رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

11 ديسمبر 2018

مقالات

ارتفاع الدين العام وأثره فى الاقتصاد المصرى

8-1-2018 | 14:56 3266

بقلم: محسن عادل‮
ارتفع الدين المحلى خلال الأعوام الماضية لعوامل وأسباب مختلفة، لهذا فإن ارتفاع تكلفة الاقتراض يعد إحدى مشكلات الاستثمار خلال الفترة الحالية، خاصة أنه يرتبط بزيادة فى الاقتراض الحكومى، ما أدى إلى نقص فى معدلات الأموال المتاحة للإقراض للقطاع الخاص.
ويمثل حجم الدين المحلى وأعباء خدمته تحديا كبيرا مقارنة بالدين الخارجى مقارنة بمتوسط منطقة الشرق الأوسط، ولا يمكن التحكم فى حجم الدين دون التعرض لعجز الموازنة المزمن الذى عانت منه مصر على مر أعوام، لهذا يمكننا محاولة تخفيض أعباء خدمة الدين عن طريق الإدارة الرشيدة لمحفظة الدين الحكومى.
هناك ضرورة للتوجه إلى اعتماد صكوك التمويل كأداة مالية فى الوقت الحالى سواء على المستوى الحكومى، ما سيجذب استثمارات عربية خليجية للدخول فى سوق الدين بما يرفع من الحصيلة الدولارية من جانب، ويخفف العبء عن البنوك المحلية من جانب آخر، ويرفع من مساحة البدائل التمويلية المتاحة، فهناك ضرورة للاستفادة من هذه الأداة فى إطار خطة الدولة نحو تطوير الأدوات المالية وتنويعها لزيادة قدرة الشركات والحكومة وغيرها من الجهات الاعتبارية المختلفة فى الحصول على التمويل، لما فى ذلك من أثر إيجابى على زيادة حجم الاستثمار والتشغيل فى الاقتصادى القومى، وعلى تمكين تلك الجهات من تنويع مصادر تمويلها، ولتلبية احتياجات شريحة كبيرة من الأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والشركات الراغبة فى تمويل أنشطتها ومشروعاتها أو التوسع فيها عن طريق الصكوك.
لقد مثلت أدوات الدين المحلى نسبة متصاعدة من ودائع وحدات الجهاز المصرفى، فى الوقت الذى تراجعت فيه معدلات توظيف القروض إلى الودائع على مستوى القطاع ككل، وهو الدور الرئيسى المعنى به البنوك كوسيط مالى لتوظيف ودائعها فى مشروعات تحقق قيمة مضافة لاقتصاد البلاد، ونرى أنه لابد من وضع حد أقصى للاستدانة الداخلية وحجم طروحات الأوراق المالية التى تنوى طرحها من إجمالى ودائع البنوك، وأن يكون لديها مؤشر يربط بين محفظة استثمارات البنوك فى أدوات الدين وإجمالى الودائع المتوافرة لدى وحدات الجهاز المصرفى، إذا كانت تهدف فعليا لإنعاش الأسواق ومحاربة الركود الاقتصادى، وفى حال تطبيق ذلك سيكون على وزارة المالية تقليص حجم الطروحات لفترة زمنية، حتى تهبط بالمؤشر للحدود الآمنة التى تسمح لها باستئناف الاقتراض، وهو ما سيدفع البنوك حتما لبذل المزيد من الجهد للبحث عن قنوات بديلة لتوظيف ما لديها من سيولة وتوجيهها لقنواتها الصحيحة، عبر ضخها بسوق القروض والتسهيلات الائتمانية للشركات وأصحاب المشروعات.
على الرغم من استمرار وزارة المالية فى زيادة السندات ذات الآجال المتوسطة فى مقابل أذون الخزانة ذات الآجال قصيرة الأجل وبناء منحنى عائد لإصدارات الحكومة، من خلال إصدارات منتظمة لآجال 1.5، 3، 5، 7، 10 سنوات وإعادة فتحها لخلق سيولة فى جانب المعروض من السندات، فإن نشاط السوق الثانوى لسندات الخزانة ما زال ضعيفا، وذلك حتى فى ظل زيادة المعروض من الإصدارات بالإضافة إلى تركز المستثمرين فى سندات الخزانة، لهذا نرى ضرورة الإسراع بخطوة تفعيل سوق السندات الثانوى بالبورصة المصرية، حيث إن السوق ما زال ضعيفا وغير عميق، وتستحوذ البنوك على كل تعاملاته، وذلك على عكس الأسواق الأخرى عالميا المتوافر بها أسواق ثانوية نشطة، ما يسمح بتوفير تمويلات متوسطة وطويلة الأجل للشركات.
يستدعى ذلك اتخاذ حزمة من الإجراءات المتكاملة لتعزيز قدرة السوق الثانوى لسندات الخزانة ومنها توسيع قاعدة المستثمرين، واستحداث آليات مثل بيع وإعادة شراء السندات، وتوحيد تسوية الأذون والسندات لتفعيل آليات تسليف الأوراق المالية الحكومية، والمحافظة على الإصدارات المنتظمة وخلق نقاط مرجعية فى كل من سوق الإصدار والتداول وكذلك توحيد نظام التسوية للأوراق المالية الحكومية لتعزيز سيولة السندات، حيث تسهم سيولة السوق الثانوى فى تخفيض تكلفة تلك الأوراق من خلال خفض عائد الإصدار، بالإضافة إلى إعادة النظر فى نظام طرح العطاءات (Uniform vs. Competitive auctions) ونظام التداول بالسوق الثانوى. 
يجب التأكيد على أن الدين العام لن يتوقف عن النمو مادام هناك عجز فى الموازنة، وأن هذا العجز سيتحقق ما لم تزد المتحصلات الضريبية على الإنفاق العام بأكبر من مدفوعات الفائدة على الدين القائم. وبصورة عامة كلما كان الدين العام كبيرا، زادت مدفوعات الفائدة، ومع بقاء الأشياء الأخرى على حالها يزيد عجز الموازنة. 
يجب الانتباه إلى أن إحدى أهم المشكلات فى عملية إعداد الموازنة أنها لا تتضمن وضع سقوف للإنفاق للقطاعات المختلفة التى تقدم موازناتها لوزارة المالية، وهو ما يتسبب فى عدم تحديد أوجه الإنفاق وأولوياته، ونشير إلى أن منشور الموازنة الذى يتم توزيعه على الجهات الموازنية لا يتضمن أى قواعد مالية لوضع حد أقصى للإنفاق، وعجز الموازنة، أو الاقتراض الحكومى، وهو ما ينتج عنه أن تعتمد عملية إعداد الموازنة على تفاوض الجهات الموازنية مع وزارة المالية لتحديد مخصصاتها والموازنات المقترحة من الجهات المختلفة، وبهذا المنطق يتبين لنا أن الدين العام يغذى نفسه بنفسه، وكلما زاد حجمه كان تخفيض حجم الإنفاق العام وزيادة المتحصلات الضريبية المطلوبة لضبط وإيقاف نمو هذا الدين أمرا صعبا ومؤلما، حتى يصل الأمر إلى نمو متسارع فى الدين العام بصورة لا يمكن معها ضبطه أو التحكم فيه، لهذا فقد ذهب الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومى بالموازنة خلال العام المالى الحالى إلى الفوائد على الدين الحكومى.
كاتب المقال: نائب رئيس البورصة المصرية