












|
|
|
هل نشهد نهاية' الليبرالية الجديدة'... و بداية عصر جديد؟(2/2) بقلم: سمير مرقس
 |
الليبرالية الجديدة اختطفت العالم وأوصلته الي أزمة مالية جادة فوكوياما يطرح أفكارا جديدة حول دور الحكومة
في تنظيم الاقتصاد واستخدام القوة الأمريكية (أ) استعرضنا في الحلقة الأولي المسار التاريخي للنيوليبرالية الجديدة والفكرة المحورية لطرح فوكوياما الذي كان يبشر فيه بنهاية التاريخ في العام1989 ـ أي قبل20 سنة ـ, والذي كان يعني لديه انتصار النموذج الديمقراطي الليبرالي انتصارا نهائيا باعتباره النموذج الجدير بأن يكون' منتهي التطور الأيديولوجي للإنسانية', و'الشكل النهائي لأي حكم إنساني'... بيد أن النيوليبرالية الجديدة اختطفت العالم ووصلت به إلي ما نحن فيه من أزمة مالية عالمية حادة,وفجوة واسعة بين الأغنياء والفقراء, وإعادة توزيع الدخل والثروة لصالح قلة...ونتيجة لما وصلنا إليه طرحنا سؤالا أساسيا هل يشهد العالم نهاية لزمن النيوليبرالية الجديدة وبداية لعصر جديد...وذكرنا أن فوكوياما ـ الذي يبدو أنه تخصص في الإعلان عن النهايات ـ قد أعلن من خلال مقال له نشر في مطلع العام الحالي في مجلةTheAmericanInterest( عدد يناير/ فبراير2009), بعنوان:'عصر جديد'ANewEra, بأن المرحلة الريجانية قد انتهت وأننا علي أبواب مرحلة جديدة... * ما هي ملامح هذا العصر؟ * وما هي الأفكار الثلاث الجوهرية الريجانيةthreecoreReaganiteideas,
التي يجب نبذها أو طرحها جانبا, حتي تستعيد الولايات المتحدة الأمريكية مصداقيتها
والتي من خلالها يتم تدشين العصر الجديد؟ في البدء يقول فوكوياما أنه يعد انتخاب باراك أوباما في الرابع من نوفمبر2008, فرصة تاريخية كي تعيد الولايات المتحدة الأمريكية تعريف نفسها علي أكثر من مستوي: * الأول خيارها الاقتصادي, * الثاني النموذج الاجتماعي الذي تقدمه, * الثالث في ضوء ما سبق كيف يمكن تشكيل علاقة مع العالم مختلفة.
ولعل ما يطرحه فوكوياما يحمل ضمنا رؤية سلبية لحصيلة توجهات وممارسات الولايات المتحدة الامريكية الأمر الذي دعاه أن يعتبر وصول أوباما لسدة الحكم لحظة تاريخية جديرة بأن تستثمر لتصويب وإعادة صياغة العقل والفعل الأمريكي...وفي هذا المقام يقول فوكوياما بوضوح أن المهمة الملقاة علي أوباما باتت ملحة بسبب الفشل الواضح للكثير من الأفكار والأفعال التي بدأت مع عصر ريجان: Thistaskismadeurgentbytheevidentfailureofmanyoftheideasoftheperiodjustpast-thatis,oftheReganera.
وعليه يحدد فوكوياما ثلاثة أفكار ريجانية مركزية ينبغي للإدارة الجديدة أن تنبذها وتتجاوزها لأنها أدت للأزمة الحادة التي نمر بها ـ ويقصد بذلك أمريكا والعالم ـ; وذلك كما يلي:
الفكرة الأولي: حول دور الحكومة في تنظيم الاقتصاد.
الفكرة الثانية: حول السياسة الضريبية.
الفكرة الثالثة: حول السياسة الخارجية الأمريكية واستخدام القوة الامريكية.
فماذا قال فوكوياما عن كل فكرة من هذه الأفكار؟ (ب) فيما يتعلق بالفكرة الأولي حول دور الحكومة في تنظيم الاقتصاد, فإن النموذج الريجاني ـ التاتشري الذي عرفه النظام الاقتصادي الدولي منذ مطلع الثمانينيات كان معاديا لتدخل الدولة في الاقتصاد وتنظيم سوق المال وأطلقا العنان كليا للسوق باعتباره قادرا علي أن يصوب نفسه تلقائيا وانه أفضل من الدولة علي توفير الخدمات للمواطنين بعد أن يؤدي مهامه للقلة الثروية...وأن أي محاولة لمحاربة إخفاقات السوق تؤذي أكثر مما تفيد.. وعادا ـ بحسب الكتاب الهام السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية ـ إلي الفكرة التي صاغت السياسة الاقتصادية منذ حقبة الملكة فيكتوريا وحتي انهيار السوق المالية الأمريكية, وإلي أن' دور الدولة هو فرض العقود وتوفير العملة المستقرة...' فقط. وكانت هذه السياسة تمردا علي أفكار جون مينارد كينز التي ساعدت أفكاره أن تتجاوز أمريكا محنتها إبان الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي...فلقد طرح كينز مجموعة من الأفكار والتنظيمات الدقيقة والصارمة للأسواق المالية بحيث لا يترك للسوق وحده أن ينظم الحياة الاقتصادية.
أوصي كينز الحكومات بديمومة الطلب الاقتصادي الشامل والتوظيف العام وذلك ضمن اقتصاد مختلط ودولة رفاه, وهو ما أخذ به فرانكلين روزفلت واستطاع أن يعبر بأمريكا الأزمة الاقتصادية وأن يعاد ترشيحه لعدة دورات خروجا علي المبدأ الدستوري الأمريكي الذي يحدد مدة الرئاسة الأمريكية بمدتين كحد أقصي. والأفكار الكينزية هي التي حاول أن يأخذ بها كينيدي ومن بعدجه جونسون من خلال ما عرف ببرنامج المجتمع الكبير وذلك لأسباب معقدة تعثر هذا البرنامج,والتي استفادت منها الكثير من الدول النامية.
في هذا الإطار يشرح فوكوياما كيف أننا لم ننتبه للأخطار التي نجمت عن السياسات النيوليبرالية أو اقتصاد السوق الحر الذي أخذ به منذ ريجان وتجلت أخطاره في أكثر من مكان في آسيا1997 ـ1998, والانهيار البنكي الذي أصاب السويد بدايات التسعينيات..بيد أن هذه الإشارات المبكرة لم ـ بحسب فوكوياما ـ قد أهملت تماما. الأخطر من ذلك أن هذه السياسات قد تم تصديرها للدول النامية فلم تحتمل كاقتصادات ناشئة ما ترتب عليها من تداعيات حدثت بالأساس في المركز...ولكن لم يتحرك أحد إلا بعد أن تعرض المركز للإصابة المباشرة وهو ما دفع الكونجرس إلي اتخاذ إجراءات تدخلية... صحيح أن فوكوياما يحرص أن تكون فكرته لتجاوز ممارسات الحقبة الريجانية في هذا المقام ألا تكون بالعودة بالكامل لأفكار كينز, إلا أنه في كل الأحوال يلفت النظر إلي ضرورة إعادة النظر في الكيفية التي يدار بها القطاع المالي.
هذا عن الفكرة الريجانية الأولي التي يجب تجاوزها...فماذا عن الفكرة الثانية؟ (ج) أما عن الفكرة الثانية المركزية لريجان والتي يجب تجاوزها,والخاصة بالسياسة الضريبية, فإنه ينطلق من أن ريجان كان يسوق لفكرة مفادها أن الاستقطاعات الضريبية تعطل النمو..وأنه لكي نحفز الأفراد علي العمل والادخار والاستثمار فلابد من إجراء خفض شديد في معدلات ما تقتطعه الدولة منهم من ضرائب...وأنه لاخوف مطلقا من أن تتأثر الموازنة العامة للدولة, بل علي العكس, يزعم أنصار هذا التيار أن تخفيض معدلات الضرائب سوف يجعل الحصيلة الضريبية تتزايد... لذا سارعت إدارة الرئيس ريجان( من خلال ماأوصت به لجنة كيمب ـ روث إلي إجراء خفض كبير في معدلات الضرائب علي الدخل والثروة ـ لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة رمزي زكي في الليبرالية المتوحشة).
ومن المفيد أن نذكر هنا أن أول تشريع اقتصادي دفع به بوش الابن إلي الكونجرس في إدارته الأولي كان يتعلق بإعفاءات ضريبية للأغنياء.. وبدلا من أن يفرض بوش إجراءات تسعيرية طارئة علي أسعار الوقود طلب من الأمريكيين الاقتصاد في استهلاكه وكان الأحري به تقليص الإعفاءات الضرائبية التي اكتسبتها منه شركات البترول.
ويشير فوكوياما إلي كارثة تخفيض ميزانيات القطاعات المختلفة للحكومة ـ فيما عدا ميزانية الدفاع ـ قد أدي إلي عجز النظام السياسي الأمريكي علي مواجهة القصور في خدمات التأمين الاجتماعي والصحي من جهة, ومن جهة ثانية الشلل في السياسة الخاصة بالطاقة...ويقول فوكوياما إنه إذا كانت هناك مشكلة في الوقت الحالي,بسبب الأزمة الاقتصادية, في أخذ ضرائب من الأغنياء فأنه لا مفر من ذلك علي المدي الطويل...وضرورة إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية للأثرياء...
وقد بدأ أوباما بالفعل في تطبيق نظام للإعفاءات الضريبية لـ95% ممن ينتمون للطبقة الوسطي والفقيرة... مع خطة طموحة تعيد الاعتبار لشرائح مجتمعية واسعة همشتها السياسات الريجانية...
ونأتي للفكرة الريجانية الثالثة... (د) يقول فوكوياما في مقاله بأن هناك حاجة إلي إعادة التفكير في السياسة الخارجية الأمريكية واستخدامات القوة الأمريكية... وفي هذا المقام يقول إنه إذا كانت سياسات ريجان كان لها ما يبررها آنذاك, حيث كان هناك الاتحاد السوفيتي وأخذ يشرح ظروف تلك المرحلة... ثم انتقد ما كان يتصوره بوش الابن في أنه قادر علي أن يعيد ما نجح فيه ريجان في انتصاره علي الاتحاد السوفيتي...وأنه يمكن له أن يقف في الشرق الأوسط منتصرا لمشروعه مثلما وقف تشرشيل وريجان من بعده في برلين... ففي رأي فوكوياما أن بوش الإبن قد بالغ في التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة الامريكية...وكانت القوة هي اللغة التي تعاملت بها أمريكا مع العالم وتم اهمال الجانب الأخلاقي الذي يعده فوكوياما أحد مصادر القوة الدائمة لأمريكا...وفي هذا الإطار ينتقد فوكوياما فكرة الهيمنة الأمريكية مؤكدا وهم ذلك التصور لأن التحرك الأمريكي في أفغانستان احتاج إلي دعم من حلفاء.
وعليه يدعو فوكوياما إلي الاستثمار في مؤسسات تكون قادرة علي التعامل مع المشاكل الدولية...
إذن العصر الجديد في نظر فوكوياما ـ اتفقنا معه أو اختلفنا ـ هو تجاوز سياسات السوق وإقامة نظام اجتماعي أكثر عدلا وعلاقات دولية أكثر تعاونا... ربما لم يقل لنا تفصيلا كيف, وقد يكون ذلك موضوع كتابه المقبل, كما حدث من قبل منذ20 سنة عندما طرح مقولة نهاية التاريخ في مقال ثم نشر كتابه التفصيلي بنفس العنوان...
كذلك لا يمكن أن نعد فوكوياما راديكاليا في طرحه ولكن يحسب له النقد الذاتي لتجربة هو أحد المنتمين والمبشرين لها....في الوقت الذي لم يزل البعض في بلداننا يتمسك بمقولات يعاد النظر فيها...
ولعل من أهم ما طرحه فوكوياما في مقاله هو كلماته الختامية التي تعكس مدي وعيه الشديد بمدي التغيرات النوعية التي تشهدها أمريكا الداخل والتي يعبر عنها وصول أوباما إلي سدة الحكم والتي طرحت جدلا حول الطبيعة السياسية والاجتماعية لأمريكا وهل هي لم تزل علي' يمين الوسط' أم باتت علي يسار الوسط....ولماذا بحسب فوكوياما سوف يذكر التاريخ إذا ما استطاع أوباما أن يعيد صياغة الواقع الامريكي أن العصر الجديد هو عصر أوباما.... بيد أنه في كل الأحوال سواء نجح أوباما أم لا فان عصر الريجانية أو النيوليبرالية قد انتهي... إن هذه' الأفكار' تحتاج منا إلي فتح حوار حولها. |
|
|
|
|
|
|
  |
|