رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

23 اكتوبر 2018

مقالات

نحو خريطة طريق للعمل التطوعى (1-2)

3-6-2018 | 15:30 687

طالما كان موضوع دور العمل التطوعى فى مصر فى مواجهة التحديات الاقتصادية/ السياسية/ الاجتماعية من أهم الموضوعات المطروحة للنقاش، حيث إن هذا العمل (وفقا لتجارب العديد من الدول الناجحة) قد لعب دورا مهما فى تحقيق التنمية الاقتصادية فى هذه الدول. ورغم أن العمل الاجتماعى التطوعى فى مصر له جذور راسخة منذ زمن طويل فإنه للأسف الشديد لا تتم إدارته على الوجه الأكمل ليكون أكثر فاعلية وتأثيرا فى الواقع المصرى بكل تحدياته، وتظل القضية التى تثير اختلاف وجهات نظر المجتمع المصرى «هل ما نحتاج إليه فى مصر هو عمل تطوعى للرعاية أم للتنمية» ؟

وتشير الدراسات التى تمت فى العقود الماضية إلى أن العمل التطوعى من قبل الجمعيات والمؤسسات الأهلية فى مصر كان يغلب عليه بشكل كبير دور الرعاية وليس التنمية، ومن هنا فإنه كان يساعد على مواصلة الحياة للطبقة الأكثر احتياجا فى مصر - هذا بافتراض نجاح المؤسسات فى الوصول إليها – ولكنه لم يساعد على تحسين نوعية الحياة والارتقاء بهذه الطبقة للخروج من الفقر وتنمية المجتمع وهذا هو التحدى الرئيسى لدور المسئولية الاجتماعية فى مصر حاليا.

وفى هذا الإطار يمكن رصد مجموعة من العوامل التى يمكن أن تساعد على وضع خريطة طريق للعمل التطوعى تهدف إلى دمج الفئات الأكثر احتياجا فى عملية التنمية والارتقاء بقدراتهم وتحسين نوعية حياتهم، وتتمثل هذه العوامل فيما يلى:

أولا: لا يمكن إغفال ما طالعنا به شهر رمضان المعظم من إنفاق هائل على الإعلانات عن العمل التطوعى والمتابع لهذه الإعلانات يجدها مركزة فى بناء المستشفيات ومعالجة المرضى، مع ظهور خافت للمشروعات التنموية المرتبطة بالتمكين الاقتصادى للفقراء ولكن دون خطة قومية واضحة واتساق مع أهداف الدولة وكذلك عدم متابعة لآثارها فى دعم تنافسية الإنتاج وزيادة الطاقات الإنتاجية، ورغم أننا لا نقلل من أهمية هذه الخدمات الصحية ومساعدتها للمحتاجين من المرضى، فإنها لا تتم وفق رؤية تحدد التحديات الصحية فى مصر ودور الحكومة خاصة مع إصدار قانون التأمين الصحى والحاجة الشديدة إلى تطوير أداء المستشفيات الحكومية ورفع جودة الخدمات وتدريب كوادر الأطباء والتمريض، ومن هنا فإن العمل التطوعى يبدو فى جزر منعزلة غير متسقة مع جهود الدولة فى تحسين كفاءة الخدمات الصحية ودعم الخدمات الوقائية مع العلاجية بما يسهم فى خفض تكاليف الخدمة الصحية وتعظيم كفاءتها لصالح المواطن المصرى.

ثانيا: رغم أنه لا يوجد رقم دقيق عما تم إنفاقه فى الشهر الفضيل على شنط رمضان من عدد كبير من الجمعيات الأهلية والحشد الذى نجحت هذه الجمعيات فى تحقيقه للمواطنين المصريين للإنفاق فى هذا المجال اقتداء برسولنا الكريم حول إطعام الصائم وثوابه -  فإنه لا يجوز إغفال موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما جاءه فقير يشكو من ضيق الحال فأشار إليه (صلى الله عليه وسلم) بأن يعمل وساعده فى بداية التجارة، وفى هذا رسالة مهمة جدا مفادها أنه من صميم ديننا المساعدة على التكسب وليس فى توزيع الغذاء ودعم العادات الاستهلاكية على حساب الإنتاج وهو ما يساعد على تكريس الفقر وزيادة مكاسب المنتجين والموزعين للسلع الغذائية.

 وفى هذا الإطار يتطلب الأمر تحليل وتقييم الجهود التى تتم فى إطار العمل التطوعى فى تحقيق التمكين الاقتصادى وذلك من خلال تدريبهم وفقا لقدراتهم وتوجيههم إلى مجالات العمل سواء كان لدى الغير أو فى حاضنات تساعدهم على اكتساب خبرات زيادة العمل وتدعم جهودهم فى التحول من المشروعات متناهية الصغر إلى الصغيرة فالمتوسطة والكبيرة، وفى هذا الوسيلة المستدامة لتحقيق العدالة فى توزيع الدخل كما سبق أن ذكرنا.

 بل إن فى هذا تدعيما للإنتاج وتحويل الزيادة السكانية من نقمة إلى نعمة، وتعد هذه هى الوسيلة الناجحة وفقا لتجارب الدول فى خفض معدل النمو السكانى، حيث إن زيادة عدد الأطفال حاليا للأسر الفقيرة وسيلة لتشغيلهم فى أعمال طفيلية ومن ثم زيادة دخل الأسرة، أما عمل الأب والأم فمن شأنه أن يرفع تكلفة الفرصة البديلة للإنجاب ومن ثم يعمل على خفضه.

وتشير الدراسات الميدانية إلى عدم فاعلية الجهود الحكومية والتطوعية فى تفعيل القدرات الإنتاجية للفقراء سواء كان ذلك على مستوى الاستهداف البشرى أو القطاعى أو الجغرافى، فبالنسبة للاستهداف البشرى والقطاعى يتركز الفقراء فى فئات المزارعين والصيادين وخريجى الدبلومات الفنية والجامعات ذات الأعداد الكبيرة مثل التجارة والحقوق، وبالنسبة للاستهداف الجغرافى يتركز الفقراء فى ريف الصعيد والمناطق العشوائية، ولاشك أن تطور جهود العمل التطوعى فى هذا الإطار قد شهد تحسنا ملموسا ولكنه لا يرقى إلى الخطة التى تعتمد على رؤية واضحة وآليات للمتابعة تضمن تحقيق النتائج المستهدفة وهو ما ينعكس فى النهاية فى ضعف نتائج مكافحة الفقر فى مصر وفقا لتقييم الأمم المتحدة وذلك مقارنة بالصين والهند.

ثالثا: فى إطار توزيع الإنفاق على العمل التطوعى وما نشهده من تركز الدعاية الرمضانية على الإنفاق على المستشفيات وهى مهمة فى تقديم الخدمات الصحية إحدى دعائم بناء رأس المال البشرى ولكن ماذا عن الدعامة الثانية الأساسية وهى التعليم؟، ورغم ما تشهده مصر حاليا من اتجاه لتطوير التعليم، فإن التساؤل المطروح هو ماذا عن ملايين الأطفال فى المدارس الابتدائية والإعدادية والفنية الذين لا يتلقون الحد الأدنى من كفاءة الخدمات التعليمية، ما يسهم فى أوضاع مزرية من التسرب من التعليم ووجود أطفال فى المراحل الإعدادية لا يعرفون القراءة والكتابة ما يمهد لانتشار الإدمان وغيرها من الآفات الاجتماعية المدمرة لفرص التنمية فى مصر، هل سمعنا عن أى حملة للعمل التطوعى تهدف إلى (اكفل مدرسة) لتحسين الخدمات التعليمية بها والارتقاء بأحوال تلاميذها مع أهمية هذا الاستهداف بل ضرورته، وهو ما يشير إلى أهمية إعادة النظر فى توجهات العمل التطوعى ودوره فى خدمة أهداف التنمية فى مصر.

إن العرض السابق إنما يشير إلى أهمية وضع خريطة طريق للعمل التطوعى تركز على التحديات والفرص وهو ما نتعرض له بمشيئة الله فى المقال القادم.