رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

14 نوفمبر 2018

مقالات

«القومية للأسمنت».. وفوبيا البعد الاجتماعى

23-9-2018 | 17:15 247

الأمر كله يشكل واقعة فساد تتراوح بين شبهة التربح من المال العام، أو هو فساد رأى، وهو كذلك فساد يتعلق بالسياسات، وبالتالى نحن أمام جريمة جنائية أو إدارية وكذلك جريمة سياسية.. هذا هو حال الشركة القومية للأسمنت التى تنتظر مصيرها المؤلم والمحتوم فى الثانى من أكتوبر المقبل عندما تجتمع جمعيتها العمومية للنظر فى  التقرير «الفنى» الذى أعدته كلية هندسة القاهرة والذى أوصى بإغلاق الشركة لانعدام فرص الإصلاح، ولتنتهى بذلك قصة شركة رائدة أمضت 62 عاما فى خدمة الاقتصاد الوطنى، وكان لها دورها فى ميادين عدة بينها ما قدمته من عون فى حرب الاستنزاف ومعركة العبور العظيم فى أكتوبر 1973.

 قصة الشركة أصبحت معلومة للجميع، وقد حمل تقرير مركز بحوث التعدين بكلية هندسة القاهرة مسئولية تدهور الشركة إلى الإدارة الأجنبية التى تمت الاستعانة بها فى 2012 لإدارتها فى ضوء تقرير أعده أيضا مكتب استشارى أجنبى أوصى باتباع خطوات فنية تتعلق بالطاقة والخامات أدى فى النهاية إلى خسارة الشركة لأكثر من نصف رأسمالها فى 2013، والذى أشار التقرير إلى أن هذا كان الموعد المناسب لتصفية الشركة.. لولا اعتبارات البعد الاجتماعى.

هذا البعد الاجتماعى غل أيادى المسئولين فى قطاع الأعمال العام عن اتخاذ القرار الصواب لمدة 6 سنوات تالية تفاقمت فيها خسائر الشركة لتبلغ مليار جنيه فى الموازنة الأخيرة وحدها، ورغم ذلك استمر نحو 2400 عامل وموظف بالشركة يقبضون رواتبهم وحوافزهم الشهرية والسنوية بلا انقطاع فى مشهد عبثى لم نعد نراه فى أى اقتصاد ذى شأن حول العالم.

البعد الاجتماعى كما هو معلوم هو التعبير الدبلوماسى الذى يوفر دائما المسوغ الإدارى أو قل السياسى للتغاضى عن المعايير الاقتصادية فى إدارة الشركات العامة بذريعة الحفاظ على «حقوق» العمال بالشركات الخاسرة أو تلك الرابحة ولكنها تعانى من تكدس العمالة بما يفيض عن الاحتياجات الفعلية. وبسبب هذه الذريعة السحرية وصلنا إلى أنه من بين 121 شركة مملوكة للدولة لدينا 48 شركة خاسرة، أما الشركات الأخرى والبالغ عددها 73 شركة فلم تتجاوز جملة أرباحها العام الماضى 14.8 مليار جنيه، ويعود جانب أساسى فى هذا التدنى إلى مشكلات مرتبطة بالعمالة سواء من حيث التكدس أو من حيث الكفاءة؟!.

قضية العمالة الزائدة أو العمالة غير الكفؤة واحدة من القضايا التى ارتبطت بالقطاع العام منذ إنشائه فى الستينيات، ولكنها لم تبلغ حد الظاهرة المعوقة للإصلاح إلا فى نهاية السبعينيات وبعد سنوات من تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادى. وفى فبراير 1982 وبعد توليه السلطة بأسابيع عقد الرئيس حسنى مبارك مؤتمرا مهما لتدارس الأزمة الاقتصادية، وقد احتل القطاع العام وهمومه غالبية مناقشات المؤتمر، ورغم ظهور أصوات خبيرة وجريئة طالبت بتحرير الشركات العامة وإدارتها على أسس اقتصادية فإن الغلبة كانت لفئة المديرين فى الشركات العامة الذين كانوا أصحاب الصوت الأعلى وأصحاب المصلحة فى إبقاء الأمور على حالها، وهكذا تأجلت برامج إصلاح هذه الشركات لسنوات طويلة تالية. وعندما بدأت اصطدمنا بالمفاسد التى أحاطت بخصخصة هذه الشركات ما أفقد هذه الشركات قيمتها، وبعضها اختفى من الوجود؟!.

اليوم وفى ظل المناخ الإصلاحى الذى نعيشه تتوفر فرصة ثمينة أخرى لإصلاح أحوال الشركات العامة واعتماد المعايير الاقتصادية دون غيرها فى إدارتها وإسناد إدارتها إلى كوادر تتمتع بالخبرة والرشاد أيا كان مصدرها، وتطبيق معايير الحوكمة والرقابة المجتمعية على أدائها لتعظيم الاستفادة من أصول هذه الشركات. أما بالنسبة للعمالة، الذريعة المزمنة لإبطال أى جهد إصلاحى، فإن تجارب الدولة التى سبقتنا فى التحول نحو الاقتصاد الحقيقى توفر خبرات ثمينة فى التعامل مع هذه الظاهرة بدءا من استيعابهم فى المنظومة الإدارية الجديدة أو التدريب على أعمال أخرى أو الإحالة للتقاعد بدخل كريم أو بمساعدتهم على إنشاء مشروعهم الخاص وحلول كثيرة أخرى. الجانب الإيجابى فى الأمر يكمن فى انخفاض عدد العاملين بالقطاع إلى نحو 820 ألف عامل مقابل 870 ألفا فى 2014 وهى إعداد لا تقارن بما كنا عليه فى بداية التسعينيات حيث كان عدد عمال وموظفى القطاع العام يناهز 1.5 مليون.. الكل فى انتظار كيف ستتصرف الدولة فى مسألة «القومية للأسمنت».