2112‏السنة 126-العدد2009يونيو29‏6 من رجب 1430 هـالأثنين















الشرق الأوسط الجديد‏..‏ بدون بوش أو رايس
بقلم: عبدالحليم المحجوب
يبدو في الأفق أن إعادة تخطيط خريطة الشرق الأوسط وفق الرؤية الأمريكية التي طرحها بوش وإدارته تتحقق تدريجيا‏,‏ولكن دون حاجة لأساليب التدخل العنيف التي تميزت بها سياسات بوش علي مدي ثماني سنوات قضاها في الحكم‏.‏بل نتكفل نحن دول المنطقة وأصحاب المصلحة الأساسية في صياغة مستقبلها بتوفير كل ما تحتاجه هذه الرؤية من قوة دفع تحولها إلي أمر واقع جديد‏,‏ولم يبق علي إدارة أوباما سوي استخدام كل الوسائل والأدوات الناعمة الممكنة لتحفيز النظم والقوي السياسية والاجتماعية المختلفة لاستكمال عناصر هذا الواقع‏.‏

لنراجع أولا اولويات الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط‏,‏ ولكن قبل ذلك يجب أن ننبه إلي أن الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة الموجهة لكل مناطق العالم دون استثناء لا يمكن عزلها عن الهم الأكبر المتمثل في الأزمة المالية الطاحنة التي تسلمها أوباما من سلفه‏,‏ فضلا عن الترابط الوثيق بين شتي القضايا والتحديات المطروحة علي الإدارة الجديدة بدءا من شرق آسيا والمعضلة الكورية مضافا إليها التحدي الصيني للقطب الأمريكي الواحد‏,‏ إلي أوروبا شرقا وغربا ومشكلات الأمن والاقتصاد‏,‏ إلي أمريكا اللاتينية ونزعة أبنائها بدعم من قوي دولية وإقليمية‏(‏ بما فيها إيران‏);‏ لكسر الاحتكار الأمريكي للنفوذ هناك‏,‏وأخيرا إفريقيا وتنوع التحديات فيها مابين انتشار الأمراض الفتاكة‏,‏ إلي صدامات الدول والأعراق‏,‏ إلي الإرهاب والقرصنة في مواقع حساسة للأمن الدولي وطرق التجارة العالمية‏.‏

لقد حددت الإدارة الأمريكية الجديدة أولوياتها في منطقة الشرق الأوسط وفق الترتيب التالي‏:‏

أولا‏:‏تصفية الاحتلال العسكري الأمريكي في العراق الذي شكل أعباء مادية ونفسية وسياسية علي المجتمع الأمريكي كانت في حد ذاتها من عوامل فوز الرئيس أوباما‏,‏بعد أن فاق عدد القتلي الأمريكيين في العراق‏4300‏ قتيل‏,‏ وتجاوزت التكلفة المالية للحرب‏680‏ بليون دولار‏,‏لكن تصفية الاحتلال لا تعني التخلي عن النفوذ السياسي أو تجاهل الأسباب الحقيقية التي جاء الغزو من أجلها أو ترتبت عليه فيما بعد‏,‏والتي يأتي في مقدمتها الهيمنة علي مواقع المخزون العالمي للنفط في كل من الخليج وبحر قزوين‏,‏وإخراج العراق نهائيا من معادلات القوة العربية لصالح إسرائيل‏,‏وأخيرا بناء نموذج للديموقراطية الغربية في المنطقة بغض النظر عما يمكن أن ينطوي عليه النموذج العراقي من تشويه أو تزييف‏.‏

وبالفعل حدد الرئيس أوباما نهاية‏2011‏ موعدا لسحب كامل القوات الأمريكية من العراق ويسبق ذلك خطوات بريطانية مماثلة‏,‏ لكنه يدرك تماما مع أركان إدارته أن أوضاع ما بعد الانسحاب تحتاج إلي تعاون إقليمي تلعب فيه كل من إيران‏,‏ وسوريا وتركيا والسعودية ومصر أدوارا مختلفة تحددها الأدوات المتاحة لكل طرف علي حدة‏.‏

ثانيا‏:‏تسوية أزمة الملف النووي الإيراني‏;‏ لقد تصاعدت هذه الأزمة في عهد إدارة بوش بفعل عاملين أساسيين‏;‏يتمثل أولهما في تعمد طهران إخفاء تطور برنامجها النووي عن المجتمع الدولي وبالأخص رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية‏,‏أما الثاني‏;‏ فقد نجم عن التحريض الإسرائيلي المتواصل للإدارة الأمريكية والقيادات الأوربية بضرورة التصدي لهذا البرنامج وإيقافه قبل أن يتسبب في تعديل التوازنات العسكرية‏,‏والتفوق الإسرائيلي الذي ضمنته هذه القوي منذ قيام الدولة العبرية‏.‏

وبالفعل‏,‏فقد وجه الرئيس أوباما رسالة واضحة إلي الشعب الإيراني في عيد النيروز‏,‏ وكرر مضمونها خلال خطابه الذي وجهه للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة‏,,‏وترك الأمر ليحدث تفاعلاته داخل المجتمع السياسي الإيراني‏.‏

وكانت الانتخابات الرئاسية فرصة مناسبة لتعميق هذه التفاعلات‏,‏وفي اعتقادي أن هذه الرسائل ـ إضافة إلي أنشطة موازية مارستها الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية بل وفضائيات ومراكز بحوث‏;‏ كلها كانت موجهة للشارع الإيراني في الأساس‏,‏ علاوة علي عناصر النخبة الدينية والسياسية ـ قد أثارت مخاوف لدي الطبقة المتحكمة داخل إيران وعلي رأسها المرشد الأعلي ومجموعة الأجهزة المدنية والعسكرية التي تحتكر السلطة الفعلية هناك‏,‏ مما حول الانتخابات الرئاسية إلي معركة مصير ليس للبرنامج النووي بل لهذه الطبقة في الأساس‏.‏

ثالثا‏:‏الصراع العربي الإسرائيلي‏;‏تشير شواهد كثيرة حتي الآن أن الرئيس أوباما يدرك ـ وبوعي شديد ـ أنه بدون تسوية معقولة لهذا الصراع فسوف تبقي حالة الاضطراب السياسي العام والاختلالات الأمنية هي السمة الأبرز للوضع في الشرق الأوسط وستظل المصالح الأمريكية والغربية عامة عرضة للتهديد‏,‏ومن ثم فقد تميز أسلوبه في معالجة هذه القضية بعدة اختلافات جوهرية عن سابقيه حيث‏:‏

*‏ بادر أولا بتعيين أحد الخبراء المتمرسين وذوي الخبرة وهو جورج ميتشيل مبعوثا شخصيا له لدي أطراف الصراع

*‏ عدم تجاهله لأي من الأطراف الرئيسية والمباشرة في الصراع حيث شملت جولات ميتشيل سوريا إلي جانب الأطراف التقليديين الآخرين تأكيدا لدورها وعدم إمكانية إغفالها‏.‏

*‏ إقدامه علي التعامل المباشر مع الصراع في فترة مبكرة من ولايته وعدم تأجيلها لخواتيم عهده‏,‏ أو التحجج بتركها لتراضي الأطراف المباشرة كما كانت تفضل إدارات سابقة‏.‏

*‏ تبنيه قدرا عاليا من الحسم إزاء قضية الاستيطان وصيغة حل الدولتين‏.‏

وإذا كانت الأطراف العربية قد اكتفت بالتهليل لهذه التوجهات‏,‏ بينما تجاهلت التعامل معها رسميا وعمليا ـ باستثناء الرئيس حسني مبارك سواء من خلال خطابه بتاريخ‏15‏ يونية‏,‏ أو مقاله في صحيفة ال‏'‏وول ستريت جورنال‏'‏ ـ فقد بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في شن حملة مضادة يسعي من خلالها إلي تفريغ رؤية أوباما من أي مضمون عملي فعال‏,‏ والتأكيد علي عدد من ثوابت اليمين الإسرائيلي تجاه كل عناصر الصراع‏.‏

رابعا‏:‏ الاستقرار السياسي في دول المنطقة‏:‏ وتتخذ هذه القضية مظهرها المباشر من منظور الإدارة الأمريكية في الأوضاع السياسية في لبنان حيث ينظر إلي فوز تيار‏14‏ مارس الموالي للغرب وقوي الاعتدال‏,‏ بأنه استجابة للتوجهات الأمريكية الجديدة‏,‏ وعلي قوي المعارضة وفي مقدمتها حزب الله أن يقبل بهذه النتيجة ويخضع لاستحقاقاتها‏,‏ويعمل الأمريكيون علي كسب تعاون سوريا في هذا الميدان‏,‏مدركين أن المعركة الحقيقية في لبنان لم تبدأ بعد‏.‏

أما المظهر غير المباشر لقضية الاستقرار السياسي فيتمثل في مطالب التغيير الديموقراطي في الدول العربية‏,‏ورغم تأكيد أوباما بأنه لن يفرض القيم السائدة في بلاده علي أحد فإن الأغلبية من نظم المنطقة تدرك أنها واقعة تحت المجهر ومحل مساءلة في كل ما يتعلق بهذه القضية‏.‏

من واقع هذه الأولويات‏,‏ من المرجح أن تستعيد إدارة أوباما نفس التصورات الخاصة بخريطة الشرق الأوسط‏,‏ولكن بطريقة أكثر إيجابية‏,‏ فهي تدرك أنها تحتاج للتعاون الفعال مع عدد من دول المنطقة التي يمكن أن تشكل نقاط ارتكاز ودعم للاستراتيجيات الأمريكية في الشرق الأوسط‏,‏ وذلك كالتالي‏:‏

‏1‏ ـ إيران ودورها مطلوب في كل من أفغانستان والعراق والخليج ولبنان كما أن تجاوبها قدر الإمكان في المفاوضات العربية الإسرائيلية‏,‏ ولو بالصمت سوف يشكل بادرة طيبة لواشنطن‏.‏

‏2‏ ـ سوريا وهي علاوة علي كونها طرفا مباشرا في الصراع العربي الإسرائيلي‏,‏فمن الصعب تجاهل ثقلها في لبنان وقدرتها علي إفشال أي صيغة طويلة المدي لتحقيق الاستقرار‏,‏ونفس القول يمكن أن ينطبق علي دورها في العراق ولكن بدرجة أقل‏.‏

‏3‏ ـ السعودية كقوة مالية يمكن أن تساهم في تغطية تكلفة التسويات المأمولة لنزاعات المنطقة وتحجيم حركة بعض الأطراف المرتبطين بها دولا كانت أو منظمات أو أفراد‏.‏إضافة لدورها ضمن منظمة الدول المصدرة للنفط‏'‏ أوبك‏'‏

‏4‏ ـ مصر‏,‏واعتقادي أن المخطط السياسي الأمريكي يضع مصر في موقع مهم حاليا في إدارة السيناريوهات القادمة للصراع مع إسرائيل‏.‏

‏5‏ ـ تركيا‏,‏وهي التي تقوم حاليا بدور حامل الرسائل الأمريكية‏,‏ورمانة الميزان في التقريب بين الأطراف والحد من انفجار المواجهات‏.‏

‏6‏ ـ إسرائيل هي وسيلة كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة بما فيها إدارة أوباما لردع القوي المعادية أوكما قال أحد المحللين الأمريكيين هي السفينة المقاتلة المسئولة عن تأمين مصالح أمريكا والغرب‏.‏

لقد بقيت هذه الدول علي مدي العقود الثلاثة الأخيرة علي الأقل تحتل موقعها ضمن سيناريوهات الحركة الأمريكية في المنطقة علي اختلاف المسافات باستثناء إيران التي خاضت مواجهات عنيفة مع واشنطن منذ نجاح الثورة الإسلامية هناك قبل ثلاثين عاما‏,‏ وكانت الصفة الغالبة للتحركات الإيرانية هي العداء وإعاقة المصالح الأمريكية‏,‏لكن واشنطن رغم ذلك كانت علي وعي كامل بأن الوصول بالعلاقات مع طهران إلي حد الصدام المسلح والحرب الساخنة سوف يفجر أوضاعا غير محسوبة ويضر بالمصالح الأمريكية في المدي البعيد‏,‏ وعلي العكس فقد استفادت إيران بدرجة غير مسبوقة من الحملات الأمريكية علي كل من العراق وأفغانستان‏.‏

لقد كان أحد السيناريوهات المطروحة للإدارة الأمريكية في التعامل مع إيران هو الاختراق من الداخل‏,‏لكن هذه الخطط شابها القصور عندما فوتت علي نفسها فترة حكم خاتمي بما كان يحمله من توجهات إصلاحية واستعداد للتجديد‏.‏

وفي المقابل أظهر الطرف الإيراني جمودا واضحا حال دون الاستجابة لمتغيرات العصر السياسية والتكنولوجية‏,‏والتي لعبت دورا مهما في خلق طبقة من الشباب والنساء كانت هي الداعم الأقوي لاتجاهات التغيير التي طرحها موسوي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة‏,‏ومن ثم وقع الصدام ليس فقط لما أثير عن تزوير النتائج‏,‏ وإنما لما كشف عنه من إصرار المؤسسة الدينية والعسكرية علي إنجاح مرشحهما متجاهلين التغيرات الحادثة في المجتمع الإيراني‏,‏ورغبة في استمرار هيمنة المحافظين علي السلطة والحد من بروز أية اتجاهات للتحديث‏.‏

إن كلا من المؤسسة الدينية والعسكرية تخوضان معركتهما الحاسمة في مواجهة التغيير‏,‏ والأرجح أنهما سيتمكنان من حسمها لصالحهما بشكل مؤقت باستخدام كل أساليب القمع والقسر المتاحة لهما‏,‏ولكن الثمن الأكبر سوف تدفعه الدولة الإيرانية متمثلا فيما ترتبه هذه‏'‏ الفوضي‏'‏ من تأثيرات علي مركز إيران الإقليمي من جانب‏,‏ وعلي القدرة التفاوضية لإيران في الملف النووي من جانب آخر‏.‏

إن ما يحدث في إيران حاليا يمثل فارقا بين عهدين‏,‏ فإذا ما واصل الرئيس أحمدي نجاد ممارسة ولايته الثانية ـ وهذا هو الأرجح ـ فسوف يفقد الكثير من حريته في الحركة داخليا وخارجيا‏;‏ لصالح من ساندوه من دينيين أو عسكريين كما يطرح تساؤلات عديدة حول شعبيته ناهيك عن شرعيته‏,‏أما إذا نجح المعارضون في إحداث التغيير المطلوب فسوف نجد إيران جديدة ومختلفة تتواري فيها المؤسسة الدينية‏,‏ وتدخل السلطة الجديدة في صراعات حادة مع المؤسسة العسكرية والتجار المساندين لنجاد‏,‏ مما يقود إلي تبلور نظام سياسي جديد‏,‏ ورغم ضعف هذا الاحتمال‏;‏ إلا أنه لايمكن تجاهل أن الشارع الإيراني قد تجرأ علي المؤسسة الدينية وطرح مفاهيم جديدة في التعامل معها قد لا يجدي اللجوء للقوة وحدها في التعامل معها‏.‏

والسؤال الآن هل تصب هذه التطورات لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل؟والإجابة هي نعم بالتأكيد‏.‏

ولكن السؤال الأهم من وجهة نظري هل يخدم ذلك المصلحة العربية؟ الإجابة هنا بالنفي‏,‏ فقد تتسبب التطورات الإيرانية في مزيد من الاستقطابات والانقسامات العربية‏,‏ وقد تتحول العلاقات مع العرب إلي قضية للمزايدة بين الأطراف الإيرانية المتصارعة حيث يسعي كل طرف للانتقال بالصراع إلي خارج إيران لإثبات قدرته علي التأثير‏,‏وليس أفضل من الساحة العربية علي امتدادها ميدانا لهذه الصراعات‏.‏

وينشغل الطرف العربي والإيراني بقضايا مستحدثة تلعب أجهزة المخابرات والدبلوماسية الدور الأهم في توجيهها‏,‏ ويعود الإسرائيليون ومعهم الأمريكيون للإدعاء مجددا بأنه لا يوجد شريك عربي صالح للتفاوض وأن عليهم الانتظار حتي يتوفر هذا الشريك‏.‏