رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

22 يونيو 2018

مقالات

دلالات موازنة 2018/2019 لأولويات التوجه الاقتصادى-الاجتماعى فى مصر (1-2)

29-4-2018 | 14:52 282

أ. د. يمن الحماقى
بعد موافقة الحكومة المصرية على موازنة 2018/2019 تم تحويلها لمجلس النواب تمهيدا لمناقشتها، وبمراجعة بنود هذه الموازنة يتطلب الأمر تحليل أهم الدلالات المرتبطة بها لتحديد أولويات التوجه الاقتصادى-الاجتماعى فى مصر خلال المرحلة المقبلة. 
إن الموازنة العامة تعد أهم وثيقة اقتصادية اجتماعية سياسية تتطلب المشاركة المجتمعية الفاعلة فى مناقشتها وتبادل الآراء بشأنها لصالح المواطن المصرى. 
وتتمثل أهم الدلالات لموازنة 2018/2019 فيما يلى: 
أولا: تفاقم حجم الدين الداخلى الذى يبدو واضحا من رقم فوائد الدين التى تزايدت من 380 مليار جنيه فى موازنة 2017/2018 إلى 540 مليارا فى 2018/2019، ويشير ذلك إلى خطورة الدخول فى الحلقة المفرغة للمديونية التى تعنى الاقتراض لسداد الدين، فضلا عن الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، ما يؤثر سلبا على مسار الائتمان فى مصر ودوره فى إحداث التنمية الاقتصادية، ومن هنا فإن اتجاه أسعار الفائدة للانخفاض يحمل أهمية كبيرة فى تصحيح المسار، ولكن استدامة ذلك يمكن أن تكون رهنا باستقرار كل من سعر الصرف ومستوى الأسعار، وإذا ما نظرنا فى الموازنة نجدها تتجه إلى خفض الدعم على الكهرباء والوقود بنسب متفاوتة، ما يمكن أن ينعكس على مستويات الأسعار ومن ثم يهدد استقرار سعر الفائدة، ويوضح ذلك مجالات التعارض فى السياسات الاقتصادية المطلوبة لتحقيق أهداف محددة، ما يتطلب أهمية تحديد السيناريوهات والبدائل لمواجهة ذلك. 
كذلك فإن اتجاه الموازنة لخفض الدعم على الوقود والكهرباء يمكن أن تكون له أبعاد اقتصادية اجتماعية مهمة. فمن أهم الأبعاد الاقتصادية التأثير السلبى على تنافسية الإنتاج وخاصة الإنتاج الصناعى الذى تأمل مصر فى أن يكون محركا للنمو فى المرحلة المقبلة، وإن مصر لديها مزايا نسبية مهمة فى الكثير من الصناعات تؤهلها ليس فقط لإحداث طفرة فى الصادرات الصناعية وعلى رأسها الملابس الجاهزة والصناعات الغذائية والحرفية والأثاث والجلود، ولكن لدعم تنافسية صناعات الإلكترونيات والصناعات الهندسية، ويتطلب الأمر دراسة أثر رفع أسعار الطاقة فى تنافسية الإنتاج، حيث يمكن أن تكون خسائر التنافسية أكبر من مكاسب توفير الدعم. 
وبالنسبة للبعد الاجتماعى فإن زيادة تنافسية الصناعات كثيفة العمالة وعلى رأسها الملابس الجاهزة يمكن أن تكون مدعمة بشكل مؤثر لجهود الدولة فى مكافحة الفقر وزيادة الطاقات الإنتاجية ومكافحة البطالة. 
ومن هنا يظهر أن تفاقم الدين الداخلى يعد من التحديات الكبيرة فى الموازنة الحالية التى تتطلب خطة واضحة لمواجهتها.
ثانيا: قضية الدعم فى مصر: حيث لا تزال قضية الدعم تمثل عبر عقود كثيرة التحدى الأكبر للاقتصاد المصرى من حيث تأثيرها السلبى على توزيع الموارد وتشويه الأسعار فضلا عن العبء على الموازنة العامة وعدم وصول الدعم لمستحقيه، وقد وصلت المبالغ المخصصة للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية فى موازنة 2018/2019 إلى 332,291 مليار جنيه، ما يعنى أنه على الرغم من المحاولات المستمرة لخفض الدعم فإن الأرقام لا تزال فى تزايد متـأثرة هذا العام بآثار تحرير سعر الصرف وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وعلى الرغم من محاولات الحكومة حاليا التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى من خلال زيادة أعداد المستفيدات من برنامج تكافل وكرامة وميكنة قوائم المستحقين للدعم وتنقيح هذه القوائم بشكل مستمر، فإن الدعم ما زال يستنزف أرقاما كبيرة من الإنفاق العام دون أن ينعكس ذلك بالشكل المطلوب على الطبقات الفقيرة، ويزداد الأمر إيلاما مع توقع ارتفاع نسبة الفقر بعد تحرير الأسعار مما يقرب من 29% حسب آخر تقرير للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى 35%، والغريب أن الحكومة تشير فى البيان المالى إلى أن سياستها فى مجال الحماية الاجتماعية ترتكز على زيادة معدلات النمو والتشغيل والإنفاق على التنمية البشرية، ولكننا لا نرى أى استراتيجية واضحة للتدريب ورفع المهارات للكوادر البشرية وتوجيهها إلى مجالات العمل التى تتسق مع قدراتها بما يتفق مع آفاق المشروعات القومية الكبرى، بل لا نرى توجها فاعلا فى المجالات ذات الأولوية التى ثبت نجاحها فى معظم تجارب الدول ذات الأداء الاقتصادى المتقدم وعلى رأسها الصين للتمكين الاقتصادى للفقراء من خلال التدريب والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة، وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات الفردية، فإنها لا ترقى إلى التوجه العام من قبل الدولة، ما يضعف من آثارها وقدرتها على مواجهة قضية الدعم وتداعياتها السلبية على الموازنة والاقتصاد المصرى.