2112‏السنة 126-العدد2009يونيو29‏6 من رجب 1430 هـالأثنين















الحكم العادل علي سعر الفائدة السائد
‏‏يجب ان يكون سعر الفائدة الاسمي معادلا علي الاقل
لمعدل التضخم السائد في السوق‏.‏
بقلم: سلطان أبوعلي
وزير الاقتصاد الاسبق
قرر البنك المركزي المصري مؤخرا خفض سعر الفائدة بنسبة‏0.5%‏ ليصبح سعر الفائدة علي ودائع البنوك التجارية لديه ليوم واحد‏9%‏ سنويا‏.‏ وفي أعقاب ذلك‏,‏ قرر البنك الأهلي المصري تخفيض سعر الاقتراض منه بهذه النسبة إسهاما منه في مواجهة ظروف الأزمة التمويلية العالمية من أجل تنشيط الاستثمار والإنتاج‏,‏ مع الابقاء علي سعر الفائدة علي الودائع وعدم تخفيضها مراعاة لمصالح المودعين في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة خاصة علي أرباب المعاشات وأصحاب الدخول الثابتة من كبار السن والأرامل الذين يعتمدون‏,‏ إلي حد كبير‏,‏ علي الفوائد علي مدخراتهم كمصدر أساسي لدخولهم بعد تقاعدهم‏.‏ وقد تبع عدد من البنوك التجارية الأخري مسار البنك الأهلي حتي تحتفظ بوضعها النسبي في السوق المصرفي ونصيبها في الودائع‏.‏

وقد رحب رجال الأعمال والمقترضون بقرار خفض سعر الفائدة‏,‏ وكذلك وزارة المالية نظرا للآثار الإيجابية علي أوضاعهم المالية‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ يؤدي هذا القرار إلي خفض أعباء الفوائد علي الدين العام المحلي بمقدار نحو‏3.5‏ مليار جنيه‏.‏ أما رجال البنوك فإنهم معتادون علي تقلبات سعر الفائدة‏,‏ والمخاطر التي تنجم عن ذلك‏.‏ و البنوك بصفتها من الوسطاء التمويليين لاتؤثر فيها قرارات تغيير سعر الفائدة حيث إنها تنقل عبء هذه التغيرات إلي المتعاملين معها‏.‏ أما المتخصصون من رجال الاقتصاد فقد انقسمت آراؤهم بين مؤيد ومعارض لأسباب وجيهة لكل منها سوف نعرض لها بعد قليل‏.‏ واستاء المدخرون من قرار الخفض نظرا لتوقعهم انخفاض سعر الفائدة علي ودائعهم ربما بعد فترة من الزمن‏.‏ وفي ضوء تعدد الآراء وتضاربها يثور التساؤل حول من من هؤلاء علي صواب؟ وما هو القول الفصل في سعر الفائدة الموزون؟ وما هي مصلحة الاقتصاد المصري في مجموعه وليس الفئات المختلفة التي قد تتعارض مصالحها من هذا القرار أو عكسه؟

ويندر أن يثير قرار اقتصادي مثل ردود الأفعال هذه المتعددة والمتباينة‏,‏ كما يثيره قرار تغيير سعر الفائدة سواء بالرفع أو الخفض‏.‏ ويرجع ذلك إلي أسباب متعددة أهمها‏:‏

*‏ عدم اعتياد المجتمع المصري علي كثرة تعديل سعر الفائدة‏.‏ لقد ظلت أسعار الفائدة في مصر ثابتة تقريبا خلال الربع الثالث من القرن العشرين وقبله‏,‏ إذ كان سعر الفائدة علي الودائع لمدة‏3‏ شهور وأقل من‏6‏ شهور نحو‏6%‏ قبل إبريل‏1979,‏ ثم ارتفعت إلي‏8.5%‏ في عام‏1981‏ وظلت عند هذا المستوي إلي منتصف عام‏1989‏ علي الرغم من ارتفاع معدل التضخم في ذلك الحين إلي ما يناهز‏25%.‏ وربما كان هذا الثبات في سعر الفائدة السبب الرئيسي وراء ايجاد البيئة الملائمة لنمو الشركات المعروفة باسم‏'‏ شركات توظيف الأموال‏'.‏ و ربما كان هذا الثبات مبررا في ظل الاقتصاد الاشتراكي الذي ساد في مصر خلال الستينات إلي منتصف السبعينات من القرن الماضي‏,‏ حيث لا تلعب السياسة النقدية وسعر الفائدة دورا يذكر في ادارة الاقتصاد الوطني‏.‏ أما في ظل اقتصاديات السوق الصديقة للقطاع الخاص فيجب أن نعتاد علي زيادة استخدام السياسة النقدية وسعر الفائدة في ادارة السياسات الاقتصادية وتحقيق الغايات الوطنية‏.‏

*‏ تعارض مصالح المدخرين مع مصالح المستثمرين والمقترضين‏,‏ إذ يفضل الأولون رفع سعر الفائدة في حين يفضل الآخرون العكس‏.‏

*‏ تعدد آثار تغيرات سعر الفائدة علي الأسواق والقطاعات المختلفة علي النحو الذي نبينه بعد قليل‏.‏

*‏ الاختلاف في الرأي حول فعالية سعر الفائدة في التأثير علي الاقتصاد القومي

آثار سعر الفائدة
سعر الفائدة هو الاداة الرئيسية للسياسة النقدية‏,‏ التي هي مكون من مكونات السياسة الاقتصادية‏(‏ إلي جانب السياسات المالية والتجارية والاستثمارية وغيرها‏).‏ و يؤثر سعر الفائدة إلي جانب المتغيرات الأخري علي الجوانب الرئيسية التالية‏:‏

*‏ الأزمة التمويلية العالمية الراهنة‏.‏ أدت هذه الأزمة إلي ركود الأحوال الاقتصادية حول العالم‏.‏ ويستلزم هذا خفض سعر الفائدة بحيث يقلل من تكلفة الاستثمار والانتاج ومن ثم يؤمل أن يزيد المنتجون من الانتاج مع تخفيض أسعار البيع‏,‏ ومن ثم يقبل المستهلكون علي الشراء وتتسارع عجلة النشاط الاقتصادي‏,‏ وتنتهي حالة الركود‏.‏ وهذا ما فعلته معظم دول العالم وعلي رأسها الدول الصناعية المتقدمة‏.‏

*‏ محاربة التضخم‏,‏ إذا حدث ارتفاع كبير في المستوي العام للأسعار في دولة ما‏,‏ وتزايد معدل التضخم عن المستوي المحدد اجتماعيا‏,‏ فمن المفروض أن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة بحيث يقل الطلب وتميل الاسعار نحو الانخفاض‏.‏ و الهدف العام الذي يبتغي البنك المركزي المصري تحقيقه هو محاربة التضخم‏.‏ وربما يكون معدل التضخم المقبول في حدود‏6%‏ في حين أنه يتجاوز حاليا‏10%.‏ و من هذه الزاوية كان ينبغي أن يرفع البنك المركزي المصري سعر الفائدة لا أن يخفضها‏.‏

*‏ سوق الأوراق المالية‏.‏ في ظل الأوضاع المعتادة يؤدي خفض سعر الفائدة إلي ارتفاع اسعار الأوراق المالية وذلك علي افتراض بقاء الاشياء الأخري علي حالها‏.‏ أما خفض سعر الفائدة الأخير في مصر فقد صاحبه انخفاض في أسعار الأسهم‏.‏ ويرجع ذلك إلي عدم ثبات الأشياء الأخري علي حالها وهي‏:‏

-‏ تأثر البورصة المصرية بانخفاض أسعار الاسهم في البورصات العالمية في عصر العولمة‏,‏ وسهولة انتقال رأس المال واستثمارات الحافظة بين الأسواق المختلفة‏.‏

-‏ انخفاض أرباح كثير من الشركات في القوائم المالية التي تم الاعلان عنها للربع الأول من عام‏.2009‏

-‏ جني الارباح نتيجة لارتفاع اسعار الاسهم خلال الشهر الماضي‏.‏

*‏ سعر صرف الجنيه المصري‏.‏ يتأثر سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية بالتغيرات في سعر الفائدة علي الجنيه المصري والفرق بينه وبين سعر الفائدة علي العملات الأخري وذلك عن طريق حركات رؤوس الأموال في الحساب الرأسمالي من ميزان المدفوعات‏.‏ فإذا رفع سعر الفائدة علي الجنيه المصري‏-‏ مع بقاء الاشياء الأخري علي حالها‏-‏ فقد يصبح جاذبا للاستثمار فيه بدلا من الاحتفاظ بالدولارات أو باليورو‏.‏ ومن ثم تزيد تدفقات رؤوس الأموال ويتحقق فائض في حساب العمليات الرأسمالية من ميزان المدفوعات‏.‏ لذلك إذا استهدفت إحدي الدول تحسين قيمة سعر صرف عملتها فإنها تعمد إلي رفع سعر الفائدة عليها‏,‏ والعكس بالعكس‏,‏ إذا وجدت الدولة أن عملتها مقومة بأعلي من قيمتها الحقيقية فإنها تخفض سعر الفائدة بهدف تخفيض قيمة العملة توقعا لزيادة الصادرات وإقلال الواردات‏.‏

*‏ الموازنة العامة للدولة‏.‏ تعاني الموازنة العامة المصرية لعامي‏2009/2008‏ و‏2010/2009‏ من ارتفاع نسبة العجز إلي الناتج المحلي الإجمالي إلي نحو‏9%.‏ و هذه نسبة عجز غير صحية‏.‏ كما زاد الدين المحلي الإجمالي إلي أن بلغ نحو‏700‏ مليار جنيه‏,‏ وتقدر مدفوعات الفوائد بنحو‏71‏ مليار جنيه‏.‏ و من ثم فإن خفض سعر الفائدة بنحو‏1%‏ يؤدي إلي خفض أعباء الفوائد علي الدين المحلي الإجمالي بنحو‏7‏ مليارات جنيه‏.‏ ولعل هذا هو أحد الاعتبارات الرئيسية للخفض الأخير في سعر الفائدة‏.‏

*‏ الادخار‏:‏ إن احدي المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد المصري هي انخفاض نسبة الادخار إلي الناتج المحلي الإجمالي‏.‏ و تقدر هذه النسبة بنحو‏16%‏ سنويا‏,‏ في حين يبلغ في دول النمور الآسيوية ذات النمو المتسارع المستدام أكثر من‏30%‏ والمفروض أن رفع سعر الفائدة يؤدي إلي تشجيع الادخار والحد من الاستهلاك‏.‏ ومن ثم فإن الخفض الأخير لسعر الفائدة ليس في صالح الحد من الاستهلاك وتشجيع الادخار‏,‏ خاصة عندما نقارن سعر الفائدة بمعدل التضخم الفعلي فيكون سعر الفائدة الحقيقي سالبا‏(‏ أي سعر الفائدة الأسمي ناقصا معدل التضخم‏).‏ وهذا يعني أن القوة الشرائية للمدخرات تتآكل بمرور الزمن مما يدفع المستهلكين إلي زيادة الاستهلاك وليس إقلاله‏.‏

*‏ الاستثمارات‏.‏ يتم تمويل الاستثمارات في الزراعة والصناعة والخدمات إما من المصادر الذاتية وإما من الاقتراض‏,‏ و الأموال المقترضة يدفع عنها فائدة‏,‏ والأموال الذاتية يحتسب لها عائد علي أساس تكلفة الفرصة البديلة التي يمثلها في هذه الحالة سعر الفائدة‏.‏ وبالتالي فإن تكلفة الأموال تزيد مع زيادة سعر الفائدة‏.‏ و إذا كان تمويل رأس المال متوازنا‏-‏ بمعني الا تزيد نسبة القروض إلي رأس المال عن‏1:2-‏ فإن تكلفة الفوائد يجب الا تزيد علي‏3%‏ من إجمالي تكلفة مستلزمات الانتاج‏.‏ وبالتالي فإن تخفيض سعر الفائدة يخفض من التكاليف ولكن بنسبة ضئيلة‏.‏ والعكس بالعكس‏.‏

*‏ التنافسية‏.‏ يتسم عالم اليوم بزيادة حدة التنافسية بين الشركات والأمم‏.‏ ويصدر تقرير عن تنافسية الأمم يرتب الدول بحسب اسبقيتها في درجة التنافس‏.‏ ويقاس مؤشر التنافسية بناء علي اثني عشر عامودا من بينها الابتكار وحجم السوق وكفاءة سوق العمل‏,‏ و تقدم السوق التمويلية وكفاءة سوق العمل‏...‏الخ ويؤثر سعر الفائدة في كثير من هذه المجالات‏.‏ وبناء عليه فإن هذا السعر يعتبر أداة هامة من الادوات التي تؤثر في ترتيب تنافسية الأمم‏,‏ وفي قدرة الشركات الوطنية علي المنافسة في الاسواق العالمية وفي السوق المحلي‏.‏

*‏ تخصيص الموارد‏.‏ يستخدم سعر الفائدة كأداة من الادوات التي تؤثر علي تخصيص الموارد بين الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ إذا ارادت الدولة تشجيع الزراعة فإنها توفر لها التمويل منخفض التكاليف‏.‏ وإذا أرادت تشجيع الاسكان لمحدودي الدخل فإنها تقدم له قروضا بأسعار فائدة مخفضة‏,‏ و كذلك الحال بالنسبة لتشجيع الصادرات‏.‏ وكل هذه الإجراءات تؤثر علي هيكل توزيع الموارد المتاحة في المجتمع وهيكل الناتج القومي الذي يتم فيه‏.‏

*‏ الأزمات التمويلية والاقتصادية‏.‏ تؤدي سياسة سعر الفائدة غير المتوازنة إلي اللجوء إلي أدوات تمويلية غير بنكية‏.‏ وإذا تضخمت هذه الادوات تضخما كبيرا فإنها تتسبب في حدوث الازمات التمويلية والاقتصادية مما يكبد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة‏.‏

فعالية سعر الفائدة
مما سبق يتبين الآثار المتعددة والمتشابكة لسعر الفائدة علي الاقتصاد الوطني‏.‏ ويشكك البعض في فعالية سعر الفائدة في الاسهام في هذه التأثيرات في الاقتصاد المصري‏.‏ ونحن لانتفق معهم في ذلك الرأي‏.‏ ونستطيع ذكر فترتين لبيان فعالية سعر الفائدة‏,.‏ الأولي في بداية الاصلاح النقدي والمالي الذي اتبع منذ مايو‏1991,‏ فقد كان من مكوناته رفع سعر الفائدة علي الجنيه المصري إلي حوالي‏20%‏ مما أسهم في خفض معدل التضخم تدريجيا إلي أن بلغ حوالي‏5%‏ في عام‏.2002‏ كما أسهم في جذب العملات الأجنبية إلي مصر وتحويل جانب كبير من الودائع الدولارية إلي ودائع بالجنيه المصري وقلل من انتشار ظاهرة‏'‏ الدولرة‏'‏ في مصر‏.‏ والفترة الثانية التي نجحت سياسة البنك المركزي في رفع سعر الفائدة من أجل تخفيض معدل التضخم الذي ساد في عامي‏2007‏ و‏.2006‏ فقد ارتفعت معدلات التضخم في مصر والعالم بسبب أزمة الغذاء ورفع البنك المركزي سعر الفائدة وفعلا إنخفض معدل التضخم بنهاية عام‏2008‏ إلي نحو‏11%‏ سنويا‏.‏ ونحتاج إلي دراسات مستفيضة لتحديد الأثر الكمي‏,‏ ومرونات المتغيرات السابق ذكرها بالنسبة لتغيرات أسعار الفائدة بحيث تساعد متخذ القرار علي تحديد التغير الكمي في سعر الفائدة السائد في السوق من أجل احداث التغيير المطلوب‏.‏ ولكن لانتفق مع المتشككين في فعالية سعر الفائدة في التأثير علي المتغيرات الاقتصادية الهامة‏.‏ الا أنه ربما يدفعهم إلي هذا القول‏-‏ علي افتراض الموضوعية وحسن النية‏-‏ أمران هما‏:‏

الأول‏:‏ ان التغيرات التي تحدث في مصر بالنسبة لسعر الفائدة عادة ما تكون صغيرة بحيث تقصر عن احداث الآثار المطلوبة‏,‏ فعندما حاولنا تجنب الآثار السلبية للأزمة التمويلية العالمية الراهنة خفضنا سعر الفائدة وهو تخفيض غير ملموس‏.‏ و ربما تكون هذه سمة من سمات التغيرات في السياسة الاقتصادية في مصر‏,‏ حيث تكون ضعيفة ومتأخرة جدا في التوقيت‏.‏

والثاني‏:‏ ان أثر خفض سعر الفائدة أو رفعه لايظهر بين يوم وليلة‏,‏ ولكن يأخذ وقتا‏.‏ و خلال فترة الابطاء هذه قد يظن البعض أن سعر الفائدة مثل الدواء غير الفعال‏.‏ و لكن الحقيقة غير ذلك ويجب عدم تعجل النتائج قبل الآوان‏.‏

إذن لايجب التشكك في فعالية سعر الفائدة في التأثير علي المتغيرات الاقتصادية المحلية مثل الادخار والاستثمار والانتاج وسعر الصرف وغيرها‏.‏ غير أنه من الزاوية الأخري‏,‏ ليس هذا السعر هو الاداه الوحيدة التي يجب الاعتماد عليها لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية‏.‏ بل يجب أن تتخذ بالتنسيق مع الادوات الاقتصادية الاخري مثل الضرائب والنفقات العامة وسعر الصرف وغيرها‏.‏

الخلاصة والتوصيات
أرجو أن تكون قد أوضحت في السطور السابقة أهمية سعر الفائدة في التأثير علي الجوانب الاقتصادية في الدولة‏,‏ وأن رفع سعر الفائدة أو خفضه يحقق آثارا تختلف بحسب اختلاف الأحوال السائدة في السوق‏.‏ فإذا أردنا محاربة التضخم وجب رفع سعر الفائدة‏,‏ وإذا أردنا القضاء علي الركود والكساد وجب خفض هذا السعر‏.‏ وحيث إن أهداف السياسة الاقتصادية متعددة فيجب تحديد أولوية هذه الاهداف من أجل تنفيذ إجراءات تعويضية للأهداف التي تتأثر سلبا بتغيرات سعر الفائدة‏.‏ وعلي سبيل المثال‏,‏ إذا كانت الأولوية القصوي لزيادة الإدخار‏,‏ فيجب علي راسم السياسة الاقتصادية أن يرفع سعر الفائدة‏.‏ وقد يؤدي هذا إلي الاضرار بالمستثمرين‏,‏ وفي هذه الحالة يمكن تعويضهم عن طريق الحوافز المالية أو تخفيف تكاليف المرافق العامة أو منح الاعانات المرتبطة بزيادة تشغيل الايدي العاملة الجديدة وغيرها‏.‏ الا أنه في جميع الحالات فإن السياسة النقدية السليمة تقتضي أن يكون سعر الفائدة الاسمي معادلا علي الأقل لمعدل التضخم السائد في السوق‏,‏ وليس التضخم المتوقع حيث إن هذا التوقع قد يصيب وقد يخيب‏.‏

ومجمل القول‏,‏ ان الوضع الحالي في للاقتصاد المصري يظهر أن معدل التضخم يساوي نحو‏11%,‏ وكان سعر فائدة الكوريدور قبل قرار التخفيض الأخير‏9.5%‏ وأسعار الفائدة علي الودائع بالبنوك التجارية أقل من ذلك بكثير‏.‏ فيكون سعر الفائدة الحقيقي سالبا‏.‏ أي أن ما يحصل عليه المدخرون من فوائد لايعوضهم عن نقص القوة الشرائية لودائعهم بفعل التضخم‏.‏ وكان الواجب أن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة أو علي الأقل أن يبقيه علي ما هو عليه مواءمة مع الأزمة التمويلية العالمية الراهنة‏.‏ الا أن البنك المركزي فيما يبدو قد اعتمد علي التوقعات بإنخفاض معدل التضخم في المستقبل القريب‏.‏ ونعتقد أن الاعتماد علي التوقعات المستقبلية لمعدل التضخم يشبه من يشغل باله بما سوف يفعله الحصان عندما يرد الماء‏.‏ فعلينا أولا أن نخفض معدل التضخم ثم بالتزامن معه أن نخفض سعر الفائدة وليس قبل ذلك‏.‏ ومما يزيد من ضرورة الحرص في اعطاء أوزان أكبر للاعتبارات التي تدعو إلي خفض سعر الفائدة‏,‏ توقع عودة أزمة الغذاء مع بداية‏2010‏ وعندها قد ترتفع اسعاره ويرتفع معدل التضخم في مصر ارتفاعا كبيرا‏,‏ حيث يشكل الغذاء نحو‏40%‏ من الرقم القياسي لأسعار المستهلكين الذي يعبر عن معدل التضخم في مصر‏.‏

وعندها سوف نحتاج إلي رفع سعر الفائدة رفعا كبيرا لتحقيق هدف السياسة النقدية وهو استهداف القضاء علي التضخم‏.‏