2112‏السنة 126-العدد2009يونيو29‏6 من رجب 1430 هـالأثنين















بنك فيدرالي أقوي
‏..‏ وخطة طريق للاصلاح الامريكي
كتبت: نزيرة الافندي
المتتبع لتطورات الازمة المالية والاقتصادية التي اندلعت شرارتها الاولي في الولايات المتحدة عام‏2007,‏ وامتدت نيرانها الي معظم دول العالم بشقيه المتقدم والنامي‏,‏ عرف مسببات الازمة وعوامل انتشارها من ميوعة الرقابة الي جموح الاطماع والتطلعات المالية‏,‏ مرورا بتشابك العلاقات فيما بين الجهاز المصرفي وشركات التأمين الي القطاع العقاري وصناديق الاستثمار وبورصة الاوراق المالية‏.‏

كل هذا يدخل في خانة الزمن الماضي‏,‏ اما الزمن الحالي فيشهد محاولات الخروج من تبعات هذه الازمة وكيفية علاجها وتجنب تكرارها؟‏.‏

النظر الي التغيرات التي شهدتها الرئاسة الامريكية والتي توافقت مع توالي خطط الانقاذ المالي والانعاش الاقتصادي سوف نجد ان الرئيس باراك اوباما قد اعلن فور توليه منصبه عن ضرورة وجود خطة طريق للرقابة المالية علي النظام المصرفي الامريكي‏,‏ وهذا ما عكفت عليه الادارة المعنية علي مدي الستة اشهر التالية ليخرج الي الوجود مقترح الكتاب الابيض لهذه الخطة التي اعلن باراما اوباما التزامه بها‏.‏

وقبل استعراض الملامح العامة لهذه الخطة نود ان نشير الي عدة نقاط تظهر اسباب تباين آداء النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة واوروبا مقارنة بأدائه في العديد من الدول النامية والاقتصاديات الصناعية الصاعدة‏.‏

‏1‏ ـ لا تكف الادارات والمؤسسات المعنية في هذه الدول عن المراجعة والتصحيح وتصويب مسارات اداء المؤسسات المالية والاقتصادية فيها بحيث يكون كبوات الأداء وعثرات التطبيق حافزا ودافعا علي مزيد من الرقابة والتطوير‏.‏

‏2‏ ـ لا يتم التعامل مع القوانين القائمة والممارسات الفعلية بمفهوم القوانين والكتب المقدسة طالما وجد أنها تصطدم مع الواقع الفعلي وادت الي نتائج سلبية تمتد اثارها علي الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية واثارت المخاوف السياسية‏.‏

‏3‏ ـ لا يتم اتخاذ القرارات وتنفيذ خطط الاصلاح بقرارات عليا فوقية ولكن من خلال استطلاع الآداء والتفاوض مع كافة الاطراف المعنية للوصول الي افضل الحلول المطروحة قبولا من الناحية السياسية‏,‏ والمقصود بكافة الاطراف لا ينحصر في اطارالعملية الانتاجية ولكنه يمتد الي المواطن المستهلك ايضا‏,‏ جنبا الي جنب مع جماعات الضغوط المستفيدة في هذا القطاع او ذاك‏.‏

‏4‏ ـ من هذا المنطلق جاء الكتاب الابيض او خطة الطريق الخاصة بالرقابة علي النظام المصرفي الامريكي‏,‏ حيث وصفت بأنها تهدف الي المحافظة علي روح التجديد والابتكار وديناميكية الاستثمار بما يؤدي الي انعاش ودعم النمو في الاقتصاد‏.‏

ملامح الخطة المقترحة‏:‏
ارتكزت خطة الاصلاح المصرفي الامريكي علي توسيع سلطات بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي الي جانب تكوين مجلس تنسيقي للسياسات المالية ووكالتين احداهما لحماية المستهلك في مجال الخدمات المصرفية والثانية للاشراف والرقابة علي البنوك مع الجوانب الاخري وذلك علي النحو التالي‏:‏

‏1‏ ـ تكوين مجلس جديد للاشراف ومراجعة اداء الخدمات المالية وتقسيم اختصاصات
هذا المجلس الي عدة لجان‏:‏

ـ لجنة العقود السلعية المستقبلية‏.‏

ـ لجنة البورصة والاوراق المالية‏.‏

ـ وذلك بالاضافة الي الوظيفة الراهنة ممثلة في مراقبة العقود المستقبلية بصفة عامة‏.‏

وسوف نلاحظ ان اداء هذا المجلس يتضمن الاشراف والرقابة علي كافة المجالات وقطاعات الاستثمار التي فجرت الازمة المالية والاقتصادية ابتداء من المضاربة في مجال المشتقات الي الاسهم والسندات وصولا الي ادارة الاموال في صناديق التحوط وصناديق الاستثمار بصفة عامة‏,‏ كما تضمنت الخطة ضرورة تسجيل انتهاج سياسة الحوكمة والشفافية في حساباتها وسجلاتها امام المراقبين الماليين المعنيين‏,‏ وكذلك بالنسبة لمؤسسات تقييم وتقدير الجدارة الائتمانية‏.‏

‏2‏ ـ زيادة دعم السلطات الممنوحة لبنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي وبما يمكنه من متابعة اداء اي وحدات مالية ضخمة يمكن ان يؤدي انهيارها الي تعريض الاستقرار في النظام المصرفي والمالي للخطر‏.‏
بل ان اختصاصات بنك الاحتياطي الفيدرالي في مجال المراقبة لم تعد قاصرة علي الجهاز المصرفي بمعناه المحدود ولكنها امتدت لتشمل الي جانب بنوك الاستثمار البنوك التجارية والشركات المصرفية القابضة ـ علي غرار سيتي جروب ـ وكذلك شركات الاقراض الصناعي والشركات المصدرة لكروت الائتمان مع المشاركة في الرقابة علي صناديق الاستثمار والمشتقات من خلال المشاركة في المجلس التنسيقي الجديد‏.‏

‏3‏ ـ وتأتي المؤسسة الفيدرالية لضمان الودائع لتكون الآلية التالية في مجال المحافظة علي استقرار المصرفي والمالي الامريكي حيث تتضمن الخطة توسيع نطاق اشرافها بحيث يشمل اية وحدات مالية ضخمة يمكن ان يؤدي انهيارها الي تهديد واستقرار النظام المصرفي والمالي‏.‏ مع مراعاة ان مجالات تطبيق هذه الالية تمتد من البنوك الاستثمارية الي التجارية مرورا بالشركات القابضة في المجال المصرفي والصناعي وكذلك شركات كروت الائتمان والتجزئة المصرفية‏.‏ ويحق لهذه المؤسسة اغلاق وتصفية ايا من هذه المؤسسات الواقعة تحت اشرافها وفي نطاق مسئوليتها وبما يجنب النظام المصرفي التعرض للتجربة المريرة الخاصة بانهيار بنك ليمان برازر‏.‏

‏4‏ ـ كما تعد وكالة الحماية المصرفية للمستهلك من ابرز الاضافات والتجديدات في دماء الرأسمالية المصرفية‏,‏ حيث تنص علي حماية حقوق المستهلك العميل في مجالي الاقراض العقاري وكروت الائتمان وكافة اشكال التجزئة المصرفية جنبا الي جنب مع القروض الفردية وسوف يمتد عمل هذه الوكالة الي مراقبة آداء سماسرة العقارات والرهونات مع الاضطلاع بدور تدريبي في القطاع المصرفي والمالي وبما يؤدي الي تحسين الخدمات لصالح العملاء

‏5‏ ـ تكوين وكالة جديدة خاصة بالاشراف والرقابة الوطنية علي البنوك تشمل الرقابةعلي العملة ومؤسسات الادخار غير المدرجة في البنوك التجارية‏.‏

‏6‏ ـ العمل علي تنسيق الاشراف علي الشركات الدولية ذات النشاط المالي العابر للقوميات وتطبيق معايير دولية مرتفعة فيما يتعلق برؤوس الاموال والاحتياطيات‏.‏

وبعد اذا كانت خطة الطريق للاصلاح المصرفي الامريكي قد دفعت بالكثيرين ممن فقدوا اموالهم في صورة مدخرات واستثمارات الي تنفس الصعداء الا ان الامر لا يبدو بهذه البساطة‏,‏ حيث سرعان ما اشتعلت حملة الانتقادات لهذه المقترحات تارة فيما يتعلق بتوسيع نطاق سلطات وصلاحيات البنك الفيدرالي الامريكي وتارة ثانية الي التشكيك في مدي فعالية هذه الخطة في مجال انعاش الاقتصاد وروح التجديد والابتكار حيث انها تحاصر روح المغامرة وتضيق من نطاق استثمار المخاطر‏.‏

اما حماية المستهلك فقد كانت النقطة التي اثارت اتحادات الغرف التجارية واعضاء الحزب الجمهوري باعتبارها تضع خطة العمر لحماية الفرد المستهلك وهو امر غير مرغوب فيه علي مايبدو من وجهة نظرهم‏.‏

اما بالنسبة للوضع في دول العالم الثالث علي صعيد النظم المصرية فلاشك ان الامر يقتضي مثل هذه الخطوة واكثر‏.‏

------------‏

عجز الميزانيات يؤرق الحكومات
لا فرق هناك بين الولايات المتحدة الامريكية واصغر دولة في العالم فيما يتلعق بكابوس عجز الميزانيات فالكل سيان يطارده القلق من العبء المالي المتراكم الذي فرضته تارة ازمة الغذاء العالمية واسعارها النارية‏,‏ كما جاءت الازمة المالية لتصبح اقتصادية وتضيف المزيد من الاعباء علي الميزانيات في صورة برامج انعاش اقتصادي والمزيد من فرص العمالة واعانات البطالة‏.‏

وقد تبلورت ملامح المشكلة في تدافع العديد من الحكومات الي الاقتراض من اسواق المال وهذا ادي بدوره الي رفع اسعار الفائدة المدينة وبالتالي اعباءها المالية علي الحكومات المعنية واذا اضفنا الي ذلك تنافس الشركات وقطاعات الاعمال في طرح السندات للاقتراض‏,‏ سوف نجد الدافع الاساسي وراء اسعار الفائدة التي تنمو نحو الارتفاع‏.‏

والي جانب قضيتي تزايد اعباء خدمة الدين العام المتراكم‏,‏ هناك مشكلة اخري تواجه حكومات الدول والبنوك المركزية ألا وهي كيفية الخروج من هذا المأزق المتواصل؟‏.‏

فعلي سبيل المثال تضخم عجز الميزانية الامريكية ليصل الي نسبة‏13.2%‏ من اجمالي الناتج المحلي وما يتجاوز ذلك بالنسبة لبريطانيا‏,‏ وهلم جرا بالنسبة للعديد من الدول والحكومات الا ان الوضع بالنسبة للولايات المتحدة الأكثر اثارة للقلق والمخاوف حيث تشير التقديرات الي مديونية الحكومة الامريكية سوف تقفز من نسبة‏40%‏ الي‏60%‏ من اجمالي الناتج المحلي في غضون عامين مما دفع محافظ البنك الاحتياطي الفيدرالي الي اطلاق تحذيراته من هذا الافرط‏.‏

وتشير الارقام الي انه علي مدي عام‏2009‏ ـ‏2010‏ سوف تقوم واشنطون باصدار سندات خزانة تقدر قيمتها باكثر من خمسة الاف مليار دولار وانه اذا استمر الوضع علي هذا المنوال فان ديون واشنطون سوف تقفز علي مدي العقد القادم من‏40%‏ الي‏82%‏ من اجمالي الناتج المحلي‏,‏ وبما يعادل‏17.3‏ تريليون دولار‏.‏ كما ان زيادة تعادل‏1%‏ في سعر الفائدة علي هذه الديون سوف يعني اضافة‏170‏ مليار دولار اضافي في صورة اعباء مالية فيدرالية‏.‏

ولا تبدو اوروبا في وضع افضل حالا حيث تشير الدراسات الي توقع قيام دول منطقة اليورو باقتراض ما يقرب من‏1.6‏ تريليون دولار او‏2.3‏ تريليون يبلغ نصيب بريطانيا منها‏797‏ مليار دولار‏,‏ وان نسبة الدين الحكومي الي اجمالي الناتج المحلي سوف ترتفع من‏55%‏ الي‏100%‏ بحلول عام‏2013‏ ومن الطبيعي في ظل هذه التطورات ان تتلقي بريطانيا ولاول مرة منذ عام‏1978‏ انذارا بتخفيض ترتيب جدارتها الائتمانية من جانب‏SAL‏ من‏AAA‏ ؟؟؟؟؟ وان تنتقل من المرحلة التقديرية الايجابية الي السلبية واذا كان التحذير قد تم توجيهه الي بريطانيا فان مضمون الرسالة يسري علي معظم الدول الصناعية السبع المتقدمة وعلي رأسها الولايات المتحدة اما بالنسبة للدول الاوروبية الاعضاء في منطقة اليورو فان وضع ديونها قصيرة الاجل افضل نسبيا وان كان اتجاه اسعار الفائدة الي الارتفاع سوف يضع كافة هذه الدول علي حد سواء في مواجهة تزايد اعباء المديونية ومايعنيه من اعاقة وبطء نموها الاقتصادي‏.‏

وهنا يكون التساؤل عن كيفية الخروج من هذه الاوضاع المتشابكة التي فرضتها الازمة المالية والاقتصادية المتصاعدة والتي حولتها بدورها الي ازمة تواجه الحكومات والبنوك المركزية حول كيفية الخروج من هذا المأزق؟‏.‏

وقد كانت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل اكثر المسئولين الغربيين صراحة ووضوحا في هذا التساؤل سابقا وحاليا‏.‏

وقد نبع التساؤل السابق من موقف الحكومة الالمانية المعارض في البداية من الاندفاع في برامج الانعاش الضخمة التي تمولها الحكومات والتي تعني المزيد من الاعباء المالية علي الميزانيات وبالتالي تراكم الدين العام ومتطلبات خدمته‏,‏ ويلاحظ انه حتي بعد اقدام برلين علي مجموعة من برامج الانعاش‏,‏ الا انها ظلت تخطو بحذر شديد وليس بذات النمط والخطوات المتسارعة التي اتخذتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا‏,‏ مما استوجب توجيه المستشارة الالمانية لانتقاداتها الاخيرة‏,‏ والتي تمثلت في ان هذه السياسات التي انتهجتها تلك البنوك المركزية بالاضافة الي البنك المركزي الاوروبي الموحد ستؤدي حتما الي اذكاء نيران التضخم وقد جاءت انتقادات المستشارة الالمانية علي غير المتوقع‏,‏ بالنسبة للنهج السياسي الالماني الذي يبتعد بصفة كلية عن تناول السياسات النقدية احتراما لاستقلال البنوك المركزية‏.‏

وتنصرف وجهة النظر المنتقدة لسياسات الفيدرالي الامريكي ونظيره البريطاني والاوروبي الموحد في كيفية استيعاب وامتصاص المليارات التي دفعت الي الاقتصاديات في اطار برامج الانقاذ‏,‏ والاحتمالات التضخمية المتزايدة في ظل السياسات النقدية المتحررة‏.‏

فمن المعروف ان الفيدرالي الامريكي قد اعلن مؤخرا عن عزمه شراء مايعادل ثلاثمائة دولار من سندات الخزانة بالاضافة الي مائتي مليار دولار في صورة سندات مصدرة من جا نب العملاقين فيني وفريدي العاملين في قطاع التأمين العقاري وهذا الي جانب‏1.25‏ مليار دولار لشراء الاوراق المالية المدعومة برهان عقاري‏,‏ اي انه من المقرر ان تطرح الاموال الجديدة في الاقتصاد الامريكي تقدر بـ‏1.252‏ تريليون دولار خلال العام الحالي‏2009.‏

واختلاف الوضع بالنسبة للولايات المتحدة مقارنة بغيرها من الدول يكمن في ان الفيدرالي الامريكي يمول برامج الانقاذ والانعاش الاقتصادي‏,‏ اضافة الي شراء الاسهم والسندات من خلال طبع المزيد من الدولارات التي تأخذ من الناحية النظرية شكل الاحتياطي النقدي الامريكي‏,‏ والذي قفز من‏11‏ مليار دولار في السنة المنتهية في سبتمبر‏2008,‏ الي‏900‏ مليار دولار الآن‏,‏ بينما الوضع بالنسبة للدول الاخري يكمن في محدودية احتياطيها من الدولارات حيث تعد بالنسبة لها عملات دولية‏,‏ اما بالنسبة للولايات المتحدة فان عملتها الوطنية هي العملة الدولية الاولي في العالم الا وهي الدولار‏.‏