2112‏السنة 126-العدد2009يونيو29‏6 من رجب 1430 هـالأثنين















ستة ملايين عامل و‏200‏ مليار جنيه حجم الاقتصاد السري
بوابة خلفية لتهريب الغذاء الفاسد داخل المجتمع
المستفيدون والخاسرون في الاقتصاد الخفي
‏تحقيق نهله ابوالعز
تقترب قضية الاقتصاد السري من قضية سلامة الغذاء حيث تقف مصانع الاقتصاد السري موقف الشريك الرئيسي في هذه القضية لما توفره من غذاء غير مطابق للمواصفات من جهة وعمالة غير محسوبة علي الدولة من جهة اخري ولايمكن التهوين من حجم هذا الاقتصاد الذي يساهم في توفير فرص عمل لنحو‏6‏ ملايين مواطن في مصر‏,‏ ويزدهر وقت الكساد حيث تضعف القوي الشرائية وهناك خلافات حول تقديرات هذا الاقتصاد السري‏..‏ فالحكومة تقدره بما يتراوح ما بين‏60‏ إلي‏80‏ مليار جنيه‏,‏ في حين أن هناك تقارير صادرة عن عدد من المنتديات ومراكز الأبحاث تشير إلي أن حجم هذا الاقتصاد يصل لنحو‏95‏ مليار جنيه‏,‏ وهناك من يري أنه يزيد علي ذلك ويصل لنحو‏200‏ مليار جنيه إذا أضيف إليه حجم الأنشطة غير المشروعة كتجارة المخدرات وغيرها‏,‏ ويعتبر الباعة الجائلون أو بيزنس الشارع أهم نشاط من أنشطة الاقتصاد السري‏,‏

ولهذا فإن نسبة ما يمثله الاقتصاد السري من الناتج المحلي تختلف أيضا‏,‏ فالنوع الأول من هذا الاقتصاد وهو الشرعي أي بيزنس الرصيف كالباعة الجائلين والمشروعات الحرفية تمثل نحو‏30%‏ من الناتج المحلي الإجمالي ولكن النسبة تزيد إذا أضيف إليها النشاط غير الشرعي‏.‏

اما العمالة سوف ترتفع أجورها كنتيجة لزيادة إنتاجيتها‏,‏ كما تستفيد من تحسن ظروف العمل والمزايا التي تقدمها شبكات الأمان الاجتماعي‏,‏ فضلا عن توافر فرص عمل جديدة نظرا للتوسع في المشروعات القائمة‏.‏

اما المستهلكون فسوف يحصلون علي منتجات اكثر جودة نتيجة لخضوع الشركات لآليات المراقبة والأشراف في إطار القطاع الرسمي وإن أفضي ذلك الي تحمل بعض التكاليف‏.‏

وفيما يتعلق بالحكومة فان الإصلاحات المقترحة من شأنها توسيع القاعدة الضريبية وبالتالي زيادة قدرة الدولة علي تمويل الإنفاق علي خدمات الصحة والتعليم ومشاريع البنية الأساسية‏..‏

بداية د‏.‏ يمني الحماقي رئيس قسم الاقتصاد بكلية تجارة عين شمس انه منذ فترة طويلة والمطالبة مستمرة بضرورة دمج الاقتصاد غير الرسمي للاقتصاد القومي‏,‏ وحان الوقت لكي نعترف به وتستفيد الدولة من جهودهم بما لا يعوق عملية التنمية‏,‏ خاصة انهم نجحوا فيما فشل فيه أصحاب المشروعات الصغيرة التي مازلت تتعسر في الإجراءات الروتينية ومشاكل التمويل والتسويق‏.‏إن التحول في القطاع غير الرسمي للاقتصاد القومي يجب أن يكون وفق بيانات صحيحة خاصة‏,‏ أن شفافية المعلومات والأرقام هي أهم شيء يفتقده القطاع غير الرسمي حتي إن الحكومة نفسها لا يتوفر لديها هذه المعلومات وتعتمد علي المعلومات التي توفرها مراكز البحوث والمنتديات الاقتصادية‏'‏ موضحة أن تقديرات العمالة في مصر تبلغ‏20.9‏ مليون شخص منهم‏6‏ ملايين في القطاع الحكومي و‏5.8‏ مليون في القطاع الخاص وهو ما يوضح حجم العمالة التي يتحملها القطاع غير الرسمي خاصة ان كل فرد منهم مسئول عن أسرة مكونة من خمسة أفراد علي الأقل‏,‏ كما تمثل المرأة في القطاع غير الرسمي اكثر من‏35%‏ من العاملين به أكثرهن أرامل ومطلقات يحتجن لعناية اجتماعية وأمنية توفر لهن الاستقرار والاستمرار في العمل‏.‏

فمنذ سنوات عديدة وكل الهيئات البحثية والاجتماعية في مصر تسعي لظروف عمل مناسبة للقطاع غير الرسمي بعيدا عن مطاردات الشرطة ومكاتب الحكومة حتي يتمكنوا من الالتحام بالمجتمع الذي هم جزء منه ولكي يستفيد المجتمع من عملهم ولا يعتبرهم نشاطا عشوائيا‏,‏ اضراره اكثر من الاستفادة منه‏.‏

اتحاد الصناعات يدرس مشكلة الاقتصاد السري
وقد بدأ اتحاد الصناعات في دراسة كل المشاكل والمعوقات التي أدت الي انتشار ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي‏'‏ السري‏'‏ بالتنسيق مع وزارتي التجارة الخارجية والصناعة والمالية لايجاد الحلول الواقعية التي تيسر اندماجها في الاقتصاد الرسمي خاصة بعد ان اكدت العديد من التقارير الرسمية ان عدد المنشآت الصناعية غير المسجلة وغير المرخصة حوالي‏4.1‏ مليون منشأة في كل القطاعات الصناعية المتنوعة وبلغ عدد العاملين بها‏2.8‏ مليون عامل‏,‏ وكشفت دراسات الاتحاد ان القضاء علي ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي لابد ان تكون من خلال التعرف علي كل المعوقات التي تحد من عدم الاندماج والتوافق بكل سهولة وبساطة دون أي تعقيدات لذا تم الاستعانة بالعديد من الخبراء والفنيين والقانونيين والصناعيين للانتهاء من دراسة كيفية وامكانية الوصول الي افضل الطرق والآليات المناسبة للتغلب علي هذه الظاهرة والقضاء عليها حيث ان عدد العمالة التي تعمل في النشاط غير الرسمي يمثل حوالي اكثر من‏41%‏ من إجمالي قوة العمل‏.‏

تم وضع اقتراحات وتصورات عن كيفية تهيئة وتوعية المنشآت الصناعية والعاملين بها بأهمية وفوائد الدخول الي الاقتصاد الرسمي وسيتم ذلك من خلال عقد المؤتمرات والندوات في أماكن مختلفة متنوعة بالتنسيق مع وسائل الاعلام المختلفة بصورة تدريجية مع العمل علي ان يكون هناك تيسيرات كبيرة لتسهيل الاجراءات بدون مصروفات او رسوم حتي يمكن تشجيع اصحاب هذه المنشآت للدخول في النشاط والاقتصاد الرسمي والحصول علي التراخيص اللازمة لاكسابها الشرعية ومساعدتها علي اكتساب منتجاتها الثقة من خلال تطبيقها المواصفات القياسية والاشتراطات الصحية‏.‏

بيزنس الشارع
وتعتبر تجارة الأرصفة أو ما يطلق عليها‏'‏ بيزنس‏'‏ الشارع أهم نشاط من أنشطة الاقتصاد السري في مصر‏;.‏

الغريب في الأمر أن الحكومة المصرية لم تلق اهتماما بهذه الدراسات العديدة‏,‏ إلا أنه في الفترة الأخيرة في ظل بحث الحكومة عن موارد مالية جديدة‏,‏ ظهر اهتمام الحكومة بالباعة المتجولين والاقتصاد السري عامة‏.‏

وتوضح الغرفة التجارة بالقاهرة أن ظاهرة الباعة المتجولين تمثل صداعا مزمنا للأجهزة الحكومية المختصة وقطاع التجارة الداخلية‏;‏ حيث إنهم يمارسون نشاطهم بالمخالفة للقانون‏,‏ ويقومون بترويج السلع مجهولة المصدر وغير المطابقة للمواصفات القياسية وبيعها بأسعار زهيدة‏;‏ مما يضر بنشاط المحلات التي تبيع منتجاتها بأسعار مرتفعة‏;‏ نظرا لتحملها أعباء ضريبية ورسوم خدمات‏.‏

وتضيف أن علاج ظاهرة التجارة العشوائية يكمن في توفير الأراضي اللازمة لإقامة أسواق جديدة‏,‏ تضم الباعة المتجولين وتجار الأرصفة‏,‏ وهو ما يتبناه المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة بالتنسيق مع وزارة الإسكان والمحليات‏,‏ مشيرا إلي أن التعديلات الجديدة لقانون الباعة المتجولين تؤكد هذا الاتجاه‏;‏ حيث إنها تلزم الجهات المسئولة عن التخطيط العمراني بالمحافظات بتخصيص أماكن دائمة أو مؤقتة لهؤلاء الباعة‏,‏ بما يسمح بمزاولة النشاط تحت عيون الأجهزة الرقابية‏.‏

منتجات مغشوشة
وتحذر الغرفة التجارية من استمرار نشاط الباعة المتجولين‏;‏ حيث إنهم لا يتحملون أعباء مادية‏,‏ سواء في الضرائب والجمارك ورسوم السجل التجاري والتراخيص وخدمات الكهرباء والمياه‏,‏ وبالتالي يقومون ببيع المنتجات المعروضة لديهم بأسعار رخيصة مقارنة بأسعار المحلات التجارية‏;‏ مما يدفع المستهلكين إلي شراء منتجاتهم‏;‏ وهو الأمر الذي يصيب نشاط المحلات بالشلل التام‏.‏

وعن المخاوف التي أثارها البعض حول زيادة الغرامات‏,‏ يري عبد الشافي أنه ينبغي عدم افتراض سوء النية عند إصدار أي قانون أو اتخاذ قرار بشأن ظاهرة معينة‏;‏ فالتخوف من زيادة الأتاوي التي يحصل عليها بعض موظفي المحليات من المحلات غير المرخصة بعد ارتفاع قيمة الغرامات غير المنطقية‏;‏ فهناك رقابة علي المحليات‏,‏ والقانون يعاقب من يخطئ‏.‏

تصاريح مؤقتة
تدعو غرفة تجارة القاهرة وزارة التجارة والصناعة إلي منح تجار الأرصفة والباعة المتجولين تصاريح مؤقتة لمدة عام واحد أو عامين لحين تقنين أوضاعهم‏;‏ وذلك للسماح بمزاولة نشاطهم تحت مظلة القانون بما يحمي المستهلكين والتجار الملتزمين من هذه الظاهرة السلبية مع منحهم مزايا ضريبية تتمثل في إعفائهم من سداد ضريبة المبيعات والدخل لمدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام‏;‏ مما يشجعهم علي تسجيل نشاطهم بمصلحة الضرائب‏,‏ مؤكدا أن إحجام التجار عن التسجيل يرجع إلي سيطرة الفكر الضريبي القديم عليهم وتخوفهم من التقديرات الجزافية‏.‏

وشددت علي ضرورة تبني استراتيجية جديدة يتم تطبيقها خلال خمس سنوات بمشاركة وزارتي التنمية المحلية والتجارة والصناعة والغرف التجارية‏;‏ وذلك بهدف تقنين أوضاع الباعة المتجولين من خلال إنشاء أسواق مفتوحة لهم ومنحهم تراخيص مؤقتة لمزاولة النشاط‏.‏

وتؤكد أن دمج تجارة الأرصفة التي تقدر استثماراتها بملايين الجنيهات ضمن منظومة التجارة الرسمية يساعد علي زيادة نمو الاقتصاد الرسمي‏,‏ مشيرا إلي أن مشكلة التراخيص تقف عائقا أمام تسجيل أنشطة هؤلاء التجار‏,‏ وبالتالي يلجأون إلي العمل بعيدا عن رقابة الأجهزة المختصة‏;‏ تفاديا للصدام مع بيروقراطية الهيئات الحكومية المعنية‏.‏

ويضيف أن التعديلات الجديدة علي قانون الباعة المتجولين أمر إيجابي‏,‏ ولكن ينبغي اتخاذ العديد من الإجراءات والتسهيلات الخاصة بالتراخيص والتسجيل الضريبي‏;‏ لمساعدة تجار الأرصفة علي الاندماج في منظومة الاقتصاد الرسمي‏.‏

الحل في ادماج الاقتصاد السري‏.‏
اعد الباحث الدكتور احمد جلال المدير التنفيذي السابق للمركز المصري للدراسات الاقتصادية دراسة مفصلة عددا من القضايا المتعلقة بالاقتصاد السري منها حجم القطاع غير الرسمي في مصر وكيفية التعامل معه واخيرا المستفيدون والخاسرون من تقنين اوضاع الاقتصاد غير الرسمي في مصر‏.‏

مشيرا الي ان هناك وجهة نظر تشكك في جدوي ادماج القطاع غير الرسمي وتسوق عددا من المبررات منها ان هذا الادماج من شأنه ارغام اصحاب الاعمال علي التحول من بيئة اعمال منخفضة التكلفة واكثر ملاءمة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر الي بيئة رسمية متصلة بالقيود والتكاليف المرتفعة‏.‏ بالاضافة الي ذلك يري هذا الرأي ان هذا التحول سوف يحرم الاقتصاد القومي من وسيلة لتخفيف الصدمات وقت الازمات الاقتصادية ويؤدي الي تفاقم معدل البطالة بين الفئات محدودة الدخل‏.‏ وذلك فضلا عن الاعتقاد بأن الادماج هو مجرد وسيلة لتدعيم الايرادات الضريبية دون فائدة تذكر لاية فئة اخري من فئات المجتمع‏.‏

في المقابل هناك وجهة نظر قوية تري ان عملية الادماج ضرورية لانها في حالة اقترانها باصلاح مناخ الاعمال سيعود بفوائد عديدة علي كافة فئات المجتمع ومنها اصحاب المشروعات والعاملين والحكومة والمستهلكين‏.‏ ويعتمد هذا الرأي علي ان الادماج يؤدي الي حماية حقوق الملكية مما يساعد اصحاب المشروعات علي ضمان توافر مدخلات الانتاج باسعار معقولة‏,‏ والحصول علي خدمات البنية الاساسية والائتمان‏.‏ والاستفادة من مزايا الاسواق الموسعة‏,‏ وتجنب الضغوط المختلفة التي يتعرضون لها في القطاع غير الرسمي مثل حالة عدم اليقين والمدفوعات غير الرسمية كذلك فان الادماج من شأنه تحفيزهم علي توسيع النشاط واعادة تنظيمه داخليا بما يمكنهم من الاستفادة من مزايا تقسيم العمل‏.‏ وبالنسبة للمجتمع يساعد هذا الادماج علي تشجيع العمل الخاص وتنمية اقتصاد السوق فضلا عن تحسين اوضاع الفئات المهمشة من اصحاب المشروعات والعاملين‏,‏ وفيما يتعلق بالحكومة‏,‏ فإن الادماج من شأنه توسيع القاعدة الضريبية‏,‏ وبالتالي زيادة قدرة الدولة علي تخفيض عجز الموازنة او تمويل الانفاق علي المشاريع الاجتماعية وخلاصة القول فان الادماج سيعود بالفائدة علي كل من افراد المجتمع علي حد سواء عن طريق دفع عجلة النمو الاقتصادي وتحسين توزيع الدخل‏.‏ وذلك بالاضافة الي الفوائد السياسية والتي علي الرغم من صعوبة تقديرها الا انها كبيرة بلاشك مثل تقوية النسيج الاجتماعي والمشاركة في الرفاهية‏.‏

حجم القطاع غير الرسمي في مصر
من الناحية القانونية تعتبر الشركات رسمية اذا كانت حاصلة علي رخصة تشغيل وملتزمة بكل الاجراءات القانونية المقررة‏,‏ غير انه في الواقع قد تحصل بعض الشركات علي رخصة تشغيل لكنها لا تتقيد بجميع الشروط القانونية اللازمة لادارة النشاط وعلي النقيض قد لا تمتلك بعض الشركات رخصة تشغيل لكنها تلتزم ببعض الممارسات القانونية مثل دفع الضرائب وفي كلتا الحالتين تعد هذه الشركات رسمية بشكل جزئي فقط وعليه فإن التقدير الادبي لحجم القطاع غير الرسمي يستدعي أخذ كل من الكيانات والممارسات غير الرسمية في الاعتبار‏.‏

وتكمن المشكلة في ان هذا التعريف قلما يستخدم عند جمع بيانات عن القطاع غير الرسمي‏,‏ ومصر ليست استثناء من هذا فالتعريف المستخدم بمصر هو ان المشروعات غير الرسمية هي التي لا تمتلك رخصة تشغيل‏,‏ او غير مقيدة بالسجل التجاري وهو ما يعني ان الاحصاءات الرسمية تقدر القطاع غير الرسمي في مصر بأقل من حجمه الحقيقي ومع ذلك تظل التقديرات مرتفعة للغاية حيث يقدر عدد اصحاب المشروعات غير الرسمية بنحو‏1.4‏ مليون فرد في عام‏1996‏ وهو ما يعادل‏82%‏ من جملة اصحاب المشروعات في مصر كما تقدر العمالة غير الرسمية في الاقتصاد بحوالي‏8.2‏ مليون عامل‏.‏ مقارنة بـ‏6.8‏ مليون في القطاع الخاص الرسمي و‏5.9‏ مليون في القطاع الحكومي كما تتشابه خصائص هذا القطاع في مصر مع نظائره في الدول الاخري فمن ناحية الشكل التنظيمي اكثر من‏90%‏ من المشروعات غير الرسمية في شركات اشخاص يتركز معظمها في قطاع الخدمات‏,‏ ويقل عدد العاملين بها عن الخمسة ويقدر متوسط عمر المشروع بنحو‏10‏ سنوات وتتسم اساليب الانتاج المستخدمة بأنها كثيفة العمل نسبيا‏.‏

وفي حين لا تتوافر معلومات دقيقة عن نسبة مساهمة القطاع غير الرسمي في الناتج المحلي الاجمالي في مصر‏,‏ تشير تقديرات دولية الي ان هذه النسبة في الدول النامية تتراوح بين‏30%‏ ـ‏70%‏ وعليه فاذا افترضنا‏,‏ بتحفظ‏,‏ ان هذا القطاع يمثل ثلث الاقتصاد المصري فهذه نسبة ليست بالهينة الامر الذي يثير تساؤلا عن الاسباب التي تجعل الكثيرين من اصحاب المشروعات يفضلون العمل خارج الاطار الرسمي‏,‏ وسبل اجتذابهم للعمل داخل الاقتصاد الرسمي‏.‏

الاسباب والعلاج
تشير اعتبارات الرشادة الاقتصادية الي ان اصحاب المشروعات يقررون العمل خارج الاطار الرسمي نتيجة لعدة عوامل اهمها ارتفاع تكاليف العمل بصورة رسمية مقارنة بفوائده المحتملة في المراحل المختلفة من دورة حياة المشروع وهو التأسيس والتشغيل والتصفية اي ان اصحاب الاعمال يتخلون طواعية عن العديد من الفوائد مثل حماية حقوق الملكية ويفضلون تحمل اعباء العمل في اطار غير رسمي مثل المدفوعات غير الرسمية وارتفاع تكلفة الحصول علي التمويل علي العمل في ظل مناخ الاعمال المحمل بالقيود‏.‏ وعليه فان اقناع اصحاب الاعمال بالانضمام الي الاقتصاد الرسمي يستلزم تطبيق مجموعة من الاصلاحات الكفيلة بترجيح كفة المزايا علي كفة تكاليف العمل داخل القطاع الرسمي‏.‏

ويؤكد هذا التفسير نتائج الدراسة الميدانية الموسعة التي اجراها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بالتعاون مع معهد الحرية الديمقراطية علي مدي عامين‏,‏ اوضحت ان اصحاب المشروعات غير الرسمية في مصر يواجهون الكثير من المشكلات في تعاملاتهم مع السلطات المحلية وفي حصولهم علي الائتمان وتوافر البنية الاساسية والتكنولوجية وفي النفاذ الي الاسواق الا انها كشفت في الوقت ذاته عن ان معوقات العمل في القطاع غير الرسمي تعد اكثر قيدا وتكلفة بالنسبة لمستوي نشاطهم وهذه النتائج ليست مفاجئة ولكن اهميتها تكمن في التفاصيل المتضمنة في الدراسة ذاتها‏.‏

واستنادا الي نتائج الدراسة قام فريق البحث باعداد برنامج شامل للاصلاح من شأنه تحفيز الشركات علي الانضمام الي القطاع الرسمي وقدم اقتراحا بانشاء هيئة مستقلة لتنفيذ عملية ادماج القطاع غير الرسمي ومنها‏:‏

*‏ تيسير اجراءات التأسيس وانهاء النشاط من خلال انشاء مكاتب قيد جديدة تعمل وفق اجراءات مبسطة واطر زمنية محددة‏.‏

*‏ تخفيض تكاليف التشغيل من خلال وضع نظام ضريبي للانشطة التي يتم قيدها مع تبسيط اجراءات تسجيل العمالة وسداد التأمين الاجتماعي‏.‏

*‏ تشجيع التوسع في المشروعات من خلال اقتراح اجراءات لتيسير انفاذ العقود من خلال انشاء نظام مبسط او غير مكلف لتسجيل رهن المنقولات ونظام لتوثيق التوقيعات ولجان قضائية لفض المنازعات ومركز للتحكيم والوساطة‏.‏

*‏ تخفيض تكلفة المعاملات من خلال انشاء سجل معلومات للانشطة الاقتصادية التي يتم قيدها‏.‏

ومن المتوقع ان يؤدي تطبيق الحكومة لهذه المقترحات الي خفض تكلفة تأسيس وتشغيل المشروعات بنسبة‏90%‏ وتكلفة الرهن العقاري بنحو‏91%‏ وتكلفة انفاذ الرهونات بحوالي‏77%‏ والسؤال هو هل تعد هذه الفوائد المتوقعة كافية لاقناع اصحاب المشروعات بالانضمام الي القطاع الرسمي ومن هم المستفيدون والخاسرون من ادماج المشروعات غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي؟‏.‏

المستفيدون والخاسرون
يستلزم تقدير الفوائد المحتملة عن عملية ادماج القطاع غير الرسمي توافر الكثير من البيانات ومنها معلومات تفصيلية عن مستوي المشروعات وعن التكاليف والمكاسب المرتبطة بانشاء وتشغيل المشروعات في القطاع غير الرسمي‏,‏ ومعلومات مماثلة فيما يتعلق بالقطاع الرسمي في حالتين‏:‏ الاولي عند تطبيق الادماج دون اجراء اية اصلاحات في نتائج الاعمال ومثل هذه المعلومات لايمكن الحصول عليها بسهولة‏,‏ كما ان جمعها يتطلب بحثا دقيقا في القواعد واللوائح التي تحكم دورة حياة المشروعات وبالاخص سبل تنفيذ هذه القواعد‏.‏

اما من وجهة نظر المجتمع فإن قرار الانضمام الي القطاع الرسمي ليس مرتبطا فحسب بتأثيره علي اصحاب الاعمال بل ايضا علي كل من العمال والمستهلكين والحكومة اي ان قرار تشجيع عملية الادماج يجب ان يستند الي تأثيره المتوقع علي كل هذه الفئات‏.‏ وعلي الرغم من ان آثار الادماج قد تكون ايجابية لبعض الفئات وسلبية للبعض الآخر ـ شأنها في ذلك شأن سياسات الاصلاح الاخري ـ الا انه مادامت الفوائد الصافية للمجتمع فإن قرار الادماج يكون مرغوبا فيه اجتماعيا‏,‏ بشرط العمل في ذات الوقت علي ايجاد آليات لتعويض الخاسرين‏.‏

ولمساعدة راسمي السياسات علي اتخاذ القرار الملائم‏,‏ كان من الضروري تقدير مكاسب الادماج بالنسبة للاقتصاد القومي ككل وتحديد المستفيدين والخاسرين وقد تم اجراء هذا التحليل اولا بتقييم الاثر المحتمل من ادماج مشروع يمثل القطاع غير الرسمي علي صاحب المشروع والعاملين والمستهلكين والخزانة العامة‏,‏ ثم تجميع النتائج بالنسبة لكافة المشروعات‏.‏ وبافتراض تبني الحكومة للاصلاحات المقترحة في مناخ الاعمال جاءت النتائج ايجابية للغاية لان من شأن الادماج زيادة الناتج المحلي الاجمالي بمعدل‏1.3%‏ سنويا بحيث يحصل اصحاب المشروعات علي‏1%‏ من الناتج المحلي الاجمالي والعاملون علي‏0.7%‏ وذلك بفعل تحسن الانتاجية وتوسع النشاط في حين تحصل الخزانة العامة علي‏1.3%‏ نظرا لزيادة ارباح الشركات اما المستهلكون فهم الفئة الوحيدة التي ستتحمل بعض التكاليف نحو‏1.7%‏ من الناتج المحلي الاجمالي ـ نظرا لدفع ضريبة القيمة المضافة غيرانهم في المقابل سيحصلون علي منتجات اكثر جودة كنتيجة مباشرة لخضوع المشروعات لآليات المراقبة والاشراف في اطار القطاع الرسمي‏.‏