رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

19 اكتوبر 2018

من المجلة

الدكتورة منى أبو الخير خبيرة صناعة المنسوجات: «المحلة الكبرى» من قلعة الغزل والنسيج إلى أطلال .. لماذا؟

31-7-2018 | 12:01 318

حوار- سلوى يوسف:
>> 42 عاما من الخسائر و18 ألف عامل وأصول غير مستغلة تغطى نحو 50 % من احتياجات السوق 
 
كشفت رسالة بحثية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه فى الفلسفة والاقتصاد، عن روشتة علاج مبتكرة وغير تقليدية لمواجهة المشكلات التى تواجه صناعة الغزل والنسيج فى مدينة المحلة الكبرى معقل صناعة الغزل والنسيج فى مصر، حيث خلصت الدراسة الى ان حل مشكلات هذه المدينة الصناعية المهمة يكمن فى تبنى طرق علاج جديدة تقوم على التركيز على تطوير ابرز منتجات المنسوجات بالمحلة الكبرى وهى المفروشات المنزلية والفوط والبشاكير، وذلك وفقا لما يسمى بالإستراتيجية الفرعية «مايكرو كاليستر» التى تركز على دراسة الفرع الاكثر تأثيرا فى القطاع وهو بدوره قادر على النهوض بالقطاع بأكلمه، أسوة بتجربة الهند فى هذا المجال.
>> ارتفاع تكاليف الإنتاج وتهالك الماكينات وتواضع مراحل الصباغة والتجهيز وعدم مواكبة الصيحات العالمية.. أبرز الأسباب
وكشفت الرسالة، التى أعدتها خبيرة صناعة المنسوجات الدكتورة منى أبو الخير تحت عنوان العناقيد الصناعية والنمو الاحتوائى.. دراسة تحليلية مع التركيز على صناعة النسيج والملابس الجاهزة فى المحلة الكبرى"، عن عدد من أبرز المشكلات التى تواجه صناعة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، منها انه تم اغلاق نحو 50% من مصانع مدينة المحلة خلال السنوات الماضية بسبب عدم القدرة على المنافسة سواء من جانب منتجات مصانع بئر السلم المنتشرة بالمدينة او من جانب البضائع المستوردة او المهربة التى تلقى إقبالا أكبر نظرا لتنافسيتها المرتفعة، مقابل ارتفاع تكاليف الانتاج بالمحلة الكبرى وتواضع تصميماتها وعدم مواكبتها للصيحات الحديثة وتدنى مستوى الجودة لكثير من اصناف المنسوجات التى يتم انتاجها، ما يجعل المنافسة ليست فى صالحها.
جاء ذلك فى حوار للدكتورة منى ابو الخير لـ«الاهرام الاقتصادى» تتحدث فيه عن أهم ما توصلت إليه رسالتها البحثية فى علاج أزمات مدينة المحلة الكبرى ومساعدتها على العودة لتكون رمزا لصناعة الغزل والنسيج فى مصر.
أبرز العقبات
وقالت أبو الخير إن إنقاذ مدينة المحلة الكبرى من نزيف المشكلات والخسائر التى تتعرض له يتطلب حلولا ابتكارية غير تقليدية تستند إلى تجارب الدول الاخرى التى تقدمت فى ذلك المجال، وذلك بتطويع تجربتها بما يتلاءم مع البيئة والواقع المصرى، بما يمكن من الاستفادة من ايجابياتها فى تحقيق الاهداف المنشودة منها.
وكشفت عن ان مدينة المحلة الكبرى، التى تضم نحو 625 مصنعا رسميا مسجلا، وتستوعب نحو 400 ألف عامل، وتمثل نحو 15% من صناعة المنسوجات فى مصر، لا تحمل اى علامة تجارية عالمية على الرغم من التاريخ العريق للمحلة الكبرى التى يعود تاريخ إنشاؤها لعام 1826 م، ذلك فضلا عن زيادة عدد المصانع الصغيرة والمتوسطة بها مقارنة بالكبيرة، حيث تقدر نسبة المصانع الصغيرة نحو 76%، والمتوسطة 14%، فيما تقدر الكبيرة بـ10% فقط.
وكشفت عن أنه لا يوجد اى استثمار اجنبى فى صناعة الغزل والنسيج بالمدينة، ورغم وجود السوريين وانتشارهم بشكل ملحوظ فى هذه الصناعة فى مصر الا ان مدينة المحلة وهى معقل صناعة الغزل والنسيج لم ينجذب اليها اى مستثمر سورى للعمل فى هذا المجال.
ومن ضمن المفاجآت التى انطوت عليها الرسالة ايضا –بحسب ابو الخير- ان المحلة الكبرى تستحوذ على 90% من صادرات مصر من الفوط والبشاكير، وذلك لتميزها اللافت فى هذه الصناعة اضافة الى صناعة الملابس المنزلية والرياضية، وذلك مقارنة بمختلف مصانع الجمهورية، ورغم ذلك فإن اجمالى حجم تلك الصادرات ضعيف للغاية لا يتجاوز 300 مليون دولار، من خلال نحو 60 شركة فقط، ما يجعل اجمالى صادرات مدينة المحلة الكبرى لا يقارن بصادرات شركة واحدة هندية تسمى "ويلسبن" التى تبلغ صادراتها سنويا من الفوط والبشاكير نحو مليار دولار.
واستوقف الباحثة فى رسالتها التدنى الشديد الذى تعانيه مراحل الصباغة والتجهيزات بالمحلة الكبرى، مؤكدة ان ذلك يضاف الى قائمة العقبات التى تعرقل زيادة صادرات المحلة وفتح اسواق تصديرية جديدة، وهو الامر الذى يتطلب ضرورة توجيه اهتمام كبير بهذه المرحلة باعتبارها أحد اهم مراحل الانتاج وتقديمه فى صورته النهائية.

«مصر المحلة للغزل والنسيج»
وامتدت محاولة رصد اهم مشكلات المحلة الكبرى برسالة الدكتوراه حتى بلغت شركة "مصر المحلة للغزل والنسيج"، وهى الشركة القابضة الام بالمدينة، حيث اوضحت أبو الخير ان الشركة التى من المفترض ان يكون لها دور رئيسى فى تغذية شركات المحلة بالخامات المطلوبة، الا ان ذلك لا يحدث، حيث تغطى اقل من 50% من احتياجات المصانع، فى حين تضطر المصانع للاستيراد من الخارج خاصة من الهند وبنجلاديش لتغطية باقى احتياجاتهم من الغزول المطلوبة، ويرجع السبب وراء ذلك الى اقتصار انتاج الشركة على الغزول طويلة التيلة فقط فى حين يكثر الطلب على الغزول المصنوعة من الاقطان قصيرة التيلة، مشيرة الى ان عدم زراعة الاقطان قصيرة التيلة محليا يعد من اهم الاسباب وراء عجز شركة مصر المحلة عن توفير احتياجات السوق من الغزول قصيرة التيلة.
 وأضافت ابو الخير أن الشركة رغم انها تضم أصولا ضخمة من عقارات وناد رياضى ومصنع للثلج، وتضم نحو 18 ألف عامل، وعددا ضخما من الماكينات والمعدات على مساحات شاسعة من الاراضى، الا انها اصول غير مستغلة، وتعانى الشركة خسائر فادحة، وتعتمد بشكل اساسى على دعم الحكومة للحفاظ عليها قائمة، لافتة الى ان خسائر الشركة فى عام 2015 بلغت نحو 660 مليون جنيه، فضلا عن ان الشركة كانت قد اعتادت أن تحصل على جزء من المعونة الامريكية كدعم لها منذ عام 1976 اى منذ 42 عاما، لافتة النظر الى ان الحكومة تقدم لدعم شركات القطاع العام ما يقدر بـ 2.5 مليار سنويا.
وأشارت الى ان شركة المحلة للغزل والنسيج تعانى تهالك الماكينات والمعدات التى يرجع عمرها للعديد من العقود الماضية، الامر الذى يؤثر سلبا على جودة المنتج وكفاءته، فضلا عن افتقار الشركة لتحديث وتطوير التصميمات ما يجعلها تتخلف بشكل واضح عن خطوط الموضة والصيحات العالمية.
وشددت على ضرورة اعادة هيكلة شركة مصر المحلة بما يعيدها لقوتها السالفة، مقترحة ان يتم خصصتها وإسناد إدارتها لكيانات متخصصة تجيد قيادة هذه المجالات وإنجاحها، ذلك الى جانب مراعاة ألا يتم تناول ازمة الشركة بمعزل عن مشكلات مدينة المحلة الكبرى بأكلمها، مؤكدة ضرورة تبنى هذه المدينة والعمل على ايجاد حلول عاجلة لها.
العناقيد الصناعية
وأفادت أن مدينة المحلة الكبرى بهذه الصورة تختلف كثيرا عن مفهوم التجمعات والعناقيد الصناعية بتعريفها العلمى، حيث يعد الرابط الوحيد بين ذلك المفهوم وبين ما هو يجرى فى الواقع، هو تجمع المصانع مكانيا فقط، الا انه لا توجد منظومة عمل واحدة تجمعهم او دور قيادى تمثله شركة المحلة للغزل فى الربط بين هذه المصانع، ما يجعلها تختلف عن المفهوم المعروف بالعناقيد الصناعية.
 ولاحظت "ابو الخير" خلال الرسالة البحثية ايضا عدة ظواهر تؤكد مدى تدهور الحال بقلعة صناعة الغزل والنسيج فى مصر، منها هروب الشباب من العمل بالمصانع للعمل على «التوك توك»، وذلك لكونه العمل الأسهل والاسرع ربحا مقارنة بالعمل بالمصانع، الامر الذى انعكس سلبا على حاجة المصانع للعمال والفنيين، مؤكدة ان ظاهرة التوك توك من اهم ما يهدد صناعة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وهو ما أكده كثير من الصناع الذين واجهوا هذه المشكلة بالمدينة.
وأضافت أن مشكلة العمالة بالمحلة تمتد كذلك حتى تدنى مستوى الانتاج وضعف انتاجية العامل وكفاءته، وذلك نتيجة الافتقار الى مراكز التدريب المعتمدة لتأهيل الشباب للعمل بالصناعات النسيجية، لافتة الى مشكلة تعدد الجهات المسئولة عن تدريب العمالة الفنية بالمصانع، حيث تتولاه نحو 14 وزارة الى جانب الجهات الحكومة والخاصة الاخرى، الامر الذى يعوق تحقيق اهدافه ويعود بالسلب على توافر التدريب اللازم للعمال.
ولفتت الى ان نقص التدريب يمتد ايضا للنشاط التصديرى، ما يجعله من اسباب تراجع صادرات منتجات المحلة، حيث يفتقر كثير من الصناع بالمدينة للأدوات الاساسية المطلوبة للتصدير ومنها التسويق الدولى وكيفية فتح الاسواق الخارجية، والتعرف إلى احتياجات الدول الاخرى، وتعلم اللغة الانجليزية كوسيلة اساسية لاختراق الاسواق التصديرية.
كما استوقف الباحثة عدة ملاحظات سلبية بالمحلة الكبرى التى تعد معقل صناعة الغزل والنسيج تاريخيا، ومنها ان المدينة ليس بها منطقة صناعية متخصصة بمفهوم المناطق الصناعية المتعارف عليه، وهو امر يثير الدهشة عند النظر لحجم واهمية المدينة، كذلك عدم وجود اى مول تجارى لطرح منتجات الشركات اسوة بالمدن المتخصصة فى الصناعات المختلفة كدمياط الجديدة التى تضم مولا تجاريا كبيرا يعرض منتجات الشركات للبيع المباشر للجمهور.
وأشارت ابو الخير ايضا الى ان من اهم المشكلات التى تواجه مصانع المحلة الكبرى ويشتكى منها الصناع هناك، عدم توافر التمويل البنكى، حيث تحجم البنوك عن اقراض المصانع النسيجية بمنطقة المحلة الكبرى وذلك بالطبع نتيجة تدهورها وتراجعها الشديد، غير أن مساندة البنوك لهذه المصانع لتوسعها ولتحديث ماكيناتها وتطوير انتاجها امر فى غاية الاهمية لدفعها لتجاوز مشكلاتها والنهوض من جديد، كذلك لفتت الى الاعتماد على التأجير التمويلى كوسيلة مثلى لتحديث المعدات وخطوط الانتاج.
حلول وتجارب دولية
وقالت الدكتور منى ابو الخير إن علاج كل هذه مشكلات يتطلب ضرورة دراسة تجارب الدول الاخرى الناجحة فى هذا المجال، واستنباط ما يتلاءم من تجربتها مع الواقع المصرى للوصول الى حلول جديدة غير تقليدية، لافتة الى ان من اهم تجارب الدول الاخرى تجربة الهند التى قامت على تطبيق استراتيجية "ميكرو كاليستر" التى تركز على النهوض بأهم الفروع المنتجة فى القطاع والعمل على تنميته بما يمكنه من قيادة القطاع بأكلمه، وهى التجربة نفسها التى تنصح بتطبيقها فى مصر، حيث تعد صناعة المفروشات المنزلية والفوط وبعض الملابس الرياضية من اهم المنتجات التى تتميز بها المحلة الكبرى، لذلك فانه لابد من التركيز على دعم هذه الصناعة وتعزيز قدراتها التنافسية وإزالة العقبات امامها، ما يمكن من النهوض بالمدينة بأكلمها.
وأضافت ان من التجارب الدولية ايضا الصين، التى اتجهت لإنشاء مناطق صناعية متخصصة وقامت بمنح الصناع حوافز ضريبية وفقا لحجم انتاجها السنوى، ايضا تجربة تركيا التى قامت بتنظيم برامج تدريبية مكثفة للعمال وكذلك برامج لدعم الشركات بهدف التشجيع على إنشاء علامات تجارية عالمية، ايضا تمتلك تركيا منطقة مماثلة للمحلة الكبرى تسمى "دينزلى" غير انها تتميز بشكل كبير فى تصميماتها ومواكبتها للموضة فى صناعة المفروشات المنزلية.
وتابعت: من التجارب ايضا تجربة اسبانيا حيث قامت بانشاء مراكز بحوث للتاهيل للتصدير للخارج وذلك بمساعدة الحكومة والجامعات والبحث العلمى، ايضا تجربة تونس التى تتمتع بمنطقة "مونا استير" وهى منطقة صناعية متخصصة فى صناعة الغزل والنسيج غير انها تتميز بتقدم وسائل الصباغة والتجهيز والطباعة.
واضافت ابو الخير أنه من اجل النهوض بصناعة الغزل والنسيج فى منطقة المحلة الكبرى لابد من الاستعانة بالبحوث العلمية التى تتكدس بها البحوث والرسالات العلمية التى تقدم حلولا ناجزة لكثير من مشكلات الصناعة، ولكن لا يتم الالتفات اليها.
وأشارت الى ضرورة الاتجاه لزراعة الاقطان قصيرة التيلة والحد من زراعة الاقطان طويلة التيلة للوفاء باحتياجات السوق محليا والحد من استيرادها من الخارج، مشيرة الى ان مخاوف التأثير سلبا على السلالة المصرية من الاقطان الطويلة حال زراعة السلالات القصيرة، يمكن التغلب عليها بالاستعانة بما توصلت اليه البحوث العلمية فى معالجة هذا الامر، خاصة أن هناك العديد من الدراسات والبحوث تفيد كيفية تحقيق ذلك دون الاضرار بالسلالة المصرية المتميزة للاقطان.
ولفتت كذلك الى دور وزارة الصناعة والتجارة ممثلة فى مركز تحديث الصناعة لدعم مصانع المحلة الكبرى ومساعدتها على تطوير خطوط انتاجها والارتقاء بجودة الانتاج وانتاجية العامل، وهى جميعها اهداف تصب فى اختصاص اجهزة وزارة الصناعة والتى يعاب عليها عدم القيام بهذا الدور على الوجه المطلوب لانقاذ مدينة المحلة الكبرى.
 وأشارت ايضا الى دور وزارة الاستثمار فى الترويج للاستثمار الاجنبى المباشر فى صناعة المنسوجات بمحلة الكبرى، مشيرة الى ان عدم وجود اى استثمارات اجنبية باحد اهم معاقل صناعة الغزل والنسيج فى مصر ظاهرة خطيرة يجب التوقف امامها، حيث يجب على وزارة الاستثمار بحث اسباب عدم التفات المستثمرين الاجانب لهذه المدينة رغم اهميتها، والعمل على تشجيع الاستثمار الاجنبى بها وتحفيزه بالحوافز المختلفة.
وفى ختام رسالتها رأت منى ابو الخير ضرورة تركيز جهود الحكومة على اصلاح وتحديث المناطق والمدن الصناعية القائمة أولا قبل الاتجاه لإنشاء مدن صناعية جديدة، خاصة أن الحكومة بالفعل تعلن عن اقامة مدن صناعية جديدة متخصصة فى الصناعات النسيجية، مشيرة الى المدن القائمة فعلا هى مدن تحوى مليارات الاستثمارات والآلاف من العمالة وتسهم بشكل كبير فى الانتاج المحلى، الامر الذى يجعل اصلاحها له الاولوية عن انشاء مدن جديدة.