رئيس مجلس الإدارة هشام لطفي سلَّام

رئيس التحرير التنفيذي خليفة أدهم

26 مايو 2017

مقالات

الاصلاح المؤلم‮ .. ‬والوعود الخطرة

20-3-2017 | 10:27 954

بقلم : عماد غنيم
خيبة الامل الشعبية جراء عودة الدولار للارتفاع في‮ ‬الاسواق مؤخرا ليس لها مبرر من الناحية الاقتصادية‮ ‬،‮ ‬فكل من له صلة‮ ‬يعلم ان تقلب الاحوال في‮ ‬اسواق الصرف‮ ‬يعد امرا منطقيا مع بداية خطوات الاصلاح النقدي‮ ‬الذي‮ ‬نمر به‮ ‬،‮ ‬وكل من لديه صلة‮ ‬يعلم كذلك انه لم تظهر عوامل اقتصادية ذات بال تدعونا لتوقع تحسن درامي‮ ‬في‮ ‬قيمة الجنيه خلال الشهور المنقضية على التعويم‮ .. ‬او خلال الفترة الوجيزة المقبلة‮.‬
‮ المشكلة تكمن في‮ ‬خطاب اعلامي‮ ‬مشوش‮ ‬يستعجل حصد نتائج الاصلاح المالي‮ ‬والنقدي،‮ ‬ويبرز بصورة مبالغ‮ ‬فيها وربما‮ ‬غير مسئولة اية بادرة ايجابية تتحقق في‮ ‬الاسواق واعتبارها علامة على ان وقت حصد ثمار الاصلاح قد آن،‮ ‬اوانه بات وشيكا،‮ ‬هذا التناول الاعلامي‮ ‬بالتأكيد وراءه نوايا حسنة،‮ ‬فالقائمون على الصحف والفضائيات لابد وانهم‮ ‬يلاحظون حالة الارهاق المادي‮ ‬التي‮ ‬يمر بها الناس جراء برنامج الاصلاح الصعب‮ ‬، ‬وقد اعتبر بعض الاعلاميين انهم‮ ‬يساندون جهود الاصلاح عبر تضخيم الايجابيات التي‮ ‬تطرأ على السوق من قبيل الاحتفاء المبالغ‮ ‬فيه الذي‮ ‬شهدناه عندما تحرك الدولار الى اسفل خلال الشهر الماضي‮ ‬محققا زيادة في‮ ‬قيمة الجنيه بلغت نحو‮ ‬15‮ ‬٪‮. ‬الاحتفاء الاعلامي‮ ‬المبالغ‮ ‬فيه لم‮ ‬يقتصر على اخبار الدولار،‮ ‬وانما تعدى ذلك للتهليل لأية تصريحات تصدر من هنا اوهناك بشأن قرب تعافي‮ ‬الاقتصاد الوطني‮ ‬كما حدث مع مقال‮ «‬الايكونوميست‮» ‬الاسبوع الماضي،‮ ‬وكما حدث قبلها مع تقرير‮ «‬فيتش‮ « ‬عن اداء الاقتصاد المصري‮ ‬رغم انه ابقى تصنيفه عند مستواه السابق،‮ ‬الامر ايضا‮ ‬يدعو الى الدهشة المقرونة بالريبة عند مطالعة تغطية لقاءات الاعمال مع اطراف اجنبية مثل تركيا واليونان وبولندا وغيرها حيث‮ ‬يبدأ كل خبر عن هذه اللقاءات بعد الاشادة بجهود الاصلاح بتوقع زيادة استثمارات رجال الاعمال والشركات من هذه الدول في‮ ‬مصر رغم ان بعض هذه الدول كما‮ ‬يعرف الجميع تعاني‮ ‬من تدهور اقتصادي‮ ‬حاد‮  ‬كاليونان مثلا‮ ‬،او هي‮ ‬تعاني‮ ‬صعوبات اقتصادية جدية مثل تركيا وبولندا‮.‬
الامر نفسه‮ ‬يصدق على تغطية فعاليات المشروعات القومية الضخمة التي‮ ‬تنفذها الدولة حاليا‮ ‬،ومع عميق التقدير لاهمية هذه المشروعات وقدرتها على تسيير الاقتصاد في‮ ‬هذه الفترة الحرجة الا ان‮ "‬التبشير" ‬المبكر بقرب حصد ثمار هذه المشروعات‮ ‬يمكن ان‮ ‬يؤدي‮ ‬الى نتائج عكسية حيث‮ ‬يقارن المواطن بين معاناته اليومية مع التضخم والاسعار،‮  ‬وكل هذا الفيض من الانباء الطيبة عن اكتشافات الغاز والذهب ومشروعات الزراعة والاسكان وانشاء المدن،‮ ‬فيجد فجوة‮ ‬يصعب ردمها‮ .‬
هذا التهليل وهذه المبالغة ربما لم تكن ستتواصل لو لم تكن محل رضا بعض الاطراف في‮ ‬الدولة التي‮ ‬تعتبر ان الطنطنة والاطناب الاعلاميين ربما‮ ‬يساعدان في‮ ‬تحمل الناس لمشاق الاصلاح‮ ‬،‮ ‬وهذا خطأ كبير‮ ‬يدعونا فورا لاعادة النظر في‮ ‬قرار الغاء وزارة الاعلام والمطالبة بعودة وزير سياسي‮ ‬مؤهل لصياغة مفاهيم اعلامية توضح وتخدم السياسة العامة للدولة‮ ‬،‮ ‬ومن بينها سياسات الاصلاح الاقتصادي‮ ‬وبرامجه‮.‬
اعترف انني‮ ‬كنت من بين المنادين بضرورة الغاء وزارة الاعلام ومن بين المحتفين بالغائها للاسباب المعروفة‮ ‬،‮ ‬غير ان الممارسات الاعلامية التي‮ ‬اعقبت هذا الالغاء وهذا الانطفاء الذي‮ ‬طرأ على الراديو والتلفزيون الحكومي‮ ‬،وكل هذه الفوضى التي‮ ‬اجتاحت البرامج التلفزيونية وبعض الصحف تدعونا للتفكير من جديد في‮ ‬ضرورة وجود جهاز فوقي‮ ‬يتولى ادارة سوق الاعلام ويمتلك توجيه البطاقات الصفراء والحمراء للمخالفين‮ ‬،‮ ‬والاهم ترشيد برامج الدعاية للسياسات الحكومية والتي‮ ‬من بينها وضع سياسات اعلامية رشيدة ليس فقط للصحف والفضائيات المملوكة للدولة ولكن ايضا للمتحدثين الرسميين باسم اجهزة الدولة ووزاراتها‮.‬
لو كان هناك وزير للاعلام لما سمح بهذه السياسات التي‮ ‬تؤدي‮ ‬الى تفجير توقعات الناس جراء برنامج الاصلاح قبل الاوان‮ ‬،‮ ‬وربما بدلا من ذلك كان سيرشد القائمين على شئون الاعلام الى ضرورة ابراز اهمية اتخاذ حزمة الاجراءات الاصلاحية الصعبة في‮ ‬هذه الفترة وكيف انها تأخرت كثيرا‮ ‬،‮ ‬وربما اوعز لهم ان‮ ‬يقولوا للناس ان الاصلاح‮ ‬يتعين ان‮ ‬يأخذ وقته‮ ‬،وعلى العكس مما هو حادث الآن فإن الجميع‮ ‬يجب ان‮ ‬يكون اكثر حذرا وهم‮ ‬يتحدثون عن بدء حصد نتائج الاصلاح التي‮ ‬هي‮ ‬قادمة بلا ريب بشرط ان‮ ‬يأخذ الاصلاح وقته‮ .. ‬وان‮ ‬يتحمل الناس‮. ‬
معظم دول العالم تعيش الآن برامج تقشف لاسباب متفاوتة وشعوبها تعاني‮ ‬من انخفاض الدخل وتراجع مميزات الحماية الاجتماعية‮ ‬،‮ ‬ورغم ان الازمة المالية العالمية التي‮ ‬اندلعت في‮ ‬2008‮ ‬هي‮ ‬السبب الرئيسي‮ ‬وراء كل هذه المعاناة الا ان الاعلام الغربي‮ ‬لايعد متابعيه بأن الخلاص بات وشيكا لأن هذه وعود خطرة على الجميع‮.‬