رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

15 نوفمبر 2018

مقالات

جلال أمين.. والاستثمارات الخطرة !

8-10-2018 | 16:51 214

كان الخبير الاقتصادى الدكتور جلال أمين، الذى رحل عن دنيانا قبل أيام، بين هؤلاء الذين يعتقدون أن النظريات الاقتصادية لا تكفى وحدها لإدارة الحياة الاقتصادية، وأن علم الاقتصاد لا يصح النظر إليه ودراسته إلا ضمن مجموعة العلوم الاجتماعية الأخرى. ربما من أجل هذا أطلق عليه زملاؤه وتلاميذه لقب المفكر لتعلو على صفته كاقتصادى، رغم حصوله على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد من إنجلترا ومن الكلية التى يتخرج فيها قادة الأعمال والشركات فى أنحاء العالم.

 هذا المفهوم الشامل لدور الاقتصاد وحدوده أخذ يتوارى خلال العقود الثلاثة الأخيرة بفعل سيطرة أهل اقتصاد السوق ومدرسة شيكاغو التى تؤمن بالحرية المطلقة وبأن الأسواق قادرة على تصويب نفسها، إلا أن الحديث عاد مجددا فى الغرب عن أزمة "الفكر الاقتصادى" وضرورة الحد من الإفراط فى الاعتماد على قوانين السوق وحدها فى اقتصادات الأمم، ولاسيما بعد أن فشلت هذه القوانين فى مواجهة أول اختبار جدى لها والمتمثل فى الأزمة المالية العالمية التى انفجرت فى سبتمبر 2008 حيث دفعت الحكومات دفعا لإنفاق مئات المليارات من الدولارات لتجنيب البنوك والشركات العملاقة خطر الإفلاس الحتمى.

غير أن النجاحات البارزة التى تحققت بفعل تطبيق مفاهيم العولمة وانفتاح الأسواق على بعضها وتذليل العقبات "غير الاقتصادية " التى تواجه انسياب السلع والخدمات والاستثمارات بين الدول مازالت قوة دفع لا يستهان بها لتعزيز الإيمان بسياسات العولمة والأسواق الحرة. ولاشك أن أى دولة تبحث عن تحقيق نمو سريع ومستدام تضع نصب أعينها الصين نموذجا وكذلك دول جنوب شرق آسيا وحتى الإمارات الخليجية فى غرب آسيا التى حققت نجاحات تنموية ماثلة للعيان جراء فتح أسواقها على العالم وتبنيها قواعد اقتصاد السوق.

على الجانب الآخر فإن التذمر الشعبى فى الغرب جراء برامج التقشف الثقيلة التى اعتمدتها الدول الأوروبية لإعادة الاتزان لأحوالها المالية أدى إلى طرح الأمر من جديد ليس فقط على المستوى الفكرى والأكاديمى بل عبَّر عن نفسه سياسيا فى صعود اليمين المتطرف والأحزاب اليسارية للمشاركة فى الحكم. وكان لهذا الصعود أثره الواضح فى إعادة فرض قيود على التجارة ونقل الاستثمارات والأموال، بل وصل الأمر إلى التلويح بالانسحاب من الاتحاد الأوروبى كما هدد برلمانى إيطالى الأسبوع الماضى.

القضية إذا مثارة حول العالم وكان جلال أمين واعيا لها وبين الداعين لعدم إغفال أو الاستهانة بالآثار الاجتماعية والسياسية التى تنتج عن إطلاق قوى السوق لتتحكم فى كل شئون الاقتصاد رغم الإغراءات الواضحة والنتائج السريعة على صعيد النمو  التى يمكن أن تسفر عن الاستثمارات المضاربة.

وخلال الأسابيع الماضية أثار الإعلان عن بيع عدد من الفيلات والوحدات السكنية فى الساحل الشمالى بأسعار تزيد على 100 مليون جنيه فزع كثير من دوائر النخبة وتصدت شخصيات عامة وكتاب مرموقون بالنقد والتحذير بعد أن هالتهم ضخامة الأسعار، وهالهم أكثر أن هذه الوحدات قد نفدت؟!.

رئيس الشركة الخليجية المالكة للمشروع دافع عن أسعار وحداته، مؤكدا أنه يقدم فيلات متميزة وخدمات متطورة توفر حياة تلبى احتياجات نفر من المصريين والعرب، مشيرا إلى أن مبيعاته تتراوح بين 1500 و2000 وحدة سنويا، ومؤكدا أن العائد على استثماراته فى مصر مجز له وللاقتصاد المصرى فى آن واحد.. وقد كانت هذه هى الرؤية النابعة من المتشبعين بآراء مدرسة شيكاغو المنشئة للعولمة فى بداية الثمانينيات.

على الجانب الآخر حذر اقتصاديون من أثر هذه الأسعار الجديدة فى هيكل أسعار العقارات فى السوق، مؤكدين أن هذه التصرفات تمثل تضخيما غير صحى فى الأصول يمكن أن تنتج عنه مخاطر عديدة ، فيما اعتبر خبراء العقارات أن هذه الأسعار المبالغ فيها تمثل تناقضا مع حالة الركود التى تشهدها المبيعات العقارية حاليا، وتساءل آخرون عن قدرة المشترين على إعادة بيع هذه الفيلات "الغالية" إذا ما رغبوا فى ذلك، منوهين بأن الفشل فى "تسييل" هذه الأصول يعزز الانتقادات الموجهة للأسواق المصرية بصعوبة الخروج منها!!.

وتمشيا مع رؤية جلال أمين فإن قراءة اقتصاديات المشروع الخليجى على الساحل الشمالى فى ضوء علم الاجتماع والنفس والسياسة يمكن أن تفضى إلى مزيد من القلق والوساوس، فالاستثمارات عقارية وغير عقارية مطلوبة بشدة لتحقيق التنمية غير أن الاستثمارات الخطرة يتعين تجنبها.