رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

مقالات

30 مليار جنيه .. لإنقاذ الإصلاح!

13-5-2018 | 15:55 328

الجانب الإيجابى فى إجراءات الإصلاح الاقتصادى الشاق الذى نمر به هو أن تفاصيله وأعباءه أضحت شيئا فشيئا أكثر وضوحا للناس، واليوم لم يعد السؤال حول ما إذا كانت الحكومة ستفرض زيادة على أسعار الوقود والكهرباء فى الموازنة الجديدة، ولكنه أصبح يتعلق بالحديث عن قيمة هذه الزيادة وموعد تطبيقها، وهذا يعد تقدما لافتا فى درجة الشفافية والصراحة التى تتعامل بها الحكومة مع الرأى العام. وربما كانت تلك الشفافية من بين أسباب تحمل الناس لآلام الإصلاح فى حياتهم المعيشية وصبرهم على متطلباته.. 
 
هذا الصبر الذى كان محل الإشادة والإعجاب من الرئيس وأعضاء الحكومة فى أكثر من موضع، كما نال كذلك استحسان المؤسسات الدولية بما فيها صندوق النقد الدولى الذى هو بحكم اختصاصه أكثر اطلاعا على متاعب الحكومات مع الشعوب فى كل مرة يطرح أجندته للإصلاح بما تحمله من برامج تقشف وتقليص للمزايا الاجتماعية وغيرها ما يثير حنق الناس، وفى أحوال أخرى تتخوف حكومات من آثار تكاليف الإصلاح على الحياة السياسية فتؤجله أو تتجاهله فتحدث لها مخاطر أكبر جراء تدهور الوضع الاقتصادى كما رأينا ونرى فى فنزويلا وبوليفيا وفى تونس والسودان ودول أخرى، حيث تعيش فنزويلا حاليا مرحلة انهيار الدولة عقب فشل الحكومة فى تدبير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها من الأدوية والأغذية نتيجة النقص الحاد فى العملات الأجنبية جراء التمسك بسلسلة من السياسات الاقتصادية الشعبوية التى فشلت فى النهاية فى تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها.
ومع ذلك فإن قدرة الناس على تحمل تكاليف الإصلاح ينبغى أن تخضع للدراسة والفهم، وهذا من صميم عمل السياسة والسياسيين، وكم أتمنى أن تصل علوم السياسة والاقتصاد إلى «مقياس» علمى يحدد مدى قدرة الناس على تحمل برامج التقشف الإصلاحية، لأن تجاوز هذه الحدود ربما يولد مخاطر أكبر لا يود عاقل أن يراها. ونحن نعلم أن الإدارة الاقتصادية أجرت مفاوضات مع خبراء صندوق النقد الشهر الماضى فى واشنطن تهدف إلى مد أجل برنامج إلغاء الدعم كلية وبصفة خاصة على الوقود والنقل وبنود أخرى، ولكننا لا نعرف إلامَ وصلت هذه المفاوضات.
لا أحد عاقلا يفكر بمسئولية يمكنه أن يضغط على الحكومة حاليا بغرض تجميد برنامج الخفض التدريجى للدعم الحكومى لأن هذا الأمر يعد نكوصا يمتد بأثره على مجمل خطة الإصلاح بتشعباتها وهذا خطر كبير، لكن الذى يمكن طرحه، إذا وضعنا فى الاعتبار مقياسا «افتراضيا» لقدرة الناس على التحمل، هو اتباع منهج أكثر تدرجا فى خفض الدعم وبالتالى رفع الأسعار.. مثلا فيما يتعلق بالوقود فقد وجدنا أرقاما فى الموازنة الجديدة تحمل قدرا من القلق حيث خفضت دعم الوقود إلى 89 مليار جنيه بانخفاض 30 مليار جنيه عن الرقم «الفعلى» فى الموازنة الحالية وهذه نسبة كبيرة تنذر بأن معدل الارتفاع فى تكلفة البنزين والمواد ستكون هى الأخرى كبيرة، وإذا وضعنا فى الحسبان الارتفاع المتوالى فى الأسعار العالمية للنفط التى وصلت الأسبوع الماضى إلى 75 دولارا للبرميل بينما يقدر مشروع الموازنة التى لم يبدأ العمل بها بعد سعر برميل النفط بنحو 67 دولارا، فإن منوال الزيادة فى أسعار الوقود سيكون عنيفا.. ما يدعونا للتنبيه، وضرورة التحوط.
ومع ذلك فالأمر لا يدعو إلى قلق كبير، ومعروف أن كل خطة أو برنامج اقتصادى يتوقع له أن يواجه بعقبات، ومن مسئولية المخططين والمشرفين على التنفيذ أن يضعوا سيناريوهات مسبقة للتعامل مع المشكلات الطارئة، أو تلك التى تطرأ لأسباب من خارج الحدود وأسعار النفط خير مثال. وإذا ما استمرت أسعار النفط عند مستواها الحالى، دعك من ارتفاعها مجددا، فإن الفوارق بين الأسعار المدعومة وسعر التكلفة ستزداد اتساعا حتى عن موازنة العام الحالى، وهذا أمر يتطلب تفكيرا وحلا. وقد يكون من بين الحلول السعى نحو اقتسام الأعباء الجديدة لتكلفة الوقود بين الموازنة العامة والمواطنين حتى لا يفاجأ المستهلكون بوصول أسعار الوقود إلى ما فوق قدرتهم على الاحتمال!، وهنا قد نحتاج إلى إعادة رقم دعم الوقود إلى ما كان عليه فى الموازنة الحالية، أى زيادته بقيمة تتراوح بين 20 و30 مليار جنيه وهذا رقم يمكن استيعابه فى موازنة يصل حجمها إلى 1.5 تريليون جنيه.. ومن الممكن بمزيد من الضغط الضريبى تحصيله كما يمكن اعتماد مصادر أخرى، وبغير ذلك نكون قد وضعنا برنامج الإصلاح كله أمام اختبار عسير.