رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 اغسطس 2018

من المجلة

التنين الصينى.. يغزو العالم

24-6-2018 | 13:37 374

شريفة عبد الرحيم
 
تضاعف تدفقهم فى شرايين الاقتصاد العالمى 3 مرات فى 10 سنوات  
 
غضب فى أستراليا وقلق أمنى فى أوروبا واستهداف سيطرة اقتصادية فى إفريقيا 
 
من بين تأثيرات أخرى، كان لانفتاح التنين الأصفر على العالم تداعيات واسعة النطاق، فتخفيف قيود السفر للخارج سيحدث تغييرات كثيرة محليا ودوليا، مع بلوغ إجمالى عدد المسافرين للخارج نحو 200 مليون سنويا قريبا. ومن ثم كان من الأهمية رصد تأثير هذا الغزو لتعظيم الاستفادة منه وتقليص أضراره، ففى الوقت الذى يسافر فيه الصينيون إلى أمريكا وأوروبا للدراسة والاستثمار، تتعرض إفريقيا لنهب ثرواتها.
 

 
حتى مطلع التسعينيات، كان السفر للخارج حلما بعيد المنال بالنسبة لمعظم أبناء ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، فلم يتجاوز عدد الرحلات الخارجية للصينيين عشرات الآلاف سنويا. لكن بعد فتح الأبواب المغلقة وتيسير شروط الحصول على جواز سفر وتصريح بالخروج، تزايد العدد سريعا ليتجاوز 130 مليون رحلة فى السنة حاليا، بين السفر للسياحة والدراسة إلى البيزنس والهجرة، مع توقعات ببلوغها 200 مليون بحلول 2020.
منذ سنوات تستحوذ الصين على اهتمام العالم باعتبارها قوة صاعدة اقتصاديا، سياسيا وعسكريا. لكن اليوم يظهر تأثير آخر لها مع تدفق هذا العدد الضخم من أبنائها على دول تمتد من أمريكا إلى أوروبا وإفريقيا فى غزو جديد.                      
فالصينيون يملأون قاعات الدرس فى جامعات سيدنى ويمثلون نسبة كبيرة من قوة العمل الأجنبية فى شركات سيليكون فالى التكنولوجية، وحتى فى إيطاليا، يعمل آلاف الصينيين فى مصانع النسيج، وفى ناميبيا يبيعون البضائع الرخيصة. أما السياح الأثرياء منهم فيشغلون حيزا مهما فى متاجر العلامات الشهيرة فى لندن وباريس.
 
منذ عام 2007، تضاعف عدد المسافرين الصينيين للخارج ثلاث مرات، ومن أجل جذب أكبر عدد من السياح، خففت دول عديدة شروط تأشيراتها أمام الصينيين، والبعض منها فتح أبوابه على مصراعيها بمنح إقامة دائمة مقابل مبلغ وفير من المال.
غير أن كثرة أعداد الصينيين فى الدول المضيفة لهم باتت تثير عادة استياء مواطنيها، ولاسيما تجاه المقيمين منهم، وبما يصل إلى درجة الاعتراضات الشعبية. ففى أستراليا مثلا، ارتفاع أسعار العقارات بسبب زيادة طلب الصينيين أغضب المواطنين هناك كثيرا، كما حذر إيطاليون من تهديد الصينيين المهاجرين لصناعة النسيج الإيطالية. أما فى إفريقيا، فيبدى التجار وشركات المقاولات اعتراضات قوية على منافسة الصينيين لهم.
المخاوف من توغل الصينيين لا تقتصر على تهديد ارتفاع الأسعار والصناعات المحلية، وإنما تشمل أيضا مخاوف سياسية وأمنية، ففى أنحاء الدول الغربية، يتزايد القلق من تأثير تنامى اعتماد الجامعات على الرسوم التى يدفعها الطلبة الصينيون، والذى يعرضها لتدخل واستغلال الحكومة الصينية.
تلك المخاوف عبر عنها مدير الـ»اف.بى.آى.» فى شهر فبراير الماضى قائلا «التهديد الذى تمثله الصين للعالم لا يقتصر على حكومتها فحسب وإنما مجتمعاتها الخارجية أيضا»، مشيرا إلى الأنشطة التى يقوم بها الصينيون من «جمع الأفكار».
فى الوقت نفسه، تبدى حكومات قلقها من أن وجود ملايين المواطنين الصينيين فى الخارج سيشجع بكين على تعزيز قوتها العسكرية.
«وى شات».. البطاقة العالمية الجديدة للسياحة والسفر
يمثل الصينيون جزءا مهما من صناعة السياحة والسفر العالمية، ففى العام الماضى، زار 6.6 مليون صينى متاجر «التخفيضات» فى إحدى ضواحى لندن بما يضاهى عدد زوار المتحف البريطانى، حتى إن محطة قطار المنطقة باتت تنادى على الركاب باللغة الصينية.
وحسب إحصاءات رسمية، تقدر مشتريات السياح الصينيين بأكثر من 25% من مبيعات المتاجر البريطانية للأجانب بارتفاع 30% عن العام السابق، والجديد أنها تقبل بطاقات الدفع الصينية «وى شات».
بحسب مجموعة ماكينزى الاستشارية، يشكل السياح الصينيون 33% من الإنفاق العالمى على سلع الرفاهية.
ووفقا لمنظمة السياحة العالمية أنفق الصينيون ما يزيد على 260 مليار دولار فى الخارج خلال 2016 بما يزيد على ضعف إنفاق الأمريكيين وبما يساوى 20% من الإنفاق العالمى مقارنة بـ3% فقط قبل عشر سنوات.
 
كندا.. أمريكا.. أستراليا .. الوجهات المفضلة للدراسة فى الخارج
منذ إطلاق سياسة «الإصلاح والانفتاح فى عام 1978»، سافر 5.2 مليون صينى للدراسة فى الخارج، وفى 2017 وحدها سافر ما يزيد على 600 ألف طالب للدراسة فى جامعات أجنبية بزيادة أربعة أضعاف مستوى عام 2007.
وتعد بريطانيا الوجهة الرئيسية المفضلة، حيث تضاعف عدد الدارسين الصينيين فى الجامعات البريطانية خمسة أضعاف إلى ما يزيد على 350 ألف طالب بين عامى 2006 و2016، بما يمثل نحو 30% من الطلبة الأجانب فى بريطانيا وبحجم إنفاق 12 مليار دولار بحسب بيانات رسمية.
فى أوروبا، تزيد نسبة الصينيين المقيمين على الأمريكيين بنحو 40%، وكان عددهم 820 ألف صينى فى عام 2011 بحسب بيانات الاتحاد الأوروبى. 
أما فى الولايات المتحدة، فخفض الدعم الحكومى للجامعات أدى إلى زيادة الاعتماد على الطلبة الأجانب الذين يدفعون رسوما كاملة تقدر بنحو 45 ألف دولار سنويا فى المتوسط، وتزيد نسبة الطلبة الصينيين على 33%.
يرى محللون أنه فى الوقت الذى تبدى فيه بكين تفاؤلها بخصوص جنى ثمار تعليم أبنائها فى الخارج، بإعداد قادة المستقبل، فإن الولايات المتحدة تعد الطلبة الصينيين، المقدر عددهم بنحو 300 ألف طالب جديد سنويا، جزءا من قوتها الناعمة، أملا فى أن يحدثوا تغييرات لصالحها فى المفاهيم الصينية.
غير أن الواقع يشير إلى العكس، فحسب شهود عيان، تفوق الصين اقتصاديا يدفع الكثيرين فى الدول الغربية للتساؤل حول المكاسب الحقيقية للديمقراطية والأسواق الحرة.
بل إن هناك حديثا فى أستراليا عن انتشار النفوذ السياسى للطلبة الصينيين ولاسيما بعد مظاهرة لهم بمشاركة أعضاء سفارتهم ضد محاضرة بعنوان «الصين.. تهديد للغرب».
ومع ذلك، افتخار الصينيين بالنمو الاقتصادى لبلادهم، لا يلغى شكوكهم إزاء سياسة الحزب الحاكم فى إدارة البلاد، مثل ما يتعلق بإحكام القبضة الحديدية على شبكة الإنترنت.   
 
فى إفريقيا.. عمالة وتأسيس مشروعات صغيرة ومتوسطة 
بحسب إحصاءات اونكتاد تضاعفت الاستثمارات الصينية فى إفريقيا ثلاث مرات بين 2010 و 2015 إلى 35 مليار دولار. لكن ما يثير الدهشة حقيقة هو ارتفاع عدد الصينيين فى إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، من 181 ألفا فى 2011 إلى 264 ألفا فى 2015. وفى تقدير ماكينزى فإن آلاف الشركات الصينية فى إفريقيا توظف ملايين المحليين. 
 
«الحلم الصينى».. فى مواجهة مخاطر ومحاذير من فتح الأبواب المغلقة
يرى مسئولون فى بكين أنه لا خوف من سفر أعداد ضخمة من الصينيين للخارج واحتمال انبهارهم بإنجازات النظم الديمقراطية، لكن ما يدعو للقلق فى رأى البعض الأضرار المتوقعة لسمعة الصين فى الخارج، فى ظل ازدياد الشكاوى من إزعاج السياح الصينيين لمواطنى الدول الغربية وعدم التزام المقيمين منهم بالقواعد السائدة، فى ألمانيا كانت هناك شكاوى من عدم التزام طلبة صينيين بقواعد النظافة وتهربهم من دفع فواتير الإنترنت.
كانت هونج كونج شهدت مظاهرات فى عامى 2014 و2015 ضد سياح صينيين بسبب تجاوزاتهم، وبالفعل انخفض عددهم منذ ذلك الحين.
ومن ثم تقوم الصين حاليا بتوزيع كتيبات فى المطارات على المسافرين من أبنائها للخارج للتوعية بالإرشادات العامة لحسن السير والسلوك فى الدول الأجنبية.
ففى رأى المسئولين الصينيين فإن نجاح استراتيجية «صنع فى الصين 2025» يعتمد على خلق ريادة عالمية فى الصناعات الحيوية بفضل الطيور العائدة. ووفقا لإحصاءات رسمية،50% من قوة العمل فى شركات الذكاء الاصطناعى الصينية تلقوا تعليمهم فى الخارج – وبعضهم التدريب كذلك-. والشىء نفسه أيضا بالنسبة لمعظم رواد الأعمال فى الصين، بل إن معظم الشركات الصينية المسجلة فى بورصة ناسداك وعددها 150 أسسها عائدون من الخارج.
تسعى بكين لتعزيز فكرة «الحلم الصينى»، عن طريق تقديم حوافز سخية لأصحاب المهارات التكنولوجية العالية من الدارسين بالخارج. وبالفعل فى عام 2016 عاد 430 ألف صينى بعد إنهاء دراستهم فى الخارج بزيادة 60% على عام 2011، وبنسبة 80% من إجمالى المسافرين للخارج، فى أكبر عودة للطيور المهاجرة فى تاريخ أى بلد.