رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

23 اكتوبر 2018

مقالات

إيــــران مغامرة جديدة.. أم انتحار؟!

27-5-2018 | 15:41 528

عماد غنيم
  
إذا كان قرار المواجهة مع طهران قد اتخذ فى واشنطن وعواصم أخرى فى الشرق الأوسط فإن الرهان على المصالح التجارية لإنقاذ الاتفاق النووى مع إيران يصبح مغامرة يائسة. وربما يكون «عصر» الاقتصاد الإيرانى ودفعه نحو الانهيار هو الخيار الأول للإدارة الأمريكية للتخلص من حكم الملالى فى طهران واستبداله بنظام حديث يستطيع التفاهم مع دول المنطقة والعالم، وإلا فإن كل الشواهد تشير إلى أن المواجهة سوف تتصاعد إلى آخر مدى، وهو أمر يضع المنطقة بأسرها وسط مخاطر فوق الاحتمال، كما ألمح بذلك الرئيس السيسى قبل أيام.
ومنذ إعلان الرئيس الأمريكى انسحاب بلاده من الاتفاق النووى والجهود الرسمية فى الاتحاد الأوروبى تتواصل لإقناع إيران بالالتزام بالاتفاق مع وعود غير محددة وإجراءات ضعيفة تستهدف إقناع طهران بصيانة مكاسبها الاقتصادية من الاتفاق وهى الجائزة الأساسية، وربما الوحيدة، التى دفعت إيران للتوقيع على الاتفاق فى نهاية 2015 بعد 10 سنوات كاملة من التفاوض المرهق مع الجميع.
ورغم تواضع حجم النتائج الاقتصادية التى تحققت للإيرانيين خلال الثلاثين شهرا التى انقضت على الاتفاق، فإن هذه النتائج الهزيلة باتت هى الأخرى فى مهب الريح بعد أن أعلنت 16 شركة أوروبية انسحابها من الأسواق الإيرانية بينها عملاق صناعة النفط «توتال» وشركة «ميرسك» الأولى فى الشحن حول العالم، والكل فى انتظار قرار اتحاد «إيرباص» الذى وقع عقدا مع الحكومة الإيرانية لبيع 120 طائرة مختلفة الأحجام، ولم يتم فعليا إلا تسليم طائرة واحدة!.
الشركات الأوروبية كانت أسرع من حكوماتها فى التملص من الاتفاقات مع إيران برغم الخسائر التى تكبدتها والأرباح التى كانت تأمل فيها، ونظرة واحدة إلى حجم تجارة أوروبا مع أمريكا وإيران تجيب عن السؤال المركزى بشأن مع من ستصطف أوروبا وشركاتها؟، فتجارة أوروبا مع طهران العام الماضى بلغت 20 مليار دولار فيما تبلغ حجم تجارتها عبر الأطلنطى نحو800 مليار دولار وهنا الخيار يصبح واضحا لا لبس فيه. وبعد التصعيد الأخير الذى أظهره وزير الخارجية الأمريكى يوم الاثنين الماضى وتوعد فيه الإيرانيين بتطبيق أقصى عقوبات تتعرض لها دولة فى التاريخ فإن دولا أخرى ستنضم إلى مقاطعة إيران بما فيها الصين أكبر شريك تجارى لإيران بحجم تجارة يصل إلى 33 مليار دولار، كما أن الهند وروسيا يمكن فى النهاية أن تحذوا حذو الجميع خوفا من العقوبات الأمريكية الاقتصادية وغير الاقتصادية. وخلال الأسبوع الماضى توصلت كل من بكين وواشنطن إلى اتفاق تاريخى لخفض العجز التجارى بينهما عبر تعهد الصين بزيادة وارداتها من الأسواق الصين الأمريكية بصورة ملموسة، وبالمقابل رفع الرئيس الأمريكى الحظر الذى كان مفروضا على شركة ZTE الصينية العملاقة وهى رابع شركة فى العالم فى مجال تصنيع معدات الاتصال التى كان قد فرض عليها الحظر بسبب علاقتها التجارية مع كوريا الشمالية وإيران.. وفى هذه الأجواء من غير المرجح بشدة أن تغامر الشركات الصينية باستمرار تعاونها مع إيران خوفا من العقوبات الأمريكية، بل إن واردات الصين من النفط الإيرانى بدأت فى التقلص اعتبارا من الشهر الماضى فيما وصفته صحف إيرانية «بالخيانة « ؟!.
إيران لم تكن بحاجة إلى ضغط كبير من أوروبا للإبقاء على الاتفاق النووى بعد انسحاب الولايات المتحدة، فهى من ناحية لن تزيد الأمور سوءا بتوحيد العالم كله ضدها إذا ما انسحبت هى الأخرى من الاتفاق، كما أن الأحوال الاقتصادية الداخلية تزداد سوءا يوما بعد يوم، فأسواق الصرف المحكومة بنظام شبه عسكرى فشل حتى الآن فى تصليب العملة الإيرانية المتداعية بسبب تجميد غالبية أصولها بالدولار المودعة فى الأسواق الأمريكية وانزلقت العملة الإيرانية إلى 6 آلاف تومان للدولار، كما أن الاحتجاجات الشعبية والفئوية تزداد بوتيرة متسارعة رغم أن إيران حققت معدل نمو بنسبة 7% سنويا خلال العامين الماضيين، غير أن أحلام النمو والرفاهية تصطدم الآن بعودة العقوبات الأمريكية «الصارمة» والانسحاب المتتالى للشركات الأجنبية من أسواق إيران فضلا عن هروب الأموال نتيجة مجمل الأجواء التى تعيشها طهران بعد الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى.
اقتصاديا لا يمكن الرهان على الصمود الإيرانى فى ظل العقوبات الأمريكية، ورغم أن الاقتصاد الإيرانى تعرض للحظر الدولى لمدة 30 عاما فإن الظروف الدولية اختلفت كلية، كما أنه لم يكن هناك ترامب، وبالتالى فإن من الصعوبة استمرار الصمود لفترة طويلة أخرى. ومع ذلك فإن هناك احتمالا ولو ضئيلا للتوصل إلى تسوية «اللحظات الأخيرة» حيث اعتادت طهران الوصول بالأزمات إلى حافة الهاوية قبل أن تظهر انفراجة اللحظة الأخيرة، فهل يملك الملالى فى جعبتهم ورقة للتسوية تجنبهم وتجنب المنطقة مخاطر الحرب ؟.. لننتظر.