رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

24 سبتمبر 2017

مقالات

فى انتظار اللائحة

15-5-2017 | 19:07 1511

بقلم : عماد غنيم
البطالة هى الجحيم الذى تكتوى بناره النظم والأحزاب السياسية حول العالم، وهى التحدى الذى يواجه السياسيين فى كل مكان لا ينافسها فى ذلك سوى تخلف دخول الناس عن مقابلة احتياجاتهم الاستهلاكية المتنامية بفعل ثورات التكنولوجيا والإنتاج. هذان التحديان وراء كل ما نشهده الآن من انقلابات السياسة فى أوروبا بدءا من تراجع الأحزاب التقليدية، وصعود اليسار واليمين الفاشى فى أوروبا والخروج الخطر لبريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وصولا إلى الأزمات السياسية والاجتماعية فى الهند وباكستان وإيران وتركيا، فالبطالة وقلة الدخول تفتكان بأعصاب الناخبين فى الدول المتقدمة.. فما بالك بالدول النامية وتلك التى تتعثر فى خطواتها نحو التنمية السريعة والمستدامة!
مصر بالطبع ليست استثناء من حمى البطالة والفقر، وإن كانت، لحسن الحظ، أفضل كثيرا من حيث فرص الخروج من الأزمة والوصول إلى نتائج سريعة فيما يتعلق بالنمو لا لشىء سوى لأنها مازالت سوقا شبه بكر من الناحية الاقتصادية، فهى أرض متخمة بالمناجم غير المستغلة وهى كذلك تملك ممرات جغرافية تجعلها نقطة جذب للشركات الباحثة عن ضغط تكاليف الإنتاج والنقل والشحن والتخزين، وقبل كل ذلك وبعده هى دولة تستورد غالبية ما تستهلكه من سلع غذائية وغير غذائية، ولأنها أيضا تملك قوة بشرية مؤهلة، ولو نصف تأهيل، لسد احتياجات وظائف الصناعة والخدمات فهى بلاشك منطقة جذب للمستثمرين الباحثين عن عائد مجز فى عالم تتراجع فيه عوائد الاستثمار فى الأسواق التقليدية نتيجة للتشبع وأسباب كثيرة أخرى.
البطالة فى بلادنا غير محددة وإن كانت الأرقام الرسمية تتحدث عن أعداد تفوق 13% من قوة العمل لو كان عدد السكان فى سن العمل يدور حول 25 مليون مواطن، ولأن عددهم بالطبع أكبر من ذلك فإن نسبة البطالة الفعلية هى الأخرى أزيد بكثير. 
وزير المالية يبشرنا بأن الاقتصاد سوف يحقق نسبة نمو تبلغ 4.6% بنهاية العام المالى ولكنه يقول إننا نحتاج إلى رفع معدل النمو إلى 6% فى العام التالى حتى يمكن توفير 750 ألف وظيفة لامتصاص قدر من البطالة وحتى تتراجع نسبة المتعطلين إلى ما بين 11 و12% . البنك الدولى يقول إن سوق العمل المصرية سوف تستقبل 800 ألف وافد جديد العام المقبل أى أن نسب النمو المأمولة لا تكفى لاستيعاب القادمين الجدد لسوق العمل، فضلا عن خلخلة أعداد البطالة القائمة، أما وزيرة الاستثمار فتأمل أن يصل معدل الاستثمار فى بلادنا إلى 18% من الناتج المحلى الإجمالى فى موازنة 20 / 21 وهو رقم طموح إلا أنه ، لسوء الحظ، لا يكفى لمجابهة تحديات البطالة التى تواجهنا.
التحديات ماثلة أمام الجميع والأرقام لا تكذب، ومع ذلك فإن المناقشات والمناكفات التى صاحبت إقرار قانون الاستثمار الذى صدر قبل أيام لا تبشر بخير كثير. القانون لاقى ردود أفعال متباينة من رجال القانون وخبراء الاقتصاد ما بين مؤيد  ومرحب بتحفظ ورافض، لكن مشروع القانون نفسه لقى اعتراضات من اتحادات الأعمال قبل إقراره ثم إنه كان محل جدل بين النواب والحكومة، والمدهش أن المشروع كان محل اشتباك بين وزراء الحكومة أنفسهم أثناء مناقشته فى البرلمان جوهرها تنازع الاختصاصات بين الوزراء، وكأن لسان الحال يقول إن القانون لم يدرس أو لم يدرس بما فيه الكفاية خلال عرضه على مجلس الوزراء.
والآن ونحن فى انتظار صدور اللائحة التنفيذية المفسرة والمفصلة لإجراءات الاستثمار، فالأمل أن تنجح فى سد الثغرات الواردة وتغطية الاستفهامات التى ظهرت خلال الأيام التالية للإعلان عن القانون الوليد، وأن تضع اللائحة فى اعتبارها أننا نعيش وسط دول تتنافس على جذب الاستثمارات وتتبارى فى منح المزايا والتسهيلات للمستثمرين.
الأمل أن تنجح اللائحة فى تبسيط إجراءات الموافقات والتراخيص والتغلب على تنازع الاختصاصات بين الوزارات ولاسيما فيما يتعلق بتخصيص الأراضى والأعمال الرقابية ومنح مزيد من الاهتمام لعامل الوقت بالتزامن مع إقصاء البيروقراطية الفاسدة فى العلاقة بين الدولة والمستثمرين، وللأسف فهذه هى نفس المطالب التى يتم تكرارها منذ إصدار أول قانون للاستثمار بعد انتهاج سياسات الانفتاح الاقتصادى قبل 43 عاما.
نحن نحتاج إلى قفزة تنموية لن تتحقق دون إحداث ثورة فى الإدارة والتشريع .. ثورة حقيقية بمعنى الكملة حتى نتمكن من جذب استثمارات تزيد على 50 مليار دولار كل عام، وهو رقم ضئيل لو قورن بحجم الاستثمارات الهائمة حولنا، وهو كذلك ضئيل وفقا لقدرة الأسواق المصرية على الاستيعاب.