












|
|
|
دولار يفقد عرشه بقلم: محمد عبد اللاه
 |
القوة حلوة. وقبل سنوات لم يكن هناك بالنسبة للأمريكي المسافر إلي الخارج أحلي من أن يعرف ويتذوق معني قوة الدولار. وتلك الحلاوة كانت زائدة بالطبع لأن الدولارات التي يحملها الأمريكي في جيبه هي نفسها العملة التي يتقاضي بها راتبه من الخزانة الموجودة في مقر عمله.
وكان الأمريكي الذي يسافر إلي كثير من دول العالم واضعا في جيبه نحو ألف دولار يشعر بأنه' مليونير علي رأسه تاج'- خاصة حين يكون هذا الأمريكي مطلوبا- بالمعني الإيجابي للكلمة- من أكثر من جهة.
ففي الدولة التي توجد فيها سوق سوداء للعملة يكون حامل الدولارات مطلوبا من البنك, ومن محل الصرافة, ومن تاجر العملة الذي في السوق السوداء, ومن صاحب المطعم, وسائق التاكسي, وأي أحد يمكنه تصريف العملة الأمريكية بأعلي من السعر الرسمي لها في تلك الدولة.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية استمتع الأمريكيون بتلك القوة الخارقة التي للدولار. واستمتع غيرهم ممن حملوا الأوراق الأمريكية الخضراء في أسفارهم إلي الدول الفقيرة, وكان من بينها دول شرق أوروبا التي كانت' مفعمة بالجمال بأقل التكاليف'.
وكان بإمكان المسافر من هؤلاء إلي بولندا- مثلا- أن يستأجر شقة واسعة نظيفة في حي راق في وارسو بدولارين أو ثلاث دولارات في اليوم. وكان هذا المسافر يأكل في أرقي مطعم بدولارين ويشرب في أفخم مقهي بدولار. وللقاريء ان يتخيل النعيم الذي كان فيه من كان في جيبه مئة دولار لمصروف اليوم الواحد في المجر أو رومانيا أو بلغاريا.
وفي الدول الأفريقية جنوبي الصحراء كان حامل الدولارات يشعر بأنه من طينة مختلفة عن البشر. لكن شعوره كان يعتدل في الدول الغنية مثل اليابان وألمانيا( الغربية وقتذاك) وبريطانيا وفرنسا.. ويبقي هذا الشخص مع ذلك واثقا بدولاراته.. وواثقا بنفسه معها.
وكيف كانت بداية القصة؟ في بريطانيا كانت البداية. فالشمس راحت تغرب بعد الحرب العالمية الثانية عن تلك الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس. صحيح أن بريطانيا وحلفاءها انتصروا علي ألمانيا بقيادة أدولف هتلر وقسموها إلي دولتين, وقسموا عاصمتها إلي مدينتين, لكن الصحيح أيضا أن الاتحاد السوفيتي الذي ظهر كقوة منافسة للغرب الذي تقوده الولايات المتحدة بعد الحرب كان قد سيطر علي أوروبا الشرقية, ومد نفوذه في مناطق أخري في العالم لاحقا.
وبعد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي علي مصر صارت بريطانيا دولة من الدرجة الثانية. وكان طبيعيا أن يسقط الجنيه الإسترليني من علي العرش العالمي الذي كان عليه.
وكان طبيعيا أن يصبح الدولار العملة السيدة في العالم, لأن الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب الثانية قوة عظمي عسكريا واقتصاديا مدت هيمنهتا ماليا أيضا في عالم ما بعد ألمانيا النازية.
ومن نفس الكأس يشرب الأمريكيون اليوم. فالهيمنة الدولارية تخبو- بتعبير عنوان مقال نشر في صحيفة' الواشنطن بوست' الأمريكية في الآونة الأخيرة. وصارت أيام' الدولار صاحب القوة الخارقة' معدودة.
وغير خاف علي أحد أن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي أدخل الولايات المتحدة في حربين ضروسين في أفغانستان والعراق قد ضرب الاقتصاد الأمريكي بمعاول الهدم التي ظهرت آثارها واضحة جلية- ومؤلمة أشد الألم للأمريكيين- في أزمة الائتمان التي ضربت الولايات المتحدة, وأسقطت مؤسسات مالية وصناعية أمريكية عملاقة مثل بنك ليمان براذرز وشركة جنرال موتورز ثم راحت تسرح وتمرح في العالم.
وهناك أسباب سياسية واقتصادية- لن تدوم طويلا- هي التي تحفظ للدولار ما بقي له من مكانة, وسيستمر الدولار بسببها في الصدارة ربما لسنوات, وأهمها سببان هما:
أولا- لدي الصين مدخرات دولارية هائلة تبلغ نحو تريليوني دولار(2000 مليار دولار). ومن مصلحة بكين ألا تسحب اعترافها بالدولار كمستودع لاحتياطيها من العملة الأجنبية. فخطوة كتلك تعني سقوط الدولار فورا من علي العرش, وضياع الكثير من قيمة المدخرات الدولارية الصينية.
ولذلك فإن تحرك الصين المضاد للدولار, وهو التحرك المطالب بدور للعملة الصينية' اليوان' في النظام المالي العالمي مواز لقوة الصين الاقتصادية الحالية, هو تحرك متمهل وإن كان دءوبا. وقبل أيام كانت الصين طرفا في بيان مشترك مع البرازيل وروسيا والهند طالب بنظام مالي دولي أكثر تنوعا.
والحقيقة أن هذه الدعوة من جانب دول لديها احتياطيات دولارية ضخمة جعلت المراقبين الاقتصاديين والماليين وقادة المؤسسات المالية الكبري في العالم يتنبهون إلي أن هناك فعلا خطورة في أن تبقي الاحتياطيات النقدية العالمية بالدولار بنسبة تتراوح بين60 في المئة و65 في المئة. فإذا سقط الدولار فجأة فسيكون هناط اضطراب وخراب مالي في العالم ربما لم يكن له نظير في السابق.
ومن خطوات الصين المتمهلة الدءوبة لعلاج وضع الدولار الحالي الدخول في اتفاقات مع دول أخري للمقاصة المالية. والهدف من تلك الاتفاقات أن يأخذ اليوان مكانته في العالم بالتدريج.
ثانيا- لأسباب بعضها سياسي تحرص دول الخليج العربية علي استمر ربط عملاتها بالدولار منعا للتسبب في تهاويه. وتفعل تلك الدول ذلك علي الرغم مما رأته من أهوال التضخم في فترات سابقة, وهو تضخم نتج عن أموال أكثر تدفعها تلك الدول مقابل الواردات غير الأمريكية بسبب ضعف الدولار المتزايد, وهو ما أدي إلي زيادات متصلة في الأسعار في الأسواق المحلية في تلك الدول.
ولدي دول الخليج العربية أيضا- خاصة السعودية- مدخرات دولارية هائلة تريد أن تحافظ علي قيمتها بالقدر المستطاع. وكانت الكويت الدولة الوحيدة العضو في مجلس التعاون الخليجي( السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وعمان) التي فكت الربط بين عملتها والدولار عام.2007
وما العمل لإنزال الدولار الأمريكي من علي عرش المال العالمي بأقل الخسائر؟
يوجد اتفاق عالمي علي ضرورة أن يكون هناك بديل للدولار كمستودع عالمي للاحتياطي النقدي. والبديل المتفق عليه إلي الآن هو أن يزيد صندوق النقد الدولي من إصدار ما يسميه حقوق السحب الخاصة( إس دي آر) وهي أوراق مالية تتأسس علي كل من الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني معا. ويعتزم الصندوق طبع300 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة( عشرة أمثال الموجود منها حاليا) لتحل تدريجيا- ولفترة انتقالية- محل الدولار كاحتياطي نقدي في البنوك المركزية عبر العالم.
وماذا بعد الفترة الانتقالية؟ لا محالة ستفرض العملة التي تمثل أكبر اقتصاد في العالم نفسها علي الاحتياطيات النقدية في البنوك المركزية. لكن ليس متوقعا أن يحدث شيء كهذا قبل مرور عشر سنوات, وهي الفترة المقدرة لصعود الاقتصاد الصيني إلي مرتبة أكبر اقتصاد في العالم ليسبق بذلك الاقتصاد الأمريكي.
وإلي أن يحدث ذلك ماذا سيحدث للولايات المتحدة؟ بشيء من التفصيل المخيف يشرح مقال' الواشنطن بوست' الذي أشرت إليه في مكان متقدم من هذا المقال الأمر. فملايين الأمريكيين في الخارج سيزيد شعورهم بأنهم فقراء وهم يحملون دولارا لم يعد مطاعا ولا مطمعا, خاصة حين يهبط إلي معدلات قياسية في مواجهة العملات الرئيسية الأخري في العالم بحسب المتوقع.
صحيح أن الصادرات الأمريكية ستعيش فترة ذهبية بسبب الإقبال عليها لرخص أسعارها لكن الصحيح أيضا أن أذون الخزانة الأمريكية لن تجد من يشتريها إلا إذا كان سعر الفائدة عليها كبيرا جدا, وبالتالي لن تجد واشنطن الموارد اللازمة لتمويل خطة التحفيز الاقتصادي التي تطبقها, وستتعب كثيرا جدا في تدبير الموارد اللازمة للإنفاق علي عجز الميزانية المستفحل لديها.
ومن الممكن أن تتسبب ظواهر كتلك- إذا حدثت بتواتر سريع- في نزول الدولار من علي العرش بسرعة, كما يتوقع أن تدفع تلك التطورات إذا تلاحقت أمريكا من علي قمة الاقتصاد العالمي بسرعة أيضا, وربما يكون ذلك بحلول عام.2015
والحقيقة أنه بات مطلوبا التوصل إلي اتفاق دولي مفصل في شأن إنهاء الوضع المهيمن الحالي للدولار بأقصي قدر من الأمان. ومثل هذا الاتفاق سيجنب العالم احتكاكات حادة مثل الاحتكاك الذي تمثل في الأزمة المالية العالمية التي أفقدت الولايات المتحدة الكثير من قوتها الاقتصادية والمالية.
ومن الضروري أن هناك إجراءات يتعين أن تقوم بها كل دولة علي حدة,وأهمها إيجاد أوعية إضافية إلي جانب الدولار لحفظ الاحتياطيات النقدية منعا لحدوث سقوط المدوي الذي يمكن أن يواجهه الدولار ويقضي عليه بضربة واحدة. |
|
|
|
|
|
|
  |
|