رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

13 ديسمبر 2018

مقالات

العاصمة الإدارية والشركات الأجنبية وعناصر النجاح

28-8-2018 | 15:45 894

طالعتنا الصحف أنه تم إنجاز نحو 35% من إنشاء الوزارات التى تقرر نقلها إلى العاصمة الإدارية الجديدة وبالسرعة التى يجرى بها تنفيذ المشروعات القومية فى الوقت الحالى فإنه من المتوقع أن تكون هذه المبانى جاهزة لاستقبال من يشغلها من العاملين فيما لا يتجاوز سنة من الآن.

ومن وجهة نظرى فإن قرار استبعاد العرض الذى كان مقدما من إحدى الشركات العالمية للقيام بتصميم وتنفيذ مبانى هذه الوزارات لعدم قدرتها على تدبير تمويل يسدد مستقلا: هذا القرار سليم للغاية فنحن لسنا محتاجين إلى أجانب يقومون بتصميم وتنفيذ مبان يستطيع المصريون من الشركات الكثيرة القادرة أن تقوم بهذا العمل، فأولا تنفيذنا سيكون بتكلفة أقل كثيرا من تكلفة الأجانب فى مبان نمطية مادمنا قمنا بمثلها، فالأجانب يجب ألا نلجأ إليهم إلا فيما لا خبرة لنا به مثل المحطة النووية ومثل مترو الأنفاق الخط الأول، وربما كان من الأفضل بعد ذلك زيادة مساهمة الخبرة المصرية فى تنفيذ باقى خطوط المترو، أما أن نلجأ إلى الأجانب دائما فهو إعلان للعالم كله بعدم كفاءتنا، الأمر الذى يصعب معه تصدير خبرة الهندسة الاستشارية والمقاولات إلى الخارج، وأما موضوع قرض يسدد بعد مدة ويكون هو سبب ترجيح كفة التعامل مع الأجانب فإنى أرى أنه ضار أكثر مما هو مفيد، فأنا أعمل منذ عام 1957 عندما كان الدولار يساوى أقل من أربعين قرشا مصريا، والآن فنحن نعلم أنه وصل إلى 18 جنيها، وبالتالى فإن أى قرض يسدد بعد فترة يجب أن يؤخذ موضوعه بكل تقدير وحساب، فعندما يسدد لن يكون سعر العملة الأجنبية كما هى الآن وإنما بخبرة السنوات السابقة سيضعف الجنيه المصرى وسنسدد القرض بقيمة أكبر جدا من قيمته الحالية، ولذلك أكرر أنى سعيد بقيام الحكومة المصرية باتخاذ القرار السليم بإسناد تصميم وبناء هذه الوزارات بأيد مصرية وبالعملة المصرية.

وقرأنا فى الصحف أيضا أنه سيتم اختيار أفضل العناصر من العاملين فى هذه الوزارات ليشغلوا الوزارات فى العاصمة الإدارية الجديدة وهذا أمر محمود، فليس من المعقول نقل عاملين دون مستوى الكفاءة خصوصا والكل يعلم تكدس الحكومة بعمالة زائدة وبطالة مقنعة فنقل الأكفاء فقط لنبدأ عصرا جديدا يتسم بإنقاص البيروقراطية وزيادة كفاءة العمل الحكومى يتماشى ذلك مع ما يطمع إليه الجميع من تحسين الأداء الحكومى لتسهيل تقدم مصر فى كل المجالات.

ولكن هنا تظهر مشكلة فيما سيتبع مع العاملين بالوزارات الذين لن ينقلوا إلى العاصمة الإدارية الجديدة فهل يستمرون دون عمل فى مبانى الوزارات القديمة التى تشغل مبانى كثيرة وقيمة فى وسط القاهرة أم تفكر الحكومة لإحالتهم إلى المعاش حتى إن كانوا لم يصلوا إلى السن القانونية، وفى هذه الحالة فإنها مشكلة اجتماعية يلزم التفكير جيدا فيها خلال فترة السنة القادمة.

خصوصا أنه قد أذيع أن مبانى الوزارات فى القاهرة ستصبح ملكيتها من ضمن أصول شركة العاصمة الإدارية الجديدة.

وقرأنا أيضا أن الموظفين الذين سينقلون إلى العاصمة الإدارية الجديدة ويشغلون مبانيها سينتقلون من مساكنهم إلى أماكن عملهم باستخدام القطار الكهربائى المعلق.

ومن المعروف أن تكلفة إنشاء هذه الوسيلة مرتفعة للغاية وكذلك تكلفة تشغيلها خصوصا أن الدولة مستمرة فى إجرائها الصحيح بإلغاء الدعم على الطاقة، ومن المتوقع أن يكون السعر الحقيقى لتذكرة استعمال هذا القطار الكهربائى مرتفعة للغاية فهل يتحملها الموظفون الأكفاء المنقولون إلى العاصمة الإدارية الجديدة أم نكرر نفس الأخطاء السابقة بأن يكون تسعير التذكرة فى وسيلة الانتقال هذه تسعيرا منخفضا ليناسب دخول المواطنين.

وهنا نكرر نفس الخطأ الذى عملته الحكومة السابقة فى تسعيرة مترو الأنفاق فى القاهرة التى تسبب عنها خسائر جسيمة وصعوبة سداد القروض الخاصة بالمترو وضعف الصيانة حتى كاد ينهار مترو القاهرة، وهنا تداركت الحكومة الحالية الأمر ولو بجزء بسيط من فرق التكلفة عن تسعير التذكرة، الأمر الذى فاجأ مستعملى المترو بزيادات فى إنفاقهم وتسبب فى عدم رضا عن هذا الأمر رغم أنه سليم وصحيح، ولكن هروب الحكومات السابقة من مواجهة المشكلة فى حينها ألقى بكل العبء على الحكومة الحالية، ومن هذا الدرس ماذا تنوى الحكومة الحالية أن تفعل فى حل مشكلة تسعيرة تذكرة القطار الكهربائى المعلق.

كما قرأنا فى الصحف أيضا أن الحكومة تسهل الأمور على موظفيها الذين سيعملون فى الوزارات الجديدة فى العاصمة الإدارية الجديدة، وتدرس حاليا تمكينهم من شراء وحدات سكنية من التى أقامتها الدولة بسعر منخفض عما سيباع لباقى المواطنين وتحديدا احتساب تكلفة المبانى فقط دون أرباح وإلغاء تكلفة الأرض وبالتالى يكون سعر الوحدة السكنية فى حدود نصف سعرها لباقى المواطنين، وأعتقد أن هذا ليس من العدالة فى شىء فالمواطنون كلهم سواء ويجب أن يعاملوا نفس المعاملة، فإذا رأت الدولة أن الوحدات التى تقيمها لن تكون فى متناول المواطنين، وإذا طبقت هذا الإجراء لتسهيل التملك فيكون ذلك لجميع المواطنين.

أعتقد أن هذا يمثل العدالة التى تقتضى المساواة بين جميع المواطنين، فما ذنب موظفى القطاع الخاص وأصحاب المهن الحرة والعاملين فى وزارات أخرى غير التى سيتم نقلها إلى العاصمة الإدارية الجديدة وغيرهم، ما ذنب هؤلاء فى تفضيل مجموعة مختارة من العاملين فى الدولة؟

هذه الخواطر وتناولى للقضايا المتعلقة بهذا الموضوع إنما تعكس الرغبة فى إنجاح التجربة، فقد فشلت تجربة سابقة فى نقل موظفى ثلاث وزارات هى وزارة المجتمعات العمرانية ووزارة استصلاح الأراضى ووزارة التخطيط، فقرر المهندس حسب الله الكفراوى وكان وزيرا للمجتمعات الجديدة ولوزارة استصلاح الأراضى نقل هذه الوزارات إلى مدينة السادات التى كان يجرى إنشاؤها فى ذلك الوقت، وقام فعلا ببناء مبانى الوزارات الثلاث ولم يستطع نقل أى موظف إليها (وكان هذا ما تنبأ به المرحوم الدكتور عاطف عبيد فى ذلك الوقت) وبقيت الوزارات شاغرة حتى باعتها الدولة إلى جامعة المنوفية بشبين الكوم لتستخدم أماكن لتعليم الطلبة، وكلنا نعلم أن هناك فرقا كبيرا بين مبنى وزارة ومبنى تعليمى.

أقول قولى هذا مكررا رجائى وأملى فى نجاح التجربة