رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

18 اغسطس 2017

مقالات

العولمة.. على المحك

23-4-2017 | 14:04 1181

بقلم : عماد غنيم
لو كنت من متابعى كرة القدم الأوروبية فلا بد أن يلفت انتباهك كثرة عدد اللاعبين من ذوى البشرة السمراء الذين يشاركون فى المنتخبات الاوروبية، وهم حاملو الجنسيات الاوروبية من الاصول الافريقية واللاتينية. اما الاندية نفسها فإن عدد غير الاوروبيين يزداد بقوة وبينهم كثيرون لا يزالون يحملون جنسيات بلادهم الاصلية.
صناعة كرة القدم الغربية وحدها تبين بوضوح صعوبة الاستغناء عن الاجانب فى هذا المضمار، اما بقية الانشطة الصناعية والخدمية فإن الوجود الاجنبى فيها حقيقة جلية حيث تنتشر العمالة الوافدة فى كل المجالات بدءا من الصناعة والبلديات والمرافق وصولا الى البنوك واسواق المال والخدمات المالية الاخرى، فى ألمانيا وحدها يشكل الاجانب ربع القوة العاملة البالغة 44 مليون موظف دعك من ملايين العمال الالمان المتجنسين من خارج القارة العجوز.
هذه الحقائق وغيرها تمثل عائقا جوهريا امام جهود اليمين المتطرف الرامية الى اضفاء الانعزالية على دول القارة وبرامجه الاقتصادية ذات النزعة الحمائية والمناهضة للعولمة، وهؤلاء الاوروبيون المتجنسون بدورهم يمثلون عائقا لا يستهان به امام وصول احزاب اليمين الفاشى الى السلطة كما حدث فى هولندا قبل شهرين، اربعة من كل عشرة هولنديين ينحدرون من اصول غير اوروبية.
ومع ذلك فإن المشاعر المناهضة للعولمة تزداد تأججا فى الغرب بصفة عامة ربما كانت موجات الهجرة غير المنضبطة عبر المتوسط قد منحت اليمين الفاشى السلاح «السياسى» للهجوم على العولمة والانسحاب من جهود الوحدة الاوروبية كما فعلت بريطانيا نهاية العام الماضى، غير ان هناك ايضا أسبابا جوهرية وأكثر أهمية تدفع الرجل الاوروبى لكراهية العولمة والاندماج الاقتصادى، وهذا موضوع يطول شرحه وان كان يمكن تلخيصه فى امرين اساسيين هما سرقة الوظائف على حد تعبير الرئيس ترامب ومارين لوبان المرشحة اليمينية فى الانتخابات الفرنسية.
أما السبب الآخر الذى لا يقل اهمية فهو ازدياد الفجوة فى الدخول بين مواطنى اوروبا على نحو لم يحدث من قبل، فى مثال كرة القدم فإن متوسط الاجر الاسبوعى للاعب كرة القدم فى الدورى الانجليزى خلال التسعينيات كان يعادل عشرين ضعفا متوسط الاجر للموظفين فى القطاعات الاخرى اما اليوم فإن هذا الرقم قفز ليصبح اربعمائة ضعف الاجور فى بقية الانشطة! كما اتسعت الفوارق فى الدخول بقوة فى وظائف البنوك وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وشركات الاقتصاد الجديد على نحو أثار البغض لدى عشرات الملايين من العاملين فى الانشطة التقليدية كالزراعة والصناعة وغيرها.
احزاب اليمين حملت التسهيلات المرافقة لمفهوم العولمة المسئولية عن كل هذا الذى تراه تدهورا فى معيشة الاوروبيين، وكان هذا التفاوت ايضا بين اهم اسباب فوز ترامب بالانتخابات الامريكية الذى يتبنى صراحة سياسة انعزالية فى الاقتصاد تعتمد على وقف الهجرة واعادة الشركات الامريكية التى تصنع انتاجها فى الخارج للعمل بالداخل الامريكى اضافة الى امور اخرى كثيرة من بينها «إجبار» الاستثمار الاجنبى على العمل فى تحديث البنية الاساسية ومشروعات الطاقة الجديدة بالولايات المتحدة.
العولمة الاقتصادية ظاهرة حديثة لم يتعد عمرها ثلاثة عقود وهى نظرية ظهرت فى شيكاغو، وتبنتها واشنطن ولندن اولا وقد جنى الغرب الكثير من الفوائد جراء تطبيق قواعدها، غير ان بعض الاثار الجانبية جاءت اكثر مرارة مما قدر المروجون للعولمة ولا سيما فى الغرب وقد وضعت هذه الآثار الأحزاب الحاكمة فى مأزق صعب يحاول ان يجمع بين الابقاء على العولمة والاندماج للحفاظ على النمو وبين ارضاء عشرات الملايين من المتضررين من آثار العولمة. وهذا بالضبط التحدى الذى يواجه الانتخابات الفرنسية التى تعقد اليوم وسط ترقب من جميع انحاء العالم، فالتصويت الفرنسى سوف يحدد الى حد بعيد مستقبل ليس فقط الاتحاد الاوروبى بل وما إذا كان ممكنا استمرار العولمة على ما هى عليه ام التخلى عنها تدريجيا الى ان تختفى، ولكن المشكلة ان اختفاء العولمة دون وجود اتفاقات بديلة تناسب التطور الهائل الذى طرأ على أدوات ووسائل الانتاج والاتصال سوف يؤدى الى فراغ اقتصادى خطير يفتح المجال على احتمالات اكثر خطورة.
عشية الانتخابات الفرنسية أصدر 25 خبيرا اقتصاديا من حائزى جائزة نوبل بيانا خطيرا حذروا فيه من مخاطر التوجهات الاقتصادية لليمين الفاشى وأثر البرامج الحمائية على اقتصادات الشعوب والاقتصاد العالمى.. صندوق النقد الدولى أصدر تحذيرا مماثلا.. رد الفعل سيأتى من صناديق الانتخابات اليوم فى فرنسا، وفى 8 يونية فى بريطانيا، وفى سبتمبر المقبل فى ألمانيا.