رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

15 نوفمبر 2018

مقالات

أزمة الليرة التركية (1-2)

8-10-2018 | 16:53 595

يعد الاقتصاد التركى من الاقتصادات الناشئة حيث يأتى فى المرتبة الـ17 بين دول العالم من حيث الناتج المحلى الاجمالى (900 مليار دولار).كما ان اقتصاد تركيا متنوع يقوم الانتاج بغرض التصدير، ويلعب فيه القطاع الخاص دورا رائدا فى النشاط الاقتصادى، لذا فان تركيا تحتل مكانة مهمة بين دول العالم وأصبحت من القوى المؤثرة على الساحة الدولية فى عديد من الأصعدة، فهى ضمن مجموعة العشرين وعضو مؤسس فى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية وعضو فاعل فى حلف الأطلنطى (الناتو).

استطاع رئيس تركيا الحالى، رجب طيب أردوغان، تحقيق نهضة اقتصادية لبلاده منذ أن اختير رئيسا لوزراء بلاده فى مارس 2003، حيث قامت حكومته بإصلاحات مالية وهيكلية عميقة من بينها على سبيل المثال تغيير شكل العملة (الليرة القديمة) وسعر صرفها عام 2005 لتصبح ليرة واحدة جديدة تعادل دولار امريكى واحد بدلا من مليون ليرة قديمة مقابل دولار أمريكى واحد. ومنذ ذلك التاريخ، وبعد حذف 6 أصفار من سعر الليرة القديمة، انخفض سعر صرف الليرة التركية الجديدة تدريجيا حتى بلغت 3.5 ليرة جديدة مقابل الدولار لأسباب مفهومة ومبررة على مدار احد عشر عاما وقبيل محاولة الانقلاب على نظام أردوغان التى لم يكتب لها النجاح فى يوليو 2016، حيث تأثرت قيمة الليرة التركية بالأزمة المالية العالمية وكذلك مع تأثر الاقتصاد التركى بأحداث ما يعرف بثورات الربيع العربى وارتفاع حدة المعارضة فى إقليم كردستان وزيادة أعداد اللاجئين السوريين إلى الاراضى التركية.

الا ان السؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: لماذا هذا الانهيار السريع لقيمة الليرة التركية مقابل الدولار مع مطلع عام 2018 وحتى نهاية اغسطس الماضى؟

لقد انخفض سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الامريكى إلى مستويات قياسية، تقدر بنحو 50% خلال هذه الأشهر القليلة ـ مسجلة أدنى مستوى لها على الإطلاق فى نهاية أغسطس 2018 عند مستوى 6.65 ليرة للدولار الواحد مقارنة بنحو 3.75

ليرة / دولار بداية هذا العام.

وفى ضوء استمرار التدهور وعدم استقرار قيمة الليرة، حذر خبراء صندوق النقد الدولى من احتمالات تفاقم معدلات التضخم أكثر مما هى عليه الآن والبالغة نحو 18% بنهاية شهر يوليو 2018 على اساس سنوى. كذلك حذر بنك الاستثمار “جولدمان ساكس” من أن استمرار أزمة الليرة وتراجع سعر صرفها يمكن ان تتحول من ازمة عملة إلى ازمة مالية واقتصادية طاحنة تصيب النشاط الاقتصادى فى تركيا بالشلل التام.

 

الأسباب التى أدت إلى تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الامريكى.

عوامل ذات بعد سياسى:

> فقدان نظام رجب طيب أردوغان مصداقيته لدى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بسبب انفتاحه غير المدروس على قوى دولية فى الشرق خاصة مع كل من روسيا وايران وتورطه دون حساب للتوازنات الدولية فى الصراع الدائر فى سوريا.

> رغبة أردوغان الجامحة فى الاستحواذ على مزيد من السلطات بعدما قام هو وحزبه بإجراء تعديلات دستورية تسمح له بالتحول من نظام حكم برلمانى إلى نظام حكم رئاسى.

> التوتر بين كل من الإدارة الامريكية ونظام أردوغان.

 

أسباب اقتصادية:

> قيام الإدارة الأمريكية بمعاقبة النظام فى تركيا بسبب تعنته فى عدم الإفراج عن القس الامريكى بان قامت بمضاعفة الرسوم الجمركية على صادرات تركيا إلى امريكا من الصلب والألمونيوم بواقع 50% و 20% على الترتيب، بدعوى إضرارها بالأمن القومى الأمريكى تفاديا للدخول فى أى مشاكل مع منظمة التجارة العالمية.

> اتهام الولايات المتحدة بنك “خلق” التركى بمساعدة “إيران” فى خرق العقوبات الأمريكية عام 2012، خاصة مع قيام السلطات القضائية الأمريكية فى إبريل 2018، بالحكم على النائب السابق لرئيس البنك “محمد هاكان أتيلا” بالسجن لمدة 32 شهراً بعد اتهامه بخرق عقوبات “واشنطن” “على ايران” والاحتيال المصرفى والمشاركة فى الإضرار بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية بما يخول لها توقيع غرامة بمليارات الدولار على هذا البنك.

 

تداعيات تراجع الليرة على الاقتصاد التركى:

مخاوف المستثمرين من احتمال تنفيذ الرئيس “رجب طيب أردوغان” تعهداته بإخضاع المؤسسات الاقتصادية، و من بينها البنك المركزى لسلطته، خاصة مع انتقاداته المستمرة لإصرار البنك، ونتيجة مباشرة لذلك تكبدت الليرة خسائر كبيرة، وهو ما انعكس على كل من معدلات التضخم و أسعار الفائدة والعديد من المؤشرات الكلية للاقتصاد التركى:

ارتفاع معدلات التضخم ليصل إلى نحو 18% بحسب بيانات البنك المركزى التركى خلال شهر اغسطس 2018 مقارنة بنحو 11% خلال الشهر نفسه فى 2017 جراء الانخفاض الحاد فى سعر صرف العملة المحلية حيث اضطر البنك المركزى التركى لرفع سعر الفائدة إلى 24% رغم معارضة أردوغان لهذا الاتجاه وتدخله المستمر فى توجهات السياسة النقدية للبنك المركزى.

> أدى هذا التدخل فى توجهات السياسة النقدية والتراجع السريع فى سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الامريكى إلى تخبط واضح على صعيد تحديد أسعار الفائدة وسياسات البنك المركزى التركى، ما أضر بالاستثمار ويفاقم مشكلة الدين العام وفوائده بما ينعكس سلبا على عجز الموازنة وباقى مؤشرات الاقتصاد الكلى.

> انخفاض الاحتياطى من النقد الأجنبى لدى البنك المركزى التركى بسبب خروج العديد من صناديق الاستثمار الأجنبية بأموالها بعد تصفية محافظها المالية فى أدوات الدين الحكومى والبورصة التركية، فضلا عن تكالب الأفراد والمؤسسات على شراء النقد الاجنبى باى سعر واكتنازه و/أو تهريبه خارج البلاد.