رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

18 اكتوبر 2018

مقالات رئيس التحرير

الإصلاح وضريبة التقدم تجارب دولية ناجحة

3-6-2018 | 15:28 497

ما عليك إلا أن تستعرض تجارب الدول الصاعدة اقتصاديا، حتى تكتشف بنفسك دون عناء، أن للنجاح تضحيات، وللتقدم ضريبة، من كوريا الجنوبية وماليزيا فى شرق آسيا إلى المكسيك فى أمريكا الشمالية، مرورا بإندونيسيا وفيتنام، كل هذه الدول قدمت كثيرا من التضحيات من أجل أن تخرج من عباءة الفقر لتلحق بقطار التقدم والازدهار الاقتصادى وتقفز بمتوسط الدخول للمواطنين، وتوفر خدمات متطورة فى التعليم والصحة والخدمات الأساسية الأخرى.
فى زيارته مؤخرا إلى القاهرة أراد نائب المدير العام لصندوق النقد الدولى ديفيد ليبتون، أن يستعرض خلاصة تجارب الدول التى نجحت فى مسيرة الإصلاح الاقتصادى وحققت تقدما ملحوظا خلال العقود الماضية، حيث اعتمدت بالأساس على الصبر والمثابرة لدى مواطنيها وثقتهم بالحكومات لديهم، وتكاتف الجهود مع تقديم التضحيات، من أجل الخروج من النفق المظلم إلى آفاق رحبة، فى مقدمة ذلك المضى قدما فى مسيرة الإصلاح دون تردد، وعدم التوقف واستحسان النتائج الأولية الناتجة عن الإصلاح النقدى والمالى دون تنفيذ الجزء الأهم من الإصلاح الهيكلى الذى يبنى على ما تحقق من إصلاح نقدى ومالى لفتح شرايين الاقتصاد وتحقيق تعميق الصناعة بما يضاعف القيمة المضافة ويعزز التنافسية، ويعمل على تعظيم قدرات الموارد البشرية من خلال تطوير التعليم والاهتمام بالتدريب، بما ينعكس على مضاعفة الصادرات الصناعية عالية القيمة المضافة.
من خلاصة نتائج الدول التى نجحت فى الإصلاح الاقتصادى إلغاء الدعم تدريجيا، ولا سيما على الوقود والطاقة من أجل أن تستغل تلك الأموال فى مشروعات التنمية، وفى هذا الإطار حذر نائب المدير العام لصندوق النقد الدولى، من التأخر فى مواصلة تنفيذ إصلاحات دعم الطاقة بما يؤدى مرة أخرى إلى تعريض الموازنة لمخاطر ارتفاع أسعار النفط العالمية، لافتا إلى أن تخفيض الدعم يتيح زيادة الكفاءة فى تخصيص الموارد على مستوى الاقتصاد، وهو ما يشكل عنصرا مهما فى إطلاق الإمكانات الاقتصادية لمصر.
من الرسائل المهمة للاقتصاد الدولى أن الاقتصاد المصرى يحقق معدلات نمو تجاوزت نسبة الـ5% التى كانت متوقعة له، وأن تلك النسبة ستحدث فارقا بعد ذلك، وهو ما يمثل إجابة عن تساؤلات البعض حول متى يشعر المواطن بالإصلاح، وثانيا أن الإصلاح النقدى والمالى أدى إلى زيادة الموارد ومعالجة الخلل الكبير فى عجز الموازنة بما يدعم الاستقرار المالى، لكن الدين العام لا يزال شديد الارتفاع، ويتعين بذل جهود كبيرة لضبط الأوضاع المالية وإتاحة الحيز اللازم للإنفاق فى المجالات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وثالثا أن أهمية استكمال الإصلاح تكمن فى خلق فرص العمل، من أجل مواجهة مشكلة البطالة واستيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل، مؤكدا أن مصر لا يسعها التأخر فى جهود خلق فرص العمل، متوقعا أنه بحلول عام 2028 سيرتفع عدد السكان فى مصر ممن هم فى سن العمل بنسبة 20%.
تجارب الدول التى نجحت فى الإصلاح الاقتصادى تؤكد رسائل خبير الاقتصاد الدولى:
إندونيسيا: خرجت إندونيسيا من أزمة عميقة فى عام 1998 عازمة على التخلص من ظاهرة المحسوبية والتحرر من سيطرة الحكومة المركزية، وأسفرت الإصلاحات عن تمكين القطاع الخاص، إلى جانب تشجيع السياسات الاقتصادية الداعمة لآليات السوق، ما أدى إلى ديناميكية الاقتصاد وتحقيق نمو مطرد.
المكسيك: فى عام 2013 اتخذت المكسيك مجموعة من الإجراءات الحاسمة الرامية إلى زيادة نمو الإنتاجية، فقد تم فتح قطاع الطاقة للاستثمار الخاص، بعد أن ظل خاضعا لهيمنة الدولة لفترة طويلة، وإحلال التنافس الحر محل احتكار القلة لقطاعى الاتصالات والتمويل. وبدأت الاستكشافات فى مجال الطاقة انطلاقة جديدة، وانخفضت تكلفة الاتصالات، ما حقق منافع على نطاق واسع. وبدأت المكسيك أيضا فى اجتذاب المواطنين خارج الاقتصاد غير الرسمى ودمجهم فى الاقتصاد الرسمى، من خلال إصلاحات سوق العمل، التى تسمح بزيادة مرونة إجراءات التعيين، بما فى ذلك التعيين تحت التدريب والاختبار، النتيجة أسفرت عن خلق 3.5 مليون فرصة عمل فى السنوات الخمس الماضية، وتراجع التوظيف فى القطاع غير الرسمى مع ازدياد معدل نمو التوظيف فى القطاع الرسمى.
الهند: هناك مجموعة من الأهداف المشتركة بين الهند ومصر، وهى تعزيز شبكة الأمان الاجتماعى وجعلها متاحة لعدد أكبر من السكان والحد من أشكال عدم الكفاءة البيروقراطية والفساد فى نظم المنافع الاجتماعية، وقد عملت الحكومة الهندية على تحقيق هذا الهدف من خلال نظام مدفوعات يقوم على أساس نظام تحديد الهوية الشخصية، ثم قامت بتوجيه المدفوعات المباشرة لإعانات الدعم والمنافع الاجتماعية عبر هذا النظام، وقد أدى هذا البرنامج إلى تبسيط الروتين الإدارى فى شبكة الأمان الاجتماعى، والأهم من ذلك أنه استطاع أن يحد من فرص الفساد، وأدى كذلك إلى تعميق الشمول المالى بدمج قرابة 300 مليون مواطن فى الاقتصاد الرسمى.
وتوضح تجربة الهند كيف يمكن لأى بلد استغلال التكنولوجيا فى التغلب على العقبات أمام التنمية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، ولا سيما فى ظل الاهتمام الحالى من جانب الحكومة المصرية والبنك المركزى المصرى، بالتكنولوجيا المالية والمدفوعات الإلكترونية والشمول المالى لإتاحة الخدمات المالية لجميع فئات المجتمع.