رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

من المجلة

عقوبات ترامب الاقتصادية تهدد قطاع الأعمال

4-6-2018 | 12:23 225

كتبت- شريفة عبد الرحيم:
توتال وبيجو ورينو وإيرباص.. أبرز الشركات الخاسرة من إلغاء الاتفاق النووي
 
ىرغم استخدامها على مر العصور، فإن سياسة العقوبات الاقتصادية للولايات المتحدة باتت تثير الكثير من الانتقادات حيث يصفها المحللون بأنها «عدوانية» و»غير مدروسة» فى ظل تناقض الرسائل التى تبعثها الإدارة الأمريكية.
 
وينصح كثيرون بضرورة اتخاذ الشركات والحكومات المتضررة إجراءات هجومية يصل مداها إلى البيت الأبيض، وهى المعركة التى تشغل بال أوساط المال والأعمال هذه الأيام.
حذر تقرير لمجلة الإيكونومست من مخاطر بسط النفوذ الأمريكى على قطاع التمويل العالمى، لافتا إلى ضرورة توخى الحذر فى سياسة العقوبات.
فما بين تفوقها العسكرى إلى سوقها الكبير، تتعدد مصادر قوة الولايات المتحدة، أكبر قوة عظمى فى العالم، لكن ربما كان الأكثر تأثيرا الدولار الذى يعتمد عليه الجميع فى معاملاتهم عبر الحدود وبالتبعية على نظم الدفع الدولارية والبنوك الأمريكية.
 
ونظرا للاعتماد  الأساسى على العملة الخضراء فى المعاملات التجارية عبر أنحاء العالم، فإن واردات الدولار تساوى – فى المتوسط- خمسة أضعاف ما تستورده أى دولة من الولايات المتحدة، والأخطر أن نصف الديون الخارجية مقومة بالدولار. هذا بالإضافة إلى احتفاظ البنوك المركزية فى العالم بثلثى احتياطياتها بالدولار، ما يعطى فى النهاية مجلس الاحتياطى الفيدرالى (المركزى الأمريكى) سلطة «الفيتو» فى معظم معاملات التجارة العالمية.
على مر العصور استخدم رؤساء الولايات المتحدة الدولار كسلاح «فتاك»، وكان آخرها ما قام به دونالد ترامب من فرض عقوبات مالية جديدة على روسيا. والإدارة الأمريكية أضافت فى العام الماضى نحو ألف اسم جديد لقائمة العقوبات بزيادة 30% عن مستواها فى العام الأخير لإدارة باراك أوباما.
وبانسحابها من الاتفاق النووى، توجه الولايات المتحدة ضربات اقتصادية مؤلمة لإيران وللشركات الأوروبية الساعية إلى التربح من الفرص الواعدة التى وفرها النفاذ إلى السوق الإيرانى. 
فبعد رفع العقوبات عن إيران فى عام 2016 أبرمت شركات أوروبية صفقات مهمة مع إيران مثل شركات السيارات الفرنسية، عملاق النفط «توتال» وإيرباص، فباعت بيجو ورينو أكثر من 600 ألف سيارة للسوق الإيرانى خلال العام الماضى، وأبرمت توتال صفقة بقيمة 5 مليارات دولار لاستخراج الغاز الطبيعى فى إيران، أما إيرباص فباعت 100 طائرة لطهران.
ويحذر محللون من التداعيات طويلة الأجل لسياسة ترامب، ويقول البعض إنه كثيرا ما استخدمت الولايات المتحدة سلاح العقوبات على نحو «مقبول»، لكنها حاليا تخاطر بتحقيق فوز سريع بغض النظر عن التداعيات طويلة الأجل والتكاليف غير المباشرة.
فاستخدام سلاح الدولار أدى إلى تخبط واضطراب فى صناعة القرار الأمريكى، بالإضافة إلى ما يمثله من تهديد لاستقرار صناعة التمويل العالمية، وبمرور الوقت ستضعف هيمنة العملة الأمريكية. 
ومثال على تخبط صناعة القرار ما حدث خلال شهر إبريل الماضى من تشديد العقوبات على روسيا، ما أدى إلى عزلة شركة «روسال» لإنتاج الألومنيوم عن أسواق المال رغم ضآلة حجم تعاملاتها فى الولايات المتحدة. لكن الاضطراب الذى حدث فى سوق الألومنيوم العالمى – تقدر حصة روسال منه بنحو 6%- وارتفاع أسعاره دفع بصناع السيارات من الأمريكيين وغيرهم من الصناع لحشد لوبى قوى فى واشنطن.
وفى أقل من ثلاثة أسابيع، تراجعت الإدارة الأمريكية وخففت حدة العقوبات بمد أجل السماح للشركات التى لديها تعاقدات مع «روسال».
مثال آخر حدث فى إبريل مع شركة «زد تى اى» الصينية العملاقة للاتصالات، التى انتهكت عقوبات أمريكية على إيران وكوريا الشمالية، لكن بعد انهيار الشركة يبدو أن ترامب يرغب فى إدراجها ضمن صفقة تجارية أكبر مع بكين.
وهكذا يبدو وكأن إدراة ترامب ترسل إشارات متناقضة، فمن ناحية تهدد بـ»أقصى عقوبات فى التاريخ» على إيران لكنها فى الوقت نفسه تعيد التفاوض حول انتهاك عقوباتها.
ومع تضاعف نطاق العقوبات سوف تزيد «الاستثناءات»، التناقضات والتداعيات غير المتوقعة، وذلك فى النهاية سيقلص من فعالية سياسة العقوبات الأمريكية، والتخبط فى السياسة سيسبب حالة من عدم اليقين بالنسبة لمناخ الأعمال، ويهدد بأزمة مالية.
وتمثل هيمنة الدولار وتنامى الاعتماد عليه مخاطر أخرى، وهو ما يمكن تعلمه من تجارب سابقة.
فبنهاية عام 2007 اتسع نطاق الأزمة المالية عندما تعثرت البنوك الأوروبية عن سداد ديونها الدولارية، وهنا تدخل مجلس الاحتياطى الفيدرالى لتوفير سيولة للبنوك المركزية الأجنبية. ومنذ ذلك الحين، سجل النظام المالى الأوفشور للدولار نموا كبيرا ولاسيما فى آسيا.
وإذا تكرر هذا السيناريو مع بنك صينى كبير فلن يستطيع المركزى الأمريكى إنقاذ الموقف، وكذلك إذا تعثرت شركات غير مالية كبيرة عن سداد ديونها الدولارية يمكن أن يحدث اضطراب كبير فى التمويل الأوفشور.      
والتداعيات طويلة الأجل لمخاطر هيمنة الدولار لا تقل خطورة، فلا يوجد حتى الآن بديل للعملة الخضراء. بالنسبة لمنطقة اليورو، لا تزال على طريق التعافى من أزمتها، والصين تفتقر إلى نظام مصرفى مستقر أو حساب رأس مال مفتوح. ومن ثم فإن الولايات المتحدة وحدها بإمكانها توفير الآلية العالمية الآمنة اللازمة لتدفق التجارة والتمويل على مستوى العالم.
ومع ذلك، يرجح محللون أن الدولار لن يظل مهيمنا للأبد، فمع تقلص حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمى سيكون هناك اتجاه إلى زيادة حصة العملات الأخرى فى الاحتياطيات العالمية.
وتيرة هذا التحول وكيفيته سوف يعتمد على رؤية حلفاء الولايات المتحدة لها.
تأمل أوروبا فى الاستمرار فى الالتزام باتفاق إيران النووى الذى انسحب منه ترامب بشكل أحادى، لكن أوروبا لا تجد خيارا آخر سوى اتباع أمريكا، وهو ما سيترجم فى النهاية كانتصار جديد للبيت الأبيض، وإن كان يحمل فى طياته تكاليف بعيدة المدى. فأحد مصادر قوة الدولار هو ثقة الأجانب بالمؤسسات الأمريكية، وكذلك اعتقاد حلفاء الولايات المتحدة باتفاق مصالحهم معها، لكن إذا تبين أن السياسة الأمريكية تلحق بهم الأضرار فسوف يتزايد الاتجاه للاستقلال عن الدولار، وبمرور الوقت ستتأثر العلاقات العسكرية والمخابراتية أيضا.
 
 
   تجميد استغلال احتياطيات الغاز الإيرانية أحد الأسباب الخفية للانسحاب من الاتفاق النووى
يشتبه الأوروبيون فى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجميد استغلال احتياطيات غاز إيرانية ضخمة عبر فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية فى إطار الملف النووى، بهدف زيادة إنتاجها الخاص الذى يشهد ازدهارا مع الغاز الصخرى.
وقال مسئول أوروبى مطلع على الملف إن «العقوبات الأمريكية ستطول صادرات النفط والغاز الإيرانية الموجهة إلى أوروبا. «
وأوضح رافضا الكشف عن اسمه «أنها بشكل واضح محاولة جديدة للحد من مصدر إمداد مختلف لكى يمكن إيصال الغاز الطبيعى المسال الأمريكى إلى أوروبا بشكل أسهل وبدون منافسة».
وكانت واشنطن أعلنت متجاهلة تحذيرات الأوروبيين، إعادة فرض العقوبات التى رفعت بموجب الاتفاق المتعدد الأطراف المبرم عام 2015، على إيران مقابل تعهدها بتجميد برنامجها النووى.
وتهدد الولايات المتحدة طهران بالعقوبات «الأقوى فى التاريخ» إذا رفض الإيرانيون شروطهم لإبرام «اتفاق جديد» يشمل برنامج إيران للصواريخ الباليستية.
وقد أطلقت الولايات المتحدة استراتيجية البحث عن أسواق لبيع غازها الطبيعى. وصدرت 17,2 مليار متر مكعب عام 2017 إلى موانى الاتحاد الأوروبى، وبحسب مركز الدراسات «اى اتش اس ماركيت» فإن «القدرة الإجمالية لاستيراد الغاز الطبيعى لدى أوروبا ستزيد بنسبة 20% بحلول عام 2020».
فى كل سنة تستورد دول الاتحاد الأوروبى ثلث احتياجاتها للاستهلاك (66%). فى عام 2017 شكل ذلك 360 مليار متر مكعب من الغاز بينها 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى المسال بقيمة 75 مليار يورو بحسب الإحصاءات الأوروبية.
وحتى الآن، نصف الغاز الذى تشتريه أوروبا روسى لكن الأوروبيين يسعون إلى كسر هذا الاعتماد على روسيا.
وتملك طهران أكبر احتياطى غاز فى العالم بعد روسيا وخصوصا مع حقل الأوفشور فارس الجنوبى، ويقدر بنحو 191 تريليون متر مكعب. وصدرت البلاد 10 مليارات متر مكعب عام 2017 عبر أنبوب الغاز نحو تركيا والعراق. لكن الحل للمستقبل سيكون الغاز الطبيعى المسال كما يؤكد المسئولون الأوروبيون.
وحسب محللين فإن أوروبا تسعى لتطوير استراتيجية غاز مسال بهدف ضمان آمن الطاقة لديها، وإيران تشكل مصدر إمداد مهما.