر2‏14 من ذى القعدة 1430 هـالأثنين















هل أتاك حديث المصالحة ؟‏!‏
بقلم: د‏.‏ عبد المنعم سعيد
فشلت المصالحة الفلسطينية‏-‏ الفلسطينية التي كانت تحاول القاهرة إجراءها طوال الشهور الماضية‏,‏ بل أنه يمكن القول أن المحاولة ممتدة إلي ما قبل‏'‏ حرب غزة‏'‏ عندما بذلت مصر جهودا مضنية لإجراء مصالحة كان ممكنا أن تمنع الحرب من الوقوع‏,‏ وتوحد الفلسطينيين‏,‏ وربما تعطيهم أملا في المستقبل‏.‏ علي أي الأحوال فإن مصالحة‏2009‏ انضمت إلي سابقتها في‏2008,‏ ومن الممكن أن يضم هذا وذاك إلي المصالحة السعودية التي كانت أسعد حظا بالنجاح وإنتاج إعلان مكة‏,‏ ولكنها كانت أتعس حالا عندما تم نقض الاتفاق قبل أن يجف الحبر الذي كتب به الإعلان‏,‏ وقبل أن تكف الدموع التي سالت عند أستار الكعبة‏.‏

وفي العادة ورغم كل أشكال الفشل‏,‏ فإن السعي إلي المصالحة الفلسطينية لا ينتهي أبدا‏,‏ ويعلم الفلسطينيون أن بوسعهم الخصام للأبد لأن هناك دوما من سيرق لحالهم‏,‏ ولا يري حلا لمعضلتهم بدون الوحدة الوطنية الفلسطينية‏,‏ ومن ثم يسعي إلي مصالحة من نوع جديد‏,‏ أو هكذا يتصور أن اختلاف العاصمة والفنادق ووجوه الوسطاء سوف يجعل النتيجة مختلفة‏.‏ والمدهش في القديم والجديد أن المصالحة تتحول أحيانا إلي هدف في حد ذاتها تنتهي عنده كل خطوات النضال الوطني الفلسطيني‏;‏ وأحيانا أخري فإنها تصبح‏'‏ بيزنس‏'‏ أو مصدرا للربح والحصول علي المكاسب شخصية كانت أو سياسية‏.‏ وما هو أكثر دعوة للدهشة هو أنه مع مضي الزمن في‏'‏ جهود المصالحة‏'‏ تتصور جماعات فلسطينية أن السماح بالوساطة من أجل المصالحة هو مكافأة يتم توزيعها مغانم علي الدول والجماعات وحتي الأفراد للحصول علي مزايا سياسية واستراتيجية‏.‏ وحينما تستمع إلي بعض من الفلسطينيين وتعليقاتهم حول الجهود الجارية ومدي عبثيتها‏,‏ فإن تعليقا واحدا سوف يكون لافتا للنظر وهو أن القضية الفلسطينية هي‏'‏ الرقم الصعب‏'‏ في معادلة الشرق الأوسط‏,‏ وطالما‏-‏ هكذا‏-‏ كان الرقم صعبا‏,‏ فلا بد أن هناك من سيتطوع لكي يقوم بجهود جديدة للمصالحة‏.‏

وسط ذلك كله تضيع‏'‏ القضية‏'‏ في جوهرها‏,‏ وهناك الكثير من الراديكاليين الفلسطينيين والعرب الذين يعتبرون كل جهد دبلوماسي أو سياسي لحل القضية نوعا من‏'‏ التصفية‏'‏ للقضية‏,‏ ولكن مع غياب كل هذه الجهود فإن القضية تجري تصفيتها كل يوم بجهود إسرائيلية عندما يجري تمزيق القدس‏,‏ ونشر المستوطنات في الضفة الغربية‏.‏ ولكن الأخطر هو أنه تجري تصفية القضية بجهود فلسطينية بدأت مع عملية استئصال قطاع غزة من الجسد الفلسطيني وعزله في محمية خاصة تسيطر عليها جماعة حماس السياسية والعسكرية‏.‏ ومع تحقيق الانفصال بالطريقة التي جري بها‏,‏ وما أدي إليه من أسر قرابة المليون والنصف من الفلسطينيين باتت حياتهم رهينة للصلف الإسرائيلي والحكم الأيديولوجي من جانب حماس‏,‏ فإن القضية الفلسطينية تفقد جوهرها وهي وجود‏'‏ شعب‏'‏ يريد التحرر من الاحتلال الإسرائيلي من ناحية وإقامة الدولة الفلسطينية من ناحية أخري‏.‏

والمشكلة بالنسبة للعالم العربي أنه لا يري في القضية إلا الصلف والاحتلال الإسرائيلي‏,‏ ولكن جانبها الآخر في مسئولية حماس‏,‏ فمع ما يجري للقضية فإنها عادة ما تسقط من الحديث العربي‏,‏ باعتبار أن الحديث عن حماس سوف يكون مفيدا للخصم الإسرائيلي‏.‏ ولكن ذلك يتم فقط في الإعلام العربي‏,‏ واللقاءات العربية‏,‏ حيث لا يريد أحد أن يخدش الوحدة العربية حول القضية الفلسطينية‏,‏ بينما في المؤتمرات الدولية واللقاءات مع الزائرين من الدول الأخري‏,‏ فإن الكل يعلم أنه لا سبيل إلي استعادة الوحدة الفلسطينية حتي ولو اتحد كل العرب أو تفرقوا سببا لذلك‏.‏ وأمام هذا المأزق الحاد بين الداخل والخارج لا يبقي إلا العمل من أجل مصالحة جديدة تكون مفيدة لكل الأطراف‏.‏ فالطرف الفلسطيني يحبها لأنها فضلا عن فوائد مادية تكون فرصة جديدة في الإعلام وفي القاعات المغلقة لإدانة الطرف الفلسطيني الآخر وتبيان عمالته الظاهرة أو الكامنة للدولة الصهيونية‏.‏ والأطراف العربية تحبها أيضا لأنها تشغل وقت فراغ غياب المفاوضات العربية‏-‏ الإسرائيلية‏,‏ كما أنها تصلح لمناورات عربية صغيرة حيث لا يوجد ما يسعد طرف عربي قدر فشل طرف عربي آخر في جهود المصالحة‏.‏ وإسرائيل أيضا تحبها كثيرا‏,‏ فعند جهود المصالحة ينشغل كل طرف فلسطيني بنفسه‏,‏ ولا بأس أحيانا من نشر الغسيل الفلسطيني غير النظيف‏,‏ وبالوسع دائما خاصة عند الجلوس مع أطراف دولية أخري الإشارة إلي الحال الفلسطينية والتأكيد علي أنه إذا كان الفلسطينيون يفعلون ذلك مع بعضهم البعض فكيف يفعلون مع إسرائيل‏.‏ وفي كل الأحوال تضيف إسرائيل إلي رصيدها مددا إضافيا من الانتظار الذي تستغله لبناء الجديد من المستوطنات‏,‏ وكسب الرأي العالمي‏,‏ والبناء التكنولوجي والتنموي للدولة الإسرائيلية‏.‏ والعالم أيضا يستفيد من جهود المصالحة‏,‏ ففي انتظار نتائجها راحة للضمير الذي يؤرقه أحيانا تقرير مثل تقرير جولدستون أو ما يماثله من تقارير‏.‏ والخلاصة أن‏'‏ عملية المصالحة‏'‏ مثل‏'‏ عملية السلام‏'‏ قد تكون أكثر أهمية من المصالحة نفسها‏,‏ أو السلام نفسه‏.‏

فهل ننتظر الآن جولة جديدة للمصالحة سواء كانت في القاهرة أو تتقدم دولة أخري لكي تحصل علي‏'‏ شرف‏'‏ تحقيق مصالحة لا تحدث أبدا‏,‏ وإذا حصلت فإنها تنفجر بعدها بفترة قصيرة؟ أم نبحث عن طريق آخر للخلاص من هذه المعضلة؟ الواضح أن البحث عن طريق آخر للخلاص من المعضلة هو المنهج السائد في المنطقة‏,‏ والطريق الآخر هو البعد عن القضية الفلسطينية إلي آخر مدي‏.‏ وأبرز الأمثلة علي ذلك ما تقوم به سوريا عندما تعايشت مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية المحتلة‏,‏ وأمسكت بلجام حركة حماس بعد أن أعطتها مكانا في دمشق لكي تتحكم في احتمالات المصالحة التي يقوم بها آخرون‏,‏ ومن ثم تحركت في اتجاه تركيا التي كانت منذ سنوات قليلة علي وشك الهجوم العسكري عليها‏.‏ الآن صارت تركيا حليفة وصديقة جري التنازل لها عن لواء الإسكندرونة بكرم شديد‏,‏ ومن بعد التنازل تدفقت العلاقات الاقتصادية والتجارية‏,‏ وجري التعاون الأمني ضد أشكال مختلفة من الإرهابيين‏,‏ ومن زار دمشق مؤخرا سوف يقول إن الأتراك مع البضائع التركية قد صارا العلامة السياسية البارزة في عاصمة الأمويين‏.‏ لقد عادت تركيا مرة أخري إلي سوريا بطريقة تلائم القرن الحادي والعشرين‏,‏ ومن الممكن تسميتها العثمانية الجديدة‏,‏ أو تسمية أخري‏,‏ فلا فرق في الحقيقة حول أن الزمان قد دار دورة كاملة‏,‏ وعادت الأيام‏-‏ طيبة أو غير طيبة‏-‏ إلي سيرتها الأولي‏.‏

سيناريو آخر ما زال ممكنا‏,‏ وطالما أنه لأسباب تاريخية ودينية وقومية وحتي وطنية لا يمكن تحقيق المصالحة‏,‏ أو ترك القضية الفلسطينية‏,‏ فإن الحل هو حسم الموضوع والوقوف إلي جانب الطرف الفلسطيني القابل بالمصالحة فعليا وهو السلطة الوطنية الفلسطينية ومساعدتها علي إجراء الانتخابات الفلسطينية في موعدها‏.‏ التحفظ علي ذلك بأنه يكرس الانقسام الفلسطيني ويعطيه الشرعية لا يري الواقع وهو أن الانقسام واقع بالفعل‏,‏ وأن حماس إما أنها لا تستطيع أو لا ترغب لا في المصالحة ولا في تغيير الأوضاع الواقعة الآن في غزة بعد أن تحولت بالفعل إلي إمارة صغيرة تسير أمورها علي الطريقة الطالبانية‏.‏ إن مثل هذه الحالة لا يوجد علاج لها في المستقبل القريب‏,‏ ولو أن الجهود المصرية والسعودية تركزت علي دعم الشرعية الفلسطينية لتم عزل حماس‏,‏ وإعطاء الشعب الفلسطيني تقديرا صحيحا لمن يريد الوحدة الفلسطينية ومن يسعي إلي تقسيم الشعب الفلسطيني‏,‏ ومن بعد ذلك إعطاء الفلسطينيين فرصة للتسوية والسلام من خلال جهود دولية تجد طرفا فلسطينيا يمكن التعامل معه‏.‏

وبالطبع‏,‏ وذلك محتمل‏,‏ هناك السيناريو المتمثل في العودة إلي مائدة المصالحة مرة أخري في القاهرة أو مكة‏,‏ لكن هذه المرة قد يراد تأمين موقف دمشق من المسألة كلها حتي تكون المحاولة جادة أو أكثر جدية مما سبق‏.‏ وإذا كانت سوريا قد عبرت الطريق نحو دولة من أهم أركان حلف الأطلنطي‏,‏ والمياه تعود إلي مجاريها بين دمشق وواشنطن فربما يمكن استمالتها وهي تتوجه شمالا أن تترك الجنوب لحاله‏,‏ والفلسطينيين لحالهم يتصالحون ويعقدون انتخابات تحدد من يقودهم في المرحلة المقبلة‏.‏ تعالوا ننتظر ونري‏,‏ ألم ننتظر عقودا طويلة من قبل ؟‏!.‏