












|
|
|
هامش: أوباما في جامعة القاهرة(2/2) النعومة اللغوية في خطاب أوباما بقلم: نبيل عبد الفتاح
 |
تاريخ العلاقات الدولية والسياسية شهد عديد الخطابات التي يمكن أن نطلق عليها الصفة' تاريخي' و'تاريخية', هذا الوصف بالغ الاستثنائية يبدو مألوفا ومعتادا في' تقاليد السياسة المصرية والعربية', لأن كل شئ في الكتابات والإعلام والتعليقات الصحفية تاريخي, خطب الرؤساء أيا كانت, والميزانيات السنوية, والقرارات العادية, والنطق الرئاسي أيا كان! تعودنا علي إسباغ حياتنا السياسية بهذا الوصف الجليل تاريخي!. من هنا يمكن تفهم ضعف دلالة ووقع المفردة تاريخي في الذهنية والذاكرة شبه الجماعية للمصريين, عندما أطلقت علي خطاب أوباما إلي العالم الإسلامي من فوق منبر جامعة القاهرة.
بعض التعليقات التي حاولت تجريح الصفة التاريخية للخطاب, أو إضفاء بعض السخرية والتشكيك عليها, تمتلك بعضا من الوجاهة والشرعية بغض النظر عن الدوافع والنوايا النفسية أو المرامي السياسية.
ثمة بعض من الشرعية في محاولة التشكيك ولا أقول جحد النعت الجليل والفخيم تاريخي عن خطاب أوباما, لأن الخطابات السياسية التاريخية هي التي تتوافر لها سمات لغوية, وتفتح الأبواب أمام مسارات جديدة, وعصور مغايرة, وحركة للفعل السياسي والاقتصادي والثقافي والرمزي, تغير من الوقائع والظواهر, وتحدث تحولات نوعية عبر الزمن في العلاقات بين الدول والشعوب وفي النظام العالمي وتوازناته وتفاعلاته. الخطابات التاريخية في السياسة تأتي ومعها بلاغتها ومجازاتها الجديدة, وبحيث يجد مستهلكو الخطاب السياسي أنهم إزاء لغة مختلفة وجديدة- بها تضمينات سابقة- وبها مجازات وأوصاف وتشبيهات قادرة علي استثارة المشاعر, وتحفيز الذاكرة الجمعية للمتلقين, من خلال الرموز والاستشهادات النصية من الكتب المقدسة, أو من بعض الفلاسفة والمفكرين أو السياسيين التاريخيين. بلاغة أي خطاب هي مزيج وتأليف بين مفردات وصفات وتعابير وتشبيهات.. إلخ, قادرة علي توليد الآمال من بين أصلاب اليأس, وتخفيض التوترات والشكوك المتبادلة والهواجس العدائية التي تراكمت عبر الزمن بين دول وشعوب وأديان ومذاهب وأعراق. البلاغة الخطابية السياسية ليست لعبة إلقاء م نغم ومموسق ولا فخامة في العرض علي أهمية ملكة الإلقاء, وذكاء العرض, لكنها تتمثل في معرفة المشاكل وجذورها, وطرحها ببراعة وموضوعية دون إخلال أو ابتسار أو إملال. من ناحية أخري لا يكفي مجرد سرد الأمنيات, أو ترويج الأحلام المجنحة والآمال العصية علي التحقيق. ثمة اقتصاد سياسي للغة يتمثل في الانضباط والكثافة والإيحاء دون تزيد أو إفراط ينحدر بالخطاب إلي مستوي الحشو والإنشائية واللغة المجانية.
الخطابات السياسية التاريخية هي تكثيف وانطلاق لحركة سياسية وعمل شاق ودءوب علي صعد شتي لتحقيق المرامي السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية من وراء الخطاب.
خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما, من اليسير وصفه بالتاريخي, كما أغدقت عليه الصحف القومية وآخرون داخل وخارج مصر وربما بعض المعلقين والسياسيين, إلا أن هذا الوصف لا يزال مؤجلا أو معاقا حتي تتحقق له بعض الشرائط والفعاليات في قلب السياسة الخارجية الأمريكية في الدائرة العربية الإسلامية وفي دائرة ما يطلق عليه العالم الإسلامي بكل تبايناته وتناقضاته وثقافاته ونزاعاته البينية.
إذا نظرنا إلي الخطاب' كبنية ومرجعية ودلالة', يمكننا ملاحظة ما يلي:
1- الخطاب هو تجسيد للتغير في لغة خطابات السياسة الخارجية والدبلوماسية من اللغة العنيفة لدي إدارة بوش الابن الجمهوري المحافظ إزاء الخصوم- الإرهابيين- أو إضفاء بعض الصفات السلبية علي الإسلام والمسلمين كمعاداة حقوق الإنسان وحرية التدين والاعتقاد وحقوق المرأة واضطهاد الأقليات الدينية.. إلخ, إلي لغة وصفناها منذ وصول أوباما باللغة الناعمة والغاوية, أي استخدام الخطاب' الأوبامي'- ومعه وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون- لمفردات تفتقر إلي الشحنات العنيفة أو المتوترة, أوتلك التي تستنفر الذاكرة اللغوية للمستهلكين- جمهور عادي, وسياسيين.. إلخ- وتذكرهم بارتباط بعض المفردات والأوصاف السياسية أو الدينية أو الرمزية بأحداث عدائية أو أليمة أو إهانات قومية أو عرقية أو دينية أو مذهبية أو قيمية أو رمزية.. إلخ. لغة ناعمة ومرنة, وتتسم بالتوازن, ومشرعة علي تفسيرات شتي, وتوحي بمعان سريعة ومباشرة, ولكن إمعان النظر وتحليلها سياسيا ودلاليا, تكشف عن معان أخري.
من ناحية أخري تم استبدال بعض المفردات والأوصاف القدحية بأخري أقل حدة, كتراجع تعبير الإرهاب والإرهابيين عن الإسلام وبعض الجماعات الإسلامية السياسية, لصالح تعبير المتشددين والتطرف والمتطرفين ومخاطرهم ودورهم في خلق الفجوات بين المسلمين والولايات المتحدة الأمريكية.
التذكير بأن' هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام2001 واستمرار جهود هؤلاء المتشددين في الانخراط في العنف ضد المدنيين جعل البعض في بلدي ينظر إلي الإسلام علي أنه حتما دين عدائي ليس فقط ضد الولايات المتحدة والدول الغربية. ولكن أيضا ضد حقوق الإنسان, لقد أدي ذلك لمزيد من الخوف وفقدان الثقة'( من الخطاب).
ويصف أيضا هؤلاء( المتشددين)' بأنهم يبذرون( الكراهية) بدلا من السلام ويروجون( للصراع) بدلا من التعاون الذي يساعد جميع شعوبنا علي تحقيق الرخاء والعدالة'. استخدام مفردات الاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة. هذه الاستراتيجية اللغوية نجدها باسطة مفرداتها وظلالها علي غالب الخطاب.
ثمة استخدام لآيات قرآنية دالة لاستثارة حماسة الجمهور- استشهد بـ7 آيات من القرآن الكريم- كي يري المسلم/ المتلقي ذاته الدينية والعقائدية محترمة ومقدرة داخل الخطاب, ثم يردف بتوازن حول معاني السلام وعدم الكراهية بآيات من الانجيل والتوراة. توازن يرمي إلي مخاطبة أطراف أخري داخل وخارج العالم الإسلامي.
ربط أوباما بين تجربته ومساره الحياتي- في إطار التعدد الديني لوالده المسلم وأمه وجدته المسيحية وزوج والدته المسلم الأندونيسي- وبين دفاعه عن الحرية الدينية, وبين نمط الحياة الأمريكي, ودور المسلمين الأمريكيين ومساهمتهم في' إثراء الولايات المتحدة, لقد قاتلوا في حروب وخدموا في حكوماتنا ووقفوا بجانب حقوقهم المدنية وعملوا في المجال التجاري ودرسوا في الجامعات, وسطع نجمهم في الساحات الرياضية وفازوا بجوائز نوبل وأسهموا في بناء ناطحات السحاب وأشعلوا الشعلة الأوليمبية.. إلخ'.
استراتيجية النوايا اللغوية تبدو في إشاراته لدور الإسلام في تطور الحضارة الإنسانية حيث طور الابتكار الإسلامي' علم الجبر والبوصلة المغناطيسية ومعدات الملاحة وإلهامنا بالطباعة والنشر وفهمنا لانتشار الأمراض والشفاء منها.. إن التراث الإسلامي منحنا أقواس العمارة الرائعة والأبراج الشامخة والشعر الخالد والموسيقي الخلابة والخط العربي الرائع وبقاع الخلوة والتأمل.. علي مدي التاريخ أثبت الإسلام قولا وفعلا إمكان التسامح الديني والمساواة العرقية'. ثم ذهب إلي القول' أن المشاركة بين أمريكا والإسلام يجب أن تستند إلي صورة الإسلام الحقيقية وليس الصورة النمطية له, واعتبر أن جزءا من مسئولياتي كرئيس للولايات المتحدة هو مناهضة الصورة النمطية السلبية المسيئة للإسلام أينما ظهرت'. لغة غاوية مزجت بين المديح الفخيم للإسلام وثقافته وإنجازاته والاعتراف المقدر بدور المسلمين في تطور العالم, والاعتراف بالصور النمطية والرغبة في تجاوزها.
النعومة اللغوية في خطاب أوباما- والسياسة الخارجية- لا يعني تغييرا جوهريا في السياسة الأمريكية إلا في بعض الأمور. نعم كما قلنا لا جديد حول الموقف في أفغانستان, أو إزاء قضايا المنطقة مثل: تجميد الاستيطان وحل الدولتين علي أساس خارطة الطريق, والانسحاب من العراق, والموقف من إيران والملف النووي الإيراني.. كلها لا جديد حولها فهي جزء من مصالح استراتيجية أمريكية, ودعم محور' الاعتدال العربي', ومطالبته بأدوار صعبة في معالجة قضايا إقليمية معقدة.
تنديد أوباما بالعنف هو البديل عن شجب وهجاء الإرهاب لدي الإدارة الجمهورية السابقة. ورسالته واضحة للفلسطينيين' أن يركزوا علي ما في استطاعتهم بنائه يجب علي السلطة الفلسطينية أن تطور قدراتها علي الحكم من خلال مؤسساتها وتخدم حاجات شعبها'. وإلي أن' حماس لها بعض التأييد من قبل بعض الفلسطينيين ولكن علي عاتقها أيضا مسئوليات من أجل قيام بدور في تحقيق آمال الفلسطينيين وطموحاتهم' وطالبها بوضع' حد للعنف والاعتراف باتفاقيات سابقة وبحق إسرائيل في الوجود'. خارطة الطريق-42% من مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عدوان5 يونيو1967- هي افق حل دولة فلسطينية قابلة للحياة بتعبيرات إدارة جورج دبليو بوش السابقة.
ما الجديد إذن في ظل استمرارية المصالح الأمريكية- الإسرائيلية, وخطاب نتانياهو المتشدد! الذي طالب بحل للدولتين مع اعتراف بيهودية الدولة, ودولة فلسطينية منزوعة السلاح وبلا حق العودة وبلا قدس عاصمة لها.. إلخ!!
ثمة بعض الجديد في خطاب أوباما بعيدا عن لغة الخطاب وغواياته ورمزياته واستشهاداته؟
الجديد تمثل فيما يلي: 1- التركيز علي الحرية الدينية, وأن الإسلام لديه تقاليده العريقة في هذا الصدد كما لاحظها أوباما الطفل في إندونيسيا في التعايش الإسلامي المسيحي, وكطالب وقارئ تاريخ في قرطبة والتجربة الأندلسية,' حيث كان المسيحيون المؤمنون يمارسون دينهم بحرية في بلد ذي أغلبية إسلامية, إن هذه هي روح التسامح التي نحتاجها اليوم, إن شعوب كل الدول عليهم أن يختاروا عقيدتهم ودينهم حسب اختيارات القلب والعقل والروح, أن هذا التسامح ضروري لازدهار الأديان إلا أن هذا النهج يواجه الكثير من التحديات ومن خلال سبل عديدة في أوساط بعض المسلمين هناك نزعة مزعجة بقياس مدي إيمانهم بشخص يرفض إيمان الآخر وعقيدته'. أن دفاعه عن حرية العقيدة وأنها جزء من تقاليد الإسلام, هي رسالة إلي' الغلاة' وإلي' المتشددين' وإلي الصفوات الحاكمة والحكومات في الدول الإسلامية بضرورة احترام حرية التدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الإسلامية. إشارة تشير إلي الانتهاكات التي تمارس في دول إسلامية عديدة إلي حرية أساسية من الحريات الشخصية تواجه ببعض العنت ولاسيما إزاء بعض من غير المسلمين في دول إسلامية عديدة. وتبدو الإشارة إلي الأقباط في مصر, والموارنة في لبنان, هو استجابة لضغوط أقباط وموارنة المهجر! وإن بدا ذلك مقحما علي متن النص.
2- دفاعه عن زي المرأة المسلمة علي خلاف المواقف الأوروبية الفرنسية والألمانية والهولندية التي ترفض أي علامات أو رموز دينية أيا كانت في أجهزة الدولة والمدارس والجامعات علي اختلافها انطلاقا من مبدأ حياد جهاز الدولة إزاء الأديان, ومن ثم لا يجوز للموظف العام أن يرتدي ما يشير إلي ديانته, ويشكل تحيزا رمزيا إزاء الأديان الأخري أيا كانت.
3- دفاعه عن حقوق المرأة المسلمة وحقها في التعليم والمعرفة والوعي, وحقوقها الأخري الشخصية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. والخطاب وراء هذا الخطاب هو إدانة الممارسات التمييزية ضد المرأة في المجتمعات الإسلامية.
4- الإشارة إلي موضوع التنمية الاقتصادية والفرص. والإشارة إلي ضرورة إيلاء هذا الموضوع أهميته في ظل العولمة, وهذا أمر مهم من حيث ضرورة تقديم المنح والتدريب والخبرات الفنية والعلمية في هذا الصدد. أن المنطقة كمستودع نفطي لن تكون لها أهمية مستقبلا في ظل مشروع البدائل الجديدة للطاقة الذي يدعمه أوباما.
خطاب قد يوصف مستقبلا بالتاريخي, أو العادي أو خطاب علاقات عامة كما ذهب بعضهم, أو خطاب تسويق لبضاعة ومصالح أمريكية مستمرة في المنطقة- وفي إطارها مصالح إسرائيل- إلا أنه كخطاب تاريخي لابد أن يصحبه تغير في الأفعال السياسية الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية والإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة, وما طرحه أوباما من أفكار رهينة سلوكه السياسي, وحركته داخل المؤسسات الأمريكية- الكونجرس- والأهم إزاء إسرائيل والصفوات الحاكمة التسلطية في عالمنا العربي, وفي ما يطلق عليه نظم ودول العالم الإسلامي. وبقي السؤال أين دورنا؟ أين رؤانا؟ وأين حركتنا وأخيلتنا السياسية؟ أين نحن من عالم يتغير ونحن لا نزال ندور في مدارات الجمود وكوابيس الماضي, وتقاليده وعوالمه الضائعة؟! |
|
|
|
|
|
|
  |
|