رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

مقالات

حق يراد به باطل التصدير على إطلاقاته.. نعمة أم نقمة؟!

3-6-2018 | 14:42 453

لاشك أن الاقتصادين المحلى والعالمى يقومان على القيمة المضافة التى يستطيع العقل البشرى بإمكانياته الصناعية والمادية أن يضيفها إلى الخامات والخدمات ليرفع من شأنها ويزيد من ربحيته كقيمة مستحقة عن جدارة تعود بالنفع عليه وعلى المجتمع الذى ينتمى إليه كل بحسب قدراته وإمكانياته.

ولقد ثار جدل صاخب  بين الصناعيين والاقتصاديين إبان الثورة الصناعية التى تلت الركود العظيم فى أمريكا والغرب فى الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية،كان محوره التساؤل حول ما هى السلع الحقيقية التى تقوم عليها الصناعة والتجارة استيرادا وتصديرا؟ وعما إذا كانت السلعة جوهرها الخامة أم الجودة أم الوفرة وعكس ذلك من ندرة أم هى فى نهاية المطاف خدمات؟

وانتهى الأمر بالآراء المختلفة والتوجهات النظرية والتطبيقية التى لا تخلو منها العلوم الحديثة إلى الاتفاق على رأى لا اختلاف بشأنه ألا وهو أن العنصر الرئيسى الحاكم للمنظومة إنما هو القيمة المضافة فى ناتج العمل الصناعى أو الخدمى. لذا لا خلاف على أنه لم يعد مقبولا فى عصرنا هذا أن نستمر فى تصدير خاماتنا بحالتها دون إكسابها أى قيمة مضافة تعود علينا بالنفع.

ولنا أن نسترشد بحالة خامات الفوسفات التى نقوم بتصديرها فى صورة حجارة سائبة تعبأ فى حاويات وقاطرات بحرية، مرتضين بذلك سعرا متدنيا يكاد بالكاد يكفى نفقات استخراج تلك الخامة من باطن الأرض، ولك أن تتخيل أن عملية غسيل تلك الأحجار وتخليصها من العوالق والشوائب وتجفيفها يرفع من قيمتها ما لا يقل عن 20%، أما إذا قمنا بطحنها وغربلتها فإن القيمة تتضاعف، أما إذا أضفنا إليها عمليات التركيز بتخليصها من الشوائب فإن قيمتها تتضاعف عشرين مرة، أما إذا رأينا تحويلها إلى حامض فسفورى وأسمدة آزوتية فإن القيمة تتضاعف مائة مرة وهو الأمر الذى يجعل منها سلعة مطلوبة عالميا تتهافت عليها طلبات الشراء من كل صوب وحدب ، والأمثلة الأخرى كثيرة فها هو القطن المصرى طويل التيلة يصدر بحالته دون ثمة قيمة مضافة قد ننشدها إذا حولنا القطن إلى غزول، حبذا إن كانت غزولا رفيعة أو رفيعة جدا وحبذا لو حولنا الغزول إلى أقمشة ومنسوجات.

أما صناعات الألومنيوم المصرية فهى إحدى الصروح التى أفرزتها ثورة التصنيع المصرية التى بدأت فى الستينيات وهى صناعة كثيفة الاستخدام للكهرباء إلا أننا نكتفى بتصدير الجزء الأكبر من الألومنيوم المصرى فى صورة كتل مسبوكة، وبهذا فإننا نصدر فى واقع الأمر طاقة كهربائية هى المكون الرئيسى لتلك الكتل. فها هى اليابان التى اكتفت باستيراد كتل الألومنيوم بدلا من تصنيعها فى بلادها وذلك توفيرا للطاقة الكهربائية اللازمة لتلك الصناعة.

فما أحوجنا فى مصر من الحد من تصدير تلك الكتل والتحول التدريجى إلى تصدير الألومنيوم فى صورة قطاعات طويلة فى صورها المختلفة لنعظم من القيمة المضافة ونستفيد من الطاقة الكهربائية الموظفة فى تلك الصناعة. نفس المثال ينسحب على تصدير الأرز، فمن المعلوم أن إنتاج الأرز يحتاج إلى كم كبير من المياه يقدر بـ5 آلاف لتر من المياه لكل كيلو أرز، ما نحا ببعض الدول التى تسعى إلى الحفاظ على مواردها المائية من الامتناع عن زراعة الأرز والاكتفاء باستيراده من الدول التى لا تحسب قيمة الماء المستخدم فى تلك المحاصيل.

وإذا تدبرنا فى واقع الحال فإننا نرى الإهدار الاقتصادى فى تصدير الخامات بحالتها يمتد إلى البترول حيث يصدر الجزء الأكبر منه فى صورة خام دون تكرير.

والأمر ليس بخاف على كل ذى فطنة أن معامل تكرير البترول ومعامل استخلاص المستخلصات البترولية تفوق فى عائدها بمراحل قيمة البترول الخام، فما بالنا لو دخلنا عالم المنتجات البتروكيماوية من صناعات البلاستيك والمطاط لنلحق بمصاف الدول التى تعرف قيمة خاماتها من قبل ومن بعد إدخال القيمة المضافة عليها باعتبارها مفتاح الرخاء للأفراد والمؤسسات والدول.

لذا فإن الحرص مطلوب فى سياستنا التصديرية، فليس كل ما هو صالح للتصدير له مردود إيجابى من الناحية الاقتصادية، كما أن الإفراط فى تصدير الخامات دون تصنيعها فيه إهدار للموارد والثروات القومية التى نحن فى أمس الحاجة للحفاظ عليها لصالح الأجيال القادمة التى ستكون بلا شك أكثر قدرة وفاعلية فى تعظيم القيمة المضافة فيما عجزت الأجيال الحالية عن تحقيقها.

تبقى كلمة أخيرة وهى أن بناء القدرة التنافسية القادرة على التصدير عبر المسافات والموانع الجمركية وغير الجمركية يحتاج إلى نظرة من الدولة، قوامها السيطرة على الكلفة الصناعية بجميع عناصرها بدءا من أسعار الطاقة بالمقارنة بالمعمول به أوروبيا وعالميا مرورا بأسعار الفائدة على الإقراض المصرفى، إذ لم يعد مقبولا أن يكون التمويل بالداخل يتعدى الـ 18% بينما هو فى الخارج 1.5% انتهاء بأسعار النقل والتأمين البحرى والجوى التى لا تتساوى قيمتها بين رحلتى الذهاب والإياب لأسباب غير مفهومة.