2112‏السنة 126-العدد2009يونيو29‏6 من رجب 1430 هـالأثنين















رؤية
من يحقق النهضة ؟
‏بقلم: ‏د‏.‏ عثمان محمد عثمان
وزير التنمية الاقتصادية
بالمصادفة المحضة‏,‏ بعد منتصف الليل‏,‏ كنت أحرك مؤشر الراديو فتوقفت عند سماع الخالدة أم كلثوم تصدح بقصيدة شعر‏,‏ لم أكن قد سمعتها أو سمعت عنها من قبل‏.‏ وتبينت أنها أبيات تمدح أحد الأشخاص‏.‏ وحاولت معرفة من الذي تمدحه أم كلثوم في هذه الأغنية الرائعة‏.‏ ولأن الموسيقي‏,‏ وصوت أم كلثوم يعكسان روح الأربعينات أو الخمسينات‏,‏ تصورت أن القصيدة ربما تمدح سعد زغلول مثلا حينما أشارت في أحد أبياتها إلي الزعيم الأول‏.‏ وحينما وردت كلمة الثورة انصرف ذهني إلي زعيم يوليو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر‏.‏ انتهت الأغنية الجميلة ولم أعرف من المقصود بهذا المديح الرائع‏.‏ ولكن بعد أن نوهت المذيعة إلي القصيدة بعد انتهاء الأغنية كانت المفاجأة التي شغلت أفكاري حتي مشارف الفجر‏.‏ مفاجأة ثلاثية الأبعاد حول المكان والتاريخ والشخص‏,‏ ولكل منها دلالات ذات مغزي عميق‏.‏

جامعة القاهرة كانت هي مكان الاحتفال الذي شدت فيه كوكب الشرق بأغنيتها‏.‏ وقفز ذهني إلي الحدث الأقرب الذي شهدته هذه الجامعة المرموقة‏,‏ طبعا لم يكن ممكنا أن يفوت علي الإدارة الأمريكية أن تختار جامعة القاهرة مكانا لخطاب الرئيس أوباما إلي العالم الإسلامي‏.‏ وما بين المناسبتين وقبلهما ستبقي هذه الجامعة رمزا شامخا للعلم والثقافة والحضارة المصرية الحديثة‏.‏

الدلالات الأهم تتعلق بمناسبة الاحتفال وشخص المحتفي به‏.‏ تخيل أنك تستمع إلي هذا المقطع‏(‏ الكوبليه‏)‏ من القصيدة‏:‏

وله في كل بيت أنعم‏,‏
وله في كل جو أنجم‏,‏

وله في كل بحر علم‏,‏
وله في كل أرض هرم‏,‏

فكرموه واذكروه في كتاب الخالدين‏.‏

في عام‏1957‏ أقيم الاحتفال في جامعة القاهرة لتكريم طلعت حرب‏,‏ وهو من كتبت القصيدة في تسجيل مناقبه‏,‏ والتي يلخص المقطع المشار إليه بعضا منها‏.‏

لماذا طلعت حرب‏,‏ وما دلالة توقيت التكريم ؟
ليس مستغربا أن يكون الأدب والفن مرآة لأحوال البلد‏.‏ وفي عام‏1957‏ كانت مصر تشهد محاولة أخري لخوض غمار التصنيع والتنمية‏.‏ وكانت كل المؤشرات توحي بأن الدولة تعول علي الرأسمالية المصرية في القيام بهذه المهمة‏.‏ الحقيقة أن هذه المحاولة كانت تجديدا لعملية طويلة لتحويل مصر من بلد زراعي بدائي‏,‏ يلعب فيه محصول القطن حلقة الربط مع الاقتصاد العالمي‏(!!)‏ إلي اقتصاد حديث يتسع مداه للصناعة‏.‏

كانت البداية خلال الحرب العالمية الأولي حينما اضطرت البلاد إلي تطوير بعض الورش للحدادة والخراطة لتعويض النقص في المعدات بسبب توقف الاستيراد‏.‏ وربما لا يعرف الكثيرون أنه في عام‏1935‏ وضعت أول خطة خمسية تتضمن استراتيجية للتصنيع‏,‏ أقرب إلي ما عرف بعد ذلك بسياسة احلال الواردات‏.‏

كانت مصر في هذه الفترة مثالا للنموذج الذي صاغه الاقتصادي الشهير أرثرلويس المعروف باستخدام الفائض الزراعي لإحداث التراكم الاستثماري في القطاع الحضري والصناعة التحويلية أساسا‏.‏ ولعبت الرأسمالية المصرية البازغة دورا بالغ الأهمية‏,‏ وكان أبرز رموزها محمد طلعت حرب‏.‏ لم تنجح المحاولة في إتمام عملية الانتقال إلي اقتصاد صناعي متطور‏.‏

شهدت الشهور الأولي في أعقاب ثورة يوليو صدور قانون هام لتشجيع الاستثمار الخاص المصري والأجنبي‏.‏ وفي منتصف الخمسينات تم إعداد البرنامج الخمسي للتصنيع‏,‏ وأنشئ مجلس الإنتاج‏,‏ إلي جانب مجلس الخدمات‏.‏ ومع نهاية الخمسينات وضعت أول خطة عشرية للتنمية تنقسم إلي خطتين خمسيتين تغطي الأولي الفترة‏1960-1965‏ انبنت كل هذه الرؤي والخطط علي قدرة وإمكانية الرأسماليين المصريين علي إنجاز أهداف التنمية‏.‏ في غمار هذه الأجواء كان الاحتفاء بطلعت حرب تعبيرا عن هذه الثقة والتحفيز لهذه الفئة الاجتماعية الوليدة لقيادة جهود التقدم الاقتصادي‏.‏

لم تنته السنة الأولي من الخطة الخمسية‏(60-1961)‏ إلا وكان النظام قد انقض علي الرأسمالية المصرية‏,‏ التي تم وصفها حينئذ بالمستغلة‏.‏ وجري تأميم واسع النطاق للبنوك والشركات الخاصة‏.‏ وعلي الرغم من استمرار الاشارة إلي رأسمالية ـ وصفت بأنها وطنية ـ كانت البيروقراطية‏(‏ وهي فئة خارج التكوينات الاجتماعية النمطية‏)‏ قد استولت علي مقاليد الاقتصاد والإدارة الاقتصادية‏,‏ ولم تستطع صبرا علي التطور الاجتماعي الطبيعي‏.‏ استنادا إلي معايير كثيرة ـ ليس هنا مجال سردها ـ لا يمكن الاقتناع بأن الاقتصاد المدار وهيمنة بيروقراطية الدولة قد أنجزت ما عجز عن تحقيقه الرأسماليون‏.‏

منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي جرت محاولة متجددة لإفساح المجال أمام القطاع الخاص‏-‏ وهو الإسم العصري للرأسمالية المصرية انقضي حوالي ثلث قرن منذ أن أعلنت سياسة الانفتاح‏-‏ وهو اسم الدلع لعملية التحول إلي اقتصاد السوق‏.‏ ولكن العقد الأخير من القرن الماضي شهد محاولة أكثر جدية للإصلاح الاقتصادي‏,‏ تستهدف استكمال وبلورة آليات فاعلة لاقتصاد السوق‏,‏ يقوده القطاع الخاص‏.‏

بمقاييس كثيرة يمكن القول بأن القطاع الخاص أصبح يحمل علي أكتافه عبء التنمية الاقتصادية‏,‏ فمساهمته في الناتج المحلي تفوق‏70%,‏ ونصيبه في الاستثمار يبلغ الثلثين من جملة الاستثمارات‏.‏ ولكن إذا احتكمنا إلي السجايا التي تضمنتها أبيات الشعر التي تغنت بها أم كلثوم‏,‏ ربما نري أن القطاع الخاص ورأسماليتنا مازال طريقها طويلا لكي تنجز تحولا حقيقيا نحو النمو الاقتصادي الأعلي‏,‏ وتعميق التصنيع واستقدام تكنولوجيا جديدة‏,‏ وإقامة شراكة تنافسية مع الأسواق الخارجية‏,‏ فهل هي قادرة علي ذلك ؟ وهل يساعد علي تفعيل دور القطاع الخاص فك الاشتباك مع البيروقراطية التليدة‏,‏ بإزالة كل معوقات الاستثمار‏,‏ وربما وقبل كل شئ التوقف عن التشكيك في إمكانية قيام هذا القطاع بدوره بل والتغني بقدرته علي ذلك ربما بقصائد مدح جديدة حتي وإن لم تشد بها أم كلثوم‏.‏