












|
|
|
رؤية من يحقق النهضة ؟ بقلم: د. عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصادية
 |
بالمصادفة المحضة, بعد منتصف الليل, كنت أحرك مؤشر الراديو فتوقفت عند سماع الخالدة أم كلثوم تصدح بقصيدة شعر, لم أكن قد سمعتها أو سمعت عنها من قبل. وتبينت أنها أبيات تمدح أحد الأشخاص. وحاولت معرفة من الذي تمدحه أم كلثوم في هذه الأغنية الرائعة. ولأن الموسيقي, وصوت أم كلثوم يعكسان روح الأربعينات أو الخمسينات, تصورت أن القصيدة ربما تمدح سعد زغلول مثلا حينما أشارت في أحد أبياتها إلي الزعيم الأول. وحينما وردت كلمة الثورة انصرف ذهني إلي زعيم يوليو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. انتهت الأغنية الجميلة ولم أعرف من المقصود بهذا المديح الرائع. ولكن بعد أن نوهت المذيعة إلي القصيدة بعد انتهاء الأغنية كانت المفاجأة التي شغلت أفكاري حتي مشارف الفجر. مفاجأة ثلاثية الأبعاد حول المكان والتاريخ والشخص, ولكل منها دلالات ذات مغزي عميق.
جامعة القاهرة كانت هي مكان الاحتفال الذي شدت فيه كوكب الشرق بأغنيتها. وقفز ذهني إلي الحدث الأقرب الذي شهدته هذه الجامعة المرموقة, طبعا لم يكن ممكنا أن يفوت علي الإدارة الأمريكية أن تختار جامعة القاهرة مكانا لخطاب الرئيس أوباما إلي العالم الإسلامي. وما بين المناسبتين وقبلهما ستبقي هذه الجامعة رمزا شامخا للعلم والثقافة والحضارة المصرية الحديثة.
الدلالات الأهم تتعلق بمناسبة الاحتفال وشخص المحتفي به. تخيل أنك تستمع إلي هذا المقطع( الكوبليه) من القصيدة:
وله في كل بيت أنعم, وله في كل جو أنجم,
وله في كل بحر علم, وله في كل أرض هرم,
فكرموه واذكروه في كتاب الخالدين.
في عام1957 أقيم الاحتفال في جامعة القاهرة لتكريم طلعت حرب, وهو من كتبت القصيدة في تسجيل مناقبه, والتي يلخص المقطع المشار إليه بعضا منها.
لماذا طلعت حرب, وما دلالة توقيت التكريم ؟ ليس مستغربا أن يكون الأدب والفن مرآة لأحوال البلد. وفي عام1957 كانت مصر تشهد محاولة أخري لخوض غمار التصنيع والتنمية. وكانت كل المؤشرات توحي بأن الدولة تعول علي الرأسمالية المصرية في القيام بهذه المهمة. الحقيقة أن هذه المحاولة كانت تجديدا لعملية طويلة لتحويل مصر من بلد زراعي بدائي, يلعب فيه محصول القطن حلقة الربط مع الاقتصاد العالمي(!!) إلي اقتصاد حديث يتسع مداه للصناعة.
كانت البداية خلال الحرب العالمية الأولي حينما اضطرت البلاد إلي تطوير بعض الورش للحدادة والخراطة لتعويض النقص في المعدات بسبب توقف الاستيراد. وربما لا يعرف الكثيرون أنه في عام1935 وضعت أول خطة خمسية تتضمن استراتيجية للتصنيع, أقرب إلي ما عرف بعد ذلك بسياسة احلال الواردات.
كانت مصر في هذه الفترة مثالا للنموذج الذي صاغه الاقتصادي الشهير أرثرلويس المعروف باستخدام الفائض الزراعي لإحداث التراكم الاستثماري في القطاع الحضري والصناعة التحويلية أساسا. ولعبت الرأسمالية المصرية البازغة دورا بالغ الأهمية, وكان أبرز رموزها محمد طلعت حرب. لم تنجح المحاولة في إتمام عملية الانتقال إلي اقتصاد صناعي متطور.
شهدت الشهور الأولي في أعقاب ثورة يوليو صدور قانون هام لتشجيع الاستثمار الخاص المصري والأجنبي. وفي منتصف الخمسينات تم إعداد البرنامج الخمسي للتصنيع, وأنشئ مجلس الإنتاج, إلي جانب مجلس الخدمات. ومع نهاية الخمسينات وضعت أول خطة عشرية للتنمية تنقسم إلي خطتين خمسيتين تغطي الأولي الفترة1960-1965 انبنت كل هذه الرؤي والخطط علي قدرة وإمكانية الرأسماليين المصريين علي إنجاز أهداف التنمية. في غمار هذه الأجواء كان الاحتفاء بطلعت حرب تعبيرا عن هذه الثقة والتحفيز لهذه الفئة الاجتماعية الوليدة لقيادة جهود التقدم الاقتصادي.
لم تنته السنة الأولي من الخطة الخمسية(60-1961) إلا وكان النظام قد انقض علي الرأسمالية المصرية, التي تم وصفها حينئذ بالمستغلة. وجري تأميم واسع النطاق للبنوك والشركات الخاصة. وعلي الرغم من استمرار الاشارة إلي رأسمالية ـ وصفت بأنها وطنية ـ كانت البيروقراطية( وهي فئة خارج التكوينات الاجتماعية النمطية) قد استولت علي مقاليد الاقتصاد والإدارة الاقتصادية, ولم تستطع صبرا علي التطور الاجتماعي الطبيعي. استنادا إلي معايير كثيرة ـ ليس هنا مجال سردها ـ لا يمكن الاقتناع بأن الاقتصاد المدار وهيمنة بيروقراطية الدولة قد أنجزت ما عجز عن تحقيقه الرأسماليون.
منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي جرت محاولة متجددة لإفساح المجال أمام القطاع الخاص- وهو الإسم العصري للرأسمالية المصرية انقضي حوالي ثلث قرن منذ أن أعلنت سياسة الانفتاح- وهو اسم الدلع لعملية التحول إلي اقتصاد السوق. ولكن العقد الأخير من القرن الماضي شهد محاولة أكثر جدية للإصلاح الاقتصادي, تستهدف استكمال وبلورة آليات فاعلة لاقتصاد السوق, يقوده القطاع الخاص.
بمقاييس كثيرة يمكن القول بأن القطاع الخاص أصبح يحمل علي أكتافه عبء التنمية الاقتصادية, فمساهمته في الناتج المحلي تفوق70%, ونصيبه في الاستثمار يبلغ الثلثين من جملة الاستثمارات. ولكن إذا احتكمنا إلي السجايا التي تضمنتها أبيات الشعر التي تغنت بها أم كلثوم, ربما نري أن القطاع الخاص ورأسماليتنا مازال طريقها طويلا لكي تنجز تحولا حقيقيا نحو النمو الاقتصادي الأعلي, وتعميق التصنيع واستقدام تكنولوجيا جديدة, وإقامة شراكة تنافسية مع الأسواق الخارجية, فهل هي قادرة علي ذلك ؟ وهل يساعد علي تفعيل دور القطاع الخاص فك الاشتباك مع البيروقراطية التليدة, بإزالة كل معوقات الاستثمار, وربما وقبل كل شئ التوقف عن التشكيك في إمكانية قيام هذا القطاع بدوره بل والتغني بقدرته علي ذلك ربما بقصائد مدح جديدة حتي وإن لم تشد بها أم كلثوم. |
|
|
|
|
|
|
  |
|