رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

مقالات

الإصلاح الاقتصادى ..والطبقة المتوسطة

10-6-2018 | 16:22 861

أ. د / يمن الحماقى

رغم أنه كان من المفترض أن يتم استكمال مقال «نحو خريطة طريق للعمل التطوعى فى مصر»، فإن مقتضيات الأمور من حيث إقرار الموازنة العامة 2018/2019 من مجلس النواب وما تم الإعلان عنه فى جلسات مناقشة الموازنة من قرارات للحكومة لزيادة موارد الدولة متضمنة تحرير أسعار الطاقة وقرارات تحقيق الحماية الاجتماعية ما يتطلب أهمية تحليل آثار هذه القرارات فى الطبقتين المتوسطة والفقيرة لأهميتهما  فى تحقيق التوازن والاستقرار الاجتماعى، وما لذلك من ضرورة حيوية فى هذه المرحلة المهمة التى تواجه فيها مصر تحديات خطيرة إقليمية ودولية ومحلية، ويتطلب الأمر الإجابة عن سؤالين مهمين:

التساؤل الأول: ما حتميات اللجوء إلى هذه القرارات؟ وهل كانت هناك بدائل أخرى للتخفيف من حدتها؟

التساؤل الثانى: هل إجراءات الحماية الاجتماعية التى تم اتخاذها من قبل الدولة كافية لمواجهة الآثار السلبية لهذه القرارات فى الطبقتين المتوسطة والفقيرة؟

وبالنسبة للتساؤل الأول:

فقد أعلنت الحكومة أن سياساتها تعتمد على تحرير أسعار الطاقة ما يعنى خفض الدعم، وأكد مسئولو صندوق النقد الدولى أهمية ذلك لتحقيق الكفاءة الاقتصادية فى استخدام الموارد باستخدام الأسعار الحقيقية للطاقة، ما يعنى أن تنفيذ مصر لالتزاماتها أمام الصندوق يتطلب تحرير الأسعار، ولكن هل هناك أى دراسات تمت حول آثار ذلك فى ارتفاع الأسعار؟، ليس فقط بالنسبة للسلع الاستهلاكية ومدى أهميتها لجميع طبقات المستهلكين من الطبقتين المتوسطة والفقيرة، ولكن أيضا والأكثر أهمية تكاليف الإنتاج وهى أساس لتنافسية الإنتاج التى تعول عليها مصر فى زيادة الصادرات، مع الأخذ فى الاعتبار أن تحرير الأسعار سيشمل جميع أنواع الوقود ومن ثم تكلفة النقل التى تلعب دورا مهما فى التأثير فى دخول المواطنين الحقيقيين وكذلك نقل السلع ما يسهم فى ارتفاع أسعارها.

وقد زامن توقع رفع أسعار الطاقة فى القريب العاجل رفع أسعار المياه والصرف الصحى وزيادة رسوم تراخيص السيارات والمحمول والجوازات، ما يعنى أنه بالنسبة للطبقة المتوسطة فإن تكلفة المعيشة سترتفع بنسبة مؤثرة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك عدم كفاءة السوق المصرية والتى يترتب عليها فى معظم الأحيان أن الزيادات الحقيقية لارتفاع الأسعار فى السوق عادة ما تفوق الزيادة المقدرة من الحكومة، يأتى هذا فى توقيت صعب لم يحقق فيه الإنتاج تعافيا من آثار تحرير سعر صرف الجنيه المصرى، حيث مازالت قضية المشروعات المتعسرة لم تجد حلا حتى الآن وهى تمس الطبقتين المتوسطة والفقيرة بشكل مؤثر، كذلك لم تتم الجهود الكافية لتحويل القطاع غير الرسمى إلى القطاع الرسمى، يضاف إلى ذلك عدم استغلال الطاقات العاطلة فى شركات قطاع الأعمال العام والتى يمكن أن تكون مجالا مهما لإتاحة فرص عمل للطبقتين المتوسطة والفقيرة ورفع مهارات العاملين فى هذه الشركات، ما يمكن أن ينعكس فى زيادة دخولهم، فهل قامت الحكومة بدراسة آثار هذه التداعيات؟ وهل تم حساب آثار ذلك على المستوى الكلى حيث يمكن أن يترتب على ارتفاع الأسعار رفع الفائدة مرة أخرى للحفاظ على الودائع، ما ينعكس سلبا على فرص الاستثمار التى بدأت تتحسن بالاستفادة من المشروعات القومية الكبرى.

إن هذه الآثار المتوقعة تتطلب اهتماما كبيرا من الحكومة بمساعدة المجتمع المدنى لتحديدها بدقة بما يكفل اتخاذ الخطوات الجادة والفعالة لمواجهة آثارها.

وهنا يأتى التساؤل الثانى:

فبالنسبة لإجراءات الحماية الاجتماعية التى تم اتخاذها من قبل الحكومة لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار التى تتمثل فى رفع الأجور والمعاشات فإنها بالقطع - وفقا لتجارب سابقة- رغم أعبائها الكبيرة على الموازنة التى قدرت بـ 60 مليار جنيه، فإنها بالنسبة لكل مواطن من الطبقتين المتوسطة والفقيرة لن تستطيع مواجهة ارتفاع الأسعار، ومن ثم فإنها تسهم فى زيادة عجز الموازنة دون آثار إيجابية مهمة فى المواطن، هذا فضلا عن الآثار التضخمية لها التى تأتى من زيادة الأجور دون أن يقابلها بالقطع ارتفاع فى الإنتاجية.

وإذا أضفنا الجهود التى تتم من قبل الحكومة للحماية الاجتماعية فإن من أهمها بطاقة التموين التى تشهد تقدما كبيرا فى تنقية البطاقات لتذهب لمستحقيها، ولكن لا يمكن إغفال معاناة المواطنين من حذف بعض أفراد الأسرة دون مبرر وكذلك فقد البطاقات وصعوبة استعواضها وهو ما نراه فى كثير من البرامج التى تحاول مساعدة الطبقتين المتوسطة والفقيرة فى مواجهة عدم كفاءة بل الفساد فى إدارة هذه المنظومة المهمة.

وبالنسبة لتكافل وكرامة ورغم الجهود الجادة التى تتم لتفعيل دورها لمساندة الطبقات الفقيرة فإن الدراسات تشير إلى محدودية آثارها فى مواجهة الآثار القاسية للإصلاح الاقتصادى وبعد فإن العرض السابق إنما يوضح أن تكلفة الإصلاح الاقتصادى ستكون قاسية جدا على الطبقتين المتوسطة والفقيرة ما يحتم التركيز على أولويات المرحلة المقبلة .

هذه الأولويات فيما يلى:

(1) ضرورة استغلال الطاقات العاطلة فى مصر لصالح الطبقتين المتوسطة والفقيرة وتتمثل هذه الطاقات كما سبق أن ذكرنا فى:

- معالجة مشاكل المشروعات المتعسرة وفق خطة زمنية واضحة تتم متابعتها بدقة.

- وضع خطة لتحويل القطاع غير الرسمى إلى قطاع رسمى على أن يتم ذلك قطاعيا مثال ذلك الملابس الجاهزة، الجلود وغيرهما.

- تعظيم استغلال الطاقات العاطلة فى شركات قطاع الأعمال العام بأن تتضمن الخطة التى تتم حاليا استفادة العاملين فى القطاع بتطوير قدراتهم وكذلك إتاحة فرص لمستثمرين صغار للاستفادة من الطاقات العاطلة.

(2) التركيز على تعظيم استغلال الموارد البشرية وهو ما جاء فى خطاب الرئيس «السيسى» لحلف اليمين عن حق حيث لابد أن نعترف أن لدينا قصورا واضحا فى هذا المجال يتطلب ما يأتى:

- تصميم استراتيجية للتدريب والتشغيل تعمل على استغلال مراكز التدريب الكثيرة غير المستغلة فى مصر لتلبية الطلب فى سوق العمل، - تطبيق قانون الخدمة المدنية من حيث رفع مهارات الجهاز الحكومى، ومع احترامى للجهود التى تتم فى هذا المجال، فإنه دون توصيف وظيفى للعاملين وفقا لهيكل إدارى يحقق أهدافا محددة لن نتقدم خطوة فى هذا المجال.

- تشبيك وتكامل المجتمع المدنى مع الحكومة لتحقيق التنسيق بين جانبى العرض والطلب فى سوق العمل، - تنسيق الجهود الكبيرة التى تتم الآن فى مجال المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والاهتمام باستهداف شباب الطبقتين المتوسطة والفقيرة مع التركيز على المرأة.

(3) لا بد من تكثيف الجهود لإتاحة السلع الأساسية المهمة التى تمثل جزءا كبيرا من استهلاك الأسر المصرية المتوسطة والفقيرة بأسعار معقولة لكسر الاحتكارات ومواجهة ارتفاع التكاليف الناتجة من زيادة الوسطاء بين المنتج والمستهلك.

> تنويه: فى العدد القادم نستكمل الحلقة الثانية من مقال «نحو خريطة للعمل التطوعى» .