2112‏السنة 126-العدد2009يونيو29‏6 من رجب 1430 هـالأثنين















أحاديث سودانية
الإعلام الالكتروني والسياسة في السودان‏(1-2)‏
بقلم: هانئ رسلان
بين سودانيزاونلاين وسودانايل

الجمهور اصبح هو صانع الرسالة الاعلامية

وأبرز مثال علي ذلك ظاهرة المواطن الصحفي

*‏تخدم وسائط الاعلام الالكتروني الحديثة حركات

الاصلاح السياسي لأنها أقل تكلفة وأكثر سرعة
‏‏
من المعروف والمتداول أن الإعلام الالكتروني بات يحظي بحصة متنامية في سوق الإعلام نتيجة لسهولة الوصول إليه وسرعة إنتاجه وتطويره وتحديثه كما يتمتع بمساحات أكبر من الحرية البعيدة عن الرقابة القبلية أو القدرة علي التحكم والمصادرة‏.‏ ورغم أن نشأة أي وسيلة إعلامية جديدة لا تلغي ما سبقها من وسائل‏,‏ إلا أن الملاحظ أن الإعلام الالكتروني قد فرض واقعا مختلفا تماما‏,‏ فظهور الانترنت لا يعد تطويرا فقط لوسائل الإعلام السابقة وإنما هو وسيلة احتوت كل ما سبقها من وسائل‏,‏ بل إن الدمج بين كل هذه الأنماط والتداخل بينها أفرز قوالب إعلامية متنوعة ومتعددة بما لا يمكن حصره أو التنبؤ بإمكاناته‏,‏ مثل الإعلام التفاعلي الذي يمكن المستخدم علي البعد من أن يتحول إلي فاعل مباشر ويسهم في نقد وتقييم الاطروحات القائمة وأحيانا كثيرة يناقضها ويسعي الي تقديم بديل لها‏.‏

ولم يتوقف التغير علي الوسيلة الإعلامية فقط أو كم الجمهور وإنما تعداه لطبيعة هذا الجمهور وموقعه من العملية الإعلامية المكونة من مرسل ومستقبل ووسيلة ورسالة وتغذية راجعة أو مرتدة‏,‏ إذ تغيرت تماما عناصر هذه العملية في ظل ثورة الإعلام الإلكتروني وصار بينها نوعا من التداخل والتطور النوعي أهمه اختفاء الحدود بين المرسل والمستقبل‏..‏ فأصبح الجمهور هو صانع الرسالة الإعلامية‏.‏ وأبرز مثال علي ذلك ظاهرة المواطن الصحفي والتي مثلت اتجاها كاسحا في الإعلام الإلكتروني الغربي‏.‏

كل ما سبق وغيره مما يصعب حصره من الأسباب التي تؤكد أن الإعلام الإلكتروني هو إعلام المستقبل‏,‏ ومن ثم وجب الاهتمام به وآداؤه بالشكل الأمثل‏.‏

وفي مجال الاستخدام السياسي وفر الإنترنت لحركات الإصلاح والتغيير إمكانات جديدة في مجال العمل السياسي‏,‏ لم تكن موجودة من قبل‏,‏ كان من أهمها تسهيل سرعة الاستجابة للأحداث السياسية والرد السريع علي التحديات في سرعة قياسية‏,‏ فلم يعد الأمر يحتاج إلي سيارات تحمل أبواقا وتجول في المدن لدعوة الناس إلي مسيرة‏,‏ أو إنفاق مبالغ طائلة لترويج حدث سياسي في وسائل الإعلام التجارية‏,‏ بل أصبح الأمر مجرد تحرير رسالة تعبئة واستنفار‏,‏ وإرسالها إلي العناوين الإلكترونية لآلاف الناس في لحظة واحدة‏,‏ أو نشرها علي مواقع معينة في الشبكة الإلكترونية ليطلع عليها الآلاف فيستجيبون للنداء‏,‏ كما نشاهد الآن في ايران‏,‏ وكما فعل اوباما في حملته الانتخابية‏.‏

وهكذا جاء الإنترنت إلي المعادلة الإعلامية ليغير من محتوياتها كما أسلفنا لصالح القوي السياسية وهيئات المجتمع المدني‏,‏ من خلال القضاء علي احتكار المعلومات الذي كان مقصورا علي الدولة وهيئاتها المختلفة‏.‏ ومن ثم أصبح الإعلام الإلكتروني إيذانا ببداية جديدة للتحرر من أجهزة التوجيه الإعلامي‏..‏ وهو تحرر مزدوج يشمل حرية الإرسال وحرية الاستقبال‏.‏ حيث أصبحت هناك قدرة جديدة لم تكن متاحة من قبل علي إيصال الرسالة الإعلامية بالشكل الذي يريده المرسل‏,‏ دون تدخل في المعلومات عن طريق اعادة الصياغة والتوجيه والإخراج علي حساب المرسل الأصلي ورسالته‏,‏ ودون تحكم أيضا من السلطات الحاكمة أو رجال المال المحتكرين لملكية وسائل الإعلام‏.‏

ولعل أهمية الإعلام الإلكتروني وانعكاساته السياسية ظاهرة بشكل واضح في السودان حيث التعددية السياسية والثقافية والاثنية والجهوية تجدها متنفسا واسعا في الاعلام الالكتروني لم يكن متاحا لها من قبل‏.‏ وغني عن القول ان الاعلام الالكتروني بإمكاناته غير المحدودة يمكن ان يكون وسيلة للتحفيز علي بناء التكامل القومي واستكمال بناء مشروع الدولة الوطنية‏,‏ واستكشاف المشترك بين الثقافات المتعددة من اجل البناء عليه‏.‏ أو يعمل في الاتجاه العكسي بتعميق الفرقة والانقسام من خلال اشاعة الروح الجهوية والعنصرية وتكريس مجموعة من الافكار الهدامة ذات الطبيعة الأولية‏,‏ والتي تعمل بآلية انشطارية‏..‏ لن تخدم أحدا في نهاية المطاف‏,‏ لانها سوف تلحق الأذي بمن يستخدمونها بحسبان أنها سلاح فعال يمكنهم من الحشد أو التعبئة في بعض المعارك الصغيرة‏,‏ إلا أن الدور سيأتي عليهم بالتأكيد‏,‏ وتشرذم حركات دارفور علي أساس الانتماء القبلي مثال واضح لهذه الآلية المرتدة‏,‏ بعد ان تم استخدام الولاء القبلي كأدة رئيسية للحشد في البداية‏.‏

نموذج سودانيز اونلاين
مناسبة هذا الحديث الندوة التي عقدناها الاسبوع الماضي في برنامج دراسات السودان وحوض النيل بمركز دراسات الاهرام‏,‏ حول الاعلام الالكتروني والسياسة في السودان‏,‏ وكان المتحدث هو المهندس بكري ابوبكر صاحب ومدير موقع‏'‏ سودانيز اونلاين‏'‏ الشهير في السودان‏.‏

وقد تأسس الموقع عام‏1999‏ في الولايات المتحدة الامريكية حيث يقيم صاحبه ومؤسسه‏,‏ الذي استطاع أن يجعل منه الموقع الالكتروني السوداني الأبرز والأكثر شهرة وتأثيرا حيث أصبح واحدا من أكثرعشرة مواقع إلكترونية يتم الدخول عليها في السودان‏.‏ ويقول مدير الموقع انه يتعرض يوميا إلي حوالي‏2‏ مليون نقرة‏,‏ تأتي من السودان في المقام الأول وتليها الولايات المتحدة ثم المملكة العربية السعوية حيث توجد جالية سودانية ضخمة خاصة في مدينة الرياض‏.‏ وقد لعب الموقع دورا واضحا في الربط بين السودانيين المقيمين في المهاجر وبين ما يحدث في وطنهم‏,‏ كما أصبح مصدرا للعديد من الاراء والتحليلات التي يطلع عليها سودانيو الداخل‏.‏

والموقع ذو تبويب متنوع يضم قسما للمقالات والتحليلات وآخر للبيانات التي تصدرها القوي السياسية السودانية المختلفة‏,‏ وقسما اخر للاغاني ودليل للاصدقاء ودليل للخريجين‏,‏ الإشاعات وتكون لديه أرشيف ضخم خبر وبيان يحتوي علي اكثر من عشرة الاف اغنية و‏50‏ الف تحليل سياسي و‏100‏ الف خبر وبيان‏.‏

غير أن القسم الأكثر نشاطا في موقع سودانيز اونلاين هو المنبر العام‏,‏ الذي يمثل قسما تفاعليا يمكن الاعضاء من إثارة القضايا أو الموضوعات التي يودونها‏,‏ وأن يتفاعلوا أيضا مع أعضاء المنبر للاخرين الذين وصل عددهم إلي حوالي خمسة آلاف‏.‏ وهذا القسم هو الأكثر إثارة للجدل حيث اساء البعض‏-‏ للاسف‏-‏ استخدام هذه الوسيلة وحولها إلي المهاترات وأعمال الارهاب الفكري والشخصي‏,‏ أو الاساءة للاخرين علي طريقة اغتيال الشخصية‏,‏ أو العمل من خلال مجموعات أو تحالفات بين افراد معينين‏-‏ مثل عصابات الشوارع‏-‏ يتصرفون ويكتبون بشكل غير موضوعي‏,‏ يخلق انطباعات مسيئة لصورة السودان المعروفه بالتسامح والتمسك بالقيم وإعلاء شأن العلاقات الانسانية والتماسك الاجتماعي‏.‏

كما شهد هذا المنبر أيضا ظهور بعض الباحثين عن الشهرة ومن تحركهم دوافع نفسية وشخصية محضة ويحاولون تغطيتها بإثارة قضايا عامة يتم فبركتها أو افتعالها‏,‏ وإطلاق الاشاعات كسلاح رخيص ثم محاولة التعامل معها علي أنها معلومات مؤكدة والسعي الي ترويجها والاساءة الشخصية للاخرين لمجرد الاختلاف في الرأي معهم او حتي عدم الاستلطاف الشخصي‏,‏ الأمر الذي أدي مع مرور الوقت إلي بروز واستشراء عدة ظواهرسالبة‏,‏ مثل الشخصية المنبرية حيث يتقمص أحد الأعضاء شخصية تختلف بشكل كامل تماما عن طبيعته وسلوكه وأدائه المعروف به‏,‏ وكذلك ظهرت بعض الشخصيات المتخفية خلف اسم مستعار‏,‏ ثم يقوم هذا الشخص المتخفي بمهاجمة الآخرين دون ضابط او رابط‏,‏ باستخدام الكذب والبهتان للنيل من البعض دون ان يكون لذلك ثمن يدفعه‏,‏ حيث لا يوجد له اسم ولا عنوان‏,‏ ولا هوية معروفة‏.‏

سودانيزاونلاين والإعلام التفاعلي
المنبر العام في سودانيز اونلاين يقع في دائرة الاعلام التفاعلي الذي يماثل صفحة القراء في كل مطبوعة وهو تعقيبهم علي موادها في مواقعها الإلكترونية‏...‏ وهو مماثل لمشاركات الجمهور في البرامج المرئية والإذاعية‏,‏ ومداخلاته في قاعات المحاضرات والندوات‏...‏ وهو أخيرا منتدي إلكتروني ملحق بمواقع النشر الإلكتروني أو مستقل بذاته‏.‏ ومن ثم فهناك فارق نوعي بينه وبين الاعلام الالكتروني الذي تقع في دائرته المجلات والصحف الموجودة علي شبكة الانترنت والتي تقدم محتوي خاصا يفترض أن يكون له هيئة تحرير تعرف بنفسها‏,‏ ويتحمل من يرأسها مسئولية ماينشر ويلتزم بآداب وتشريعات ومهنية المحتوي الصحفي‏..‏ بذلك يفترض أن تلتزم الصحافة الإلكترونية‏,‏ وفي المقابل يجب أن نمنح الحماية والاعتراف‏.‏

أما الإعلام التفاعلي‏,‏ فهو عبارة عن خصائص أو وسائط أو خدمة ملحقة بأي وسيلة إعلامية مطبوعة أو مرئية أو الكترونية تتيح للجمهور أن يشارك برأيه‏.‏ ونتيجة للخلط بين الصحافة الالكترونية والاعلام التفاعلي فقد تم اختزال جميع خطايا الإعلام التفاعلي بمختلف صوره فيها‏.‏ في الوقت الذي نجد فيه أن الأخطاء الجسيمة أو السلبيات التي يقع فيها الإعلام التفاعلي‏..‏ لا يمكن في الحقيقة الدفاع عنها‏,‏ حيث توجد الكثير من الحجج الوجيهة لدي كل من هاجم سلبيات هذه المواقع أو تعرض للضرر منها‏.‏

وفي هذا السياق لا يمكن إخلاء المشرفين علي هذه المواقع من المسئولية بشكل كامل عن هذه السلبيات‏..‏ غير أنه لا يمكن في المقابل تحميلهم كامل المسئولية أيضا‏,‏ فالاعلام التفاعلي في النهاية مرتبط بوعي المجتمع المعني‏,‏ وثقافته ومهارة الأفراد في صياغة آرائهم والتعبير عنها‏,‏ والقائمون علي هذه الخدمات التفاعلية لايملكون عصا سحرية لتغيير سلوكيات الجمهور المتفاعل‏.‏

وفي هذه النقطة أشار بكري ابوبكر صاحب اشهر موقع تفاعلي سوداني‏,‏ إلي أنه يقوم بإنذار الاعضاء في حالة تجاوزهم ثم يقوم بتجميد عضويتهم او إيقافهم لفترة زمنية‏(‏ حوالي ثلاثة أشهر‏)‏ قبل أن يعودوا إلي عضوية المنبر من جديد‏,‏ ودافع عن منبره بالقول ان مثل هذا العنف اللفظي والتجاوزات موجودة في مواقع عالمية مثل‏'‏ الفيس بوك‏',‏ إلا ان هذا لايعني ان موقعا معينا ينتمي الي مجتمع محدد له منظومة محددة من القيم والسلوكيات يترك لكي يتحول إلي سيطرة ممارسات من هذا النوع‏,‏ أدت بالفعل إلي إنصراف الكثيرين عن المشاركة أو التفاعل‏,‏ والاكتفاء بالفرجة من بعيد بين آن وآخر‏..‏دون أخذ مايدور علي محمل الجد أو الاحترام‏,‏ الأمر الذي يعني في نهاية المطاف تفريغ هذه الأداة من مضمونها‏,‏ في الوقت الذي كان من الممكن ان تكون لها فوائد عديدة ونافعة‏.‏