رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

مقالات

من أجل فرص أفضل للعمل.. ماذا جرى للغة الضاد؟

27-5-2018 | 15:42 446

السفير جمال الدين البيومى
تعلم جيلى اللغة العربية فى المدرسة الابتدائية الحكومية على يد مدرسين من مستوى شاعر رابعة العدوية، طاهر أبو فاشا، وأقرانه الذين كانت لغالبيتهم دواوين شعر. وكنا فى المستوى الثانوى نشكل جمعيات للخطابة باللغة العربية. نناقش فيها بجدية تامة -فى مدرجات تكتظ بالضيوف- موضوعات مثل تحديد النسل، أو حقوق المرأة ومشاركتها فى الحياة السياسية. بينما درس لنا فى الفصول الأولى للغة الإنجليزية مدرسون إنجليز، ومثلها الفرنسية التى درسها لنا مدرسون فرنسيون. واستمر الحال فى الجامعة.
وتطور الزمن ووجدنا أن على البيت والأسرة واجب ملاحظة وملاحقة مستوى اكتساب الأبناء للغة بلدهم. وقفز الأمر لاحقا لنجد أن من الصعب الحديث مع الأحفاد باللغة العربية حديثا متصلا دون الاضطرار لاستخدام لغة أجنبية معاونة. 
وقد خرجت للحياة العملية عندما أعلنت وزارة الخارجية عن مسابقة للالتحاق للعمل بالسلك الدبلوماسى. وهى من أفضل محافل التنافس بين الشباب للعمل ولتمثيل مصر. وكنت قد أنهيت الدراسة فى قسم الاقتصاد والعلوم السياسية بكلية التجارة بجامعة الإسكندرية. وكانت كافية لأكثر مما تتطلبه مسابقة السلك الدبلوماسى. ولهذا فقد تخرجت فى يونيو وجاءت المسابقة فى أغسطس من السنة نفسها واجتزتها فى أول محاولة. وأخذت مكانى فى قصر التحرير فى مايو من السنة التالية.  
فى السنوات الأخيرة بدأت المنافسة تشتد للالتحاق بالسلك الدبلوماسى. وتزداد أعداد المتقدمين لتفوق ألف متسابق فى كل مرة. يتنافسون للحاق بنحو ثلاثين درجة متاحة. وقد أتيحت لى الفرصة لأن ألتقى أعدادا من هؤلاء الشباب سواء بصورة شخصية فى لقاءات علمية لإعدادهم للمسابقة فى الجامعات المصرية، أو على الورق وقت مشاركتى فى تقييم إجابات المتقدمين.
وكثيرا ما عاتبت -بينى وبين نفسى- من كتبوا بعض أوراق المسابقة، وربما من لقنوهم معلوماتهم أيضا. فاللافت للنظر هو ما صارت تسهم به مؤسسات التعليم والإعلام، من ترسيخ معلومات ليست دقيقة، وربما غير صحيحة. من قبيل مقولة إن منظمة التجارة العالمية (الجات) تلغى الرسوم الجمركية. أو إن لدى صندوق النقد سياسات يفرضها على الدول. وكنت أغض النظر عن تلك الأخطاء. فقد دأبت تلك الجهات، وبعض الكتب الجامعية، بل بعض كبار المسئولين على ترديد تلك الأخطاء. 
كيف يفكر الشاب؟
الظاهرة الطيبة فى شباب العصر هى اتساع معلومات الكثيرين منهم. ودرايتهم بالتطورات السياسية والاقتصادية وباهتمامات ومصالح مصر والدول العربية. ويقدر أغلب الشباب فرص وتحديات المستقبل. ونسبة معتبرة منهم تقبل التحدى وترى أننا قادرون عليه، ونستحق مكاسبه إذا أجـدنا الإعداد لمواجهته. كما أن نسبة أخرى لديها مخاوف مشروعة مما قد تأتى به المتغيرات العلمية والإقليمية. 
وأغلب أطياف الشباب يخشون على الوطن مما قد تأتى به العولمة. وينادون بتقوية النظام العربى. ويستعرضون خيار الإقليمية والتحالف العربى. والبعض يرفض كل ذلك ويحلل الأمر تحليلا منكفئا على الداخل ويشكك فى جدوى التعامل مع العالم الخارجى. والبعض يمضى ليقدم رؤية بحثية حول مستقبل السلام فى الشرق الأوسط. 
ما الذى جرى للغتنا الجميلة؟
لفتت نظرى ظاهرة قد تبدو طريفة، لكنها فى الحقيقة جد خطيرة. فالذين يعبرون عن الخوف على الهوية العربية، تنازل أغلبهم طوعا عن أهم سلاح يثبت هويتهم، ألا وهو الثقافة واللغة العربية. وفى كثير من الأحيان لا يدرى المرء هل يضحك أم يبكى على ما يقرأه؟ فإذا كان الشباب يخشى العولمة والمتغيرات العالمية الجديدة فكيف يواجههما إلا بأسلحة من بينها الهوية واللغة العربية؟ ثم كيف يصل الأمر بخريجى الجامعات إلى الخطأ فى التعبير بلغة سليمة؟ لا فض فوك عن قواعد النحو والصرف التى اختفت بشدة. 
وتبلغ الملهاة ذروتها فى الأخطاء الإملائية، فنتساءل ما الذى حدث للمستثنى بإلا؟ فقد أصبح هجاء (إلا) لدى معظم الشباب يكتب بـلامين هكذا (إللا). وأحصيت أكثر من 80% من عينة عشوائية كبيرة فى إحدى المسابقات فوجدت (إلا) وقد كتبت بلامين. أما كلمات مثل تمخضت فقد صارت (تمخدت)، والرقعة الزراعية صارت (الركعة الزراعية). وعلى قدم وساق صارت (على قدم الوثاق). ونادرا ما رأيت الهمزة فى مكانها الصحيح. لا فض فوك عن (ولاكن) أو (وذالك) و (مباشرتا). وتحتار الهمزة أين تقع فى كلمات مثل ملاءمة وملائمة وتلاؤم. وفى هذا تقع المسئولية حتى على بعض صحفنا عندما تترك الهمزة حائرة دون القواعد السليمة. ولعلنا نصغى جيدا للغة الحديث فى أرقى المجتمعات والدوائر حاليا. فسنجد لغة تتسرب إلينا من قبيل “الفرانكو آراب”. وصار حفظ المستند (بنسييف).. وتقييم الموقف أصبح (بن إيفاليوويت)..
وفى المقابلة الشخصية لامتحان للتعيين فى وظائف عليا تتطلب خبرة لنحو خمس عشرة سنة، كررت السؤال على المتقدمين، عن مستوى كل منهم فى اللغة العربية. وأكدوا جميعا إجادتهم لها. فسألت فى كل مرة إن كان المتقدم يذكر بيت شعر باللغة العربية. فلم أتلق بيت شعر واحدا. ولو حتى من أغنيات أم كلثوم، أو عبد الوهاب، ممن تغنوا بأجمل القصائد. 
ويكمن العيب -فى رأيى- فى أننا نسمح لمدارس اللغات أن تدرس كل المواد بما فيها التاريخ والجغرافيا باللغات الأجنبية. وتبقى اللغة العربية لتدرس فقط كلغة، ولا يساندها تدريس أى مواد اجتماعية أو ثقافية بالعربية. وهو الأمر الذى تسعى وزارة التعليم لعلاجه مؤخرا. 
ومن هنا نفهم الحكمة من مطالبتنا لوزارة الخارجية منذ سنوات، بإضافة اللغة العربية ومهارات الحاسب إلى مسابقة المتقدمين للوزارة. ولعلى أزيد الآن فأطالب بأن تكون العربية والحاسب من بين المواد محل الاعتبار فى كل مسابقات التوظف. مع إبقاء الاهتمام بالقدر المناسب للغات الأجنبية التى هى نافذتنا للتعامل مع العالم.