رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

مقالات

بين الأردن وإيطاليا

10-6-2018 | 16:21 758

عماد غنيم

ما الذى يجمع بين الاحتجاجات الاجتماعية العنيفة فى أنحاء الأردن، وبين التحالف العجيب لليمين المتطرف مع اليسار الرافض للمؤسسات التقليدية فى إيطاليا ووصوله إلى الحكم قبل أيام؟

اختلافات بينة وفوارق جوهرية بين الحالتين الأردنية والإيطالية، ولكن القاسم المشترك يكمن فى تلك الكلمة التى باتت وراء كل ما تشهده دول العالم من اضطرابات وهزات اجتماعية وسياسية وهى التقشف.

موازنات التقشف أخذت فى الانتشار منذ سنوات بين الدول «الرشيدة» التى تبحث عن حلول للخروج من مآزقها الاقتصادية، والتقشف نفسه نسبى فقد اعتمدت فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال واليونان ودول أوروبية أخرى موازنات تقشفية منذ سنوات بعدما حذرتها المفوضية المالية والبنك المركزى الأوروبى من أن العجز فى موازناتها تجاوز النسبة المسموح بها فى اتفاقية ماسترخيت الشهيرة والبالغة 3%. ومع ذلك فإن التقشف الموجع بدأ عقب الانهيار الذى حدث فى أسواق البنوك والتأمين فى سبتمبر 2008 الذى استلزم تخصيص الحكومات الغربية لمئات المليارات من الدولارات لمعالجة آثار الأزمة والحيلولة دون انهيار النظام المالى، مع ما يعنيه ذلك من إنفاق ضخم وزيادة فى عجز الموازنات وتفاقم الدين العام، وهنا تعين على الشعوب الأوروبية أن تدفع ثمن معالجة الانهيار بالعيش فى ظل موازنات تقشفية صارمة حرمتهم من كثير من المميزات الاجتماعية التى استمتع بها الأوروبيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن هنا ظهر التذمر بين الناس وباتت الأحوال الاقتصادية مهيأة لصعود الأحزاب اليمينية القومية واليسارية المغمورة «الحالة اليونانية».

بالطبع هناك أسباب أخرى منفصلة تخص كل دولة، فالانكشاف المالى فى اليونان يعود كذلك لأسباب داخلية تتعلق بتراجع النمو وضعف الإنتاجية. ضعف الإنتاجية وسوء الإدارة ينطبقان كذلك على الحالة الإيطالية صاحبة ثالث أكبر اقتصاد فى أوروبا، ولكنها أيضا ثانى أكبر مدين فى القارة بعد اليونان حيث تعادل ديونها الخارجية 132% من الناتج الإجمالى، أما ديون القطاع العام الإيطالى الضخم فتعادل 270% من أصوله. وقد كان طبيعيا أن تسعى الحكومات الإيطالية المتعاقبة إلى خفض الإنفاق العام والحد من التوظيف الحكومى وزيادات الأجور ومعاشات التقاعد ومزايا التعليم والصحة وغيرها، وقد أدت كل هذه الإصلاحات فى النهاية كما رأينا إلى حصول اليمين الفاشى وحزب الخمس نجوم اليسارى على الأغلبية فى البرلمان ليشكل هذا التحالف العجيب والهش الحكومة، وسط توقعات بأن الانتخابات القادمة سوف تمنح اليمين المتطرف الأغلبية التى تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا فى خطوة - لو حدثت - ستكون لها آثارها الوخيمة فى الوحدة الأوروبية.. وفى العالم.

الحالة الأردنية أبسط وأقل تعقيدا، فالاقتصاد الأردنى المحدود الذى لا يتجاوز حجمه 37 مليار دولار مكبل بديون تصل إلى 35 مليار دولار أى بما يعادل نحو 95 % من ناتجه الإجمالى. السياسة المالية كانت تتسم بالرشادة على الأقل فى جانب الإنفاق، حيث إن ظاهرة دعم السلع محدودة ودعم الوقود غير موجود تقريبا، ولهذا فإن عجز الموازنة الماضية لم يتجاوز 3.6% وقد كانت الحكومة المقالة تأمل أن تخفض العجز فى الموازنة الجديدة إلى 2.8% من الناتج الإجمالى.. غير أن الاحتجاجات العنيفة أجهضت هذا التوجه، فقد خططت الحكومة لإجراء زيادات بنسبة 5% فى أسعار الوقود و19% فى أسعار الكهرباء لكن احتجاجات سابقة دعت الملك للتدخل لتجميد هذه الزيادات، أما ما فجر الأوضاع فهى التعديلات على قانون ضرائب الدخل الذى أخضع كل من يصل دخله 8 آلاف دينار سنويا إلى الضريبة ورفع شرائح الضريبة لمن يزيد دخله على ذلك ورفع الضرائب بنسب ملموسة على الشركات، وفى ظل ظروف اقتصادية حرجة «معدل النمو 1.8% وبطالة 18% وتجميد للرواتب الحكومية» غضب الناس واندفعوا إلى الشوارع على نحو ما رأينا الأسبوع الماضى. الأردن حالته أفضل كثيرا من غيره فى المنطقة، فالمشاكل فى المغرب وتونس والعراق والسودان وتركيا وإيران أكثر حدة وكلها اقتصادات تسعى جاهدة لضبط الإنفاق العام عبر إجراءات تقشفية تثير حنق الناس.

التقشف سياسة اقتصادية معتمدة فى الكتب ويتبناها صندوق النقد الدولى لإصلاح الأحوال الاقتصادية فى البلاد التى تلجأ إليه، ولا شك أن إيجابياتها عديدة من النواحى الفنية غير أن التقشف تجاوز الآن مقتضياته الاقتصادية ليتحول إلى قضية سياسية بعدما تبين عدم قدرة الشعوب من مختلف الألوان والأشكال والقدرات على احتمال آثاره. وقد وعد رئيس الوزراء الإيطالى الجديد وهو أستاذ للاقتصاد بالتخلى فورا عن سياسات التقشف وانتهاج «فكر جديد» يدفع نحو النمو مع الإبقاء على المزايا الاجتماعية كما هى. وفى الأردن يتجه مجلس الأعيان لإلغاء أو تجميد قانون ضريبة الدخل وسوف نرى نتائج هذه التطورات، فالتقشف أصبح واحدة من معضلات العصر التى تحتاج إلى جهد دولى لمحاصرة آثاره، مثله مثل المناخ .. والأسلحة النووية!.