رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

15 نوفمبر 2018

مقالات

البيع بالتقسيط.. غياب التنظيم والرقابة

22-10-2018 | 14:19 480

حرص الدول بمختلف نظمها القانونية على حماية مواطنيها وتنظيم أسواقها، سواء كان ذلك فى مجال التجارة والخدمات من خلال قوانين حماية المستهلك والأجهزة الرقابية التى قد تنشأ لهذا الغرض أو فى مجال الأنشطة المالية مثل البنوك والتأمين والتمويل العقارى والتمويل متناهى الصغر وذلك بواسطة هيئات إشراف تنشأ لهذا الغرض مثل البنك المركزى والهيئة العامة للرقابة المالية فى مصر.

إلا أن النشاط الذى طرح للنقاش مؤخرا وصدرت بشأنه بعض القرارات من البنك المركزى تتعلق بإقراض المنشآت التى تمارسه “البيع بالتقسيط”، فهو من جانب نشاط تجارى يقدم سلعة أو خدمة وإن كان البائع يتقاضى المقابل المالى على مدى فترة زمنية من خلال سداد المشترى لأقساط، ومن جانب آخر يعده البعض إحدى صيغ منح التمويل الاستهلاكى من البائع للمشترى بما يتيح له السداد الآجل.

لذا نجد أن الدول تختلف فى تعاملها مع تنظيم “البيع بالتقسيط”، ويقصد بالتنظيم إصدار قانون أو أى أداة أخرى من أدوات التشريع مثل اللوائح أو القرارات الصادرة من جهة رقابية لها اختصاص قانونى. وجاء التعامل الأقدم والأوسع انتشارا مع “البيع بالتقسيط” ضمن نصوص القانون التجارى المعمول به فى العديد من الدول ومن بينها مصر، سعيا لحماية البائعين والمشترين وحفظ حقوقهم.

فعلى سبيل المثال، تضمن قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999 على أنه إذا لم يدفع المشترى أحد أقساط الثمن المتفق عليه فلا يجوز الحكم بفسخ البيع إذا تبين أنه قام بتنفيذ 75% من التزاماته. وكذلك ألزم البائع فى حالة الحكم بفسخ البيع برد الأقساط التى قبضها بعد استنزال ما يعادل أجرة الانتفاع بالمبيع، بالإضافة إلى تعويض عن التلف الذى لحقه بسبب الاستعمال غير العادى. وأكد القانون أن الاتفاق على حلول الثمن بأكمله عند عدم دفع أحد الأقساط فى ميعاد استحقاقه لا يكون نافذا إلا إذا تخلف المشترى عن دفع قسطين متتاليين على الأقل. كما سعى لحماية حقوق البائع بالنص على أنه لا يجوز للمشترى التصرف فى المبيع قبل أداء الأقساط بأجمعها إلا بإذن مكتوب من البائع، وكل تصرف يجريه المشترى بالمخالفة لهذا الحكم لا يكون نافذا فى حق البائع إذا أثبت علم المتصرف إليه وقت إجراء التصرف بعدم أداء الثمن بأكمله.

وفى هذا المجال فضل عدد من الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة أن ينصب الاهتمام على حماية حقوق العميل من خلال وضوح شروط التعاقد وإظهار ثمن البيع النقدى منفصلا عن عبء التمويل. ويمتد التنظيم فى بعض الحالات إلى السداد المعجل وآليات الشكوى وصولا إلى أساليب التحصيل وكيفية التعامل مع العملاء.

وعلى النقيض هناك دول قليلة رأت أن “البيع بالتقسيط” يعد نشاط “تمويل استهلاكى” لذا مدت نطاق التنظيم إلى وجوب الترخيص المسبق للمنشأة التى تزاول النشاط وفقا لشروط محددة، ومنها بريطانيا من خلال هيئة السلوك المالى المماثلة للهيئة العامة للرقابة المالية فى مصر، كما أصدرت السعودية تشريعا ينظم البيع بالتقسيط والترخيص لمن يزاوله من خلال وزارة التجارة. وفى المنتصف بين اشتراط الترخيص أو الاقتصار على تنظيم العلاقة مع العميل، نجد اليابان لديها تشريع يتناول فى الأساس الوساطة فى البيع بالتقسيط (من خلال بطاقات مثلا) ووجوب الترخيص لمن يمارسها، أى أن المقسط ليس البائع وإنما شركة وسيطة تسمح بتقسيط منتجات تم شراؤها من أطراف أخرى.

هذا وحرصت التشريعات التى نظمت هذا النشاط بصورة ما تتجاوز عقد البيع، على وضع شروط لدخول المعاملة ضمن نطاقها ومن أهمها نصاب مالى معين لقيمة المبيع، وأن يكون البيع على أكثر من قسطين خلال فترة محددة، كما أخرجت بعض عقود البيع من نطاقها مثل العقارات.

وربما يغيب عن الغالبية العظمى من الشعب المصرى ومن ضمنهم عاملون فى المجال التجارى أنه صدر فى مصر القانون رقم ( 100 ) لسنة 1957 بشأن البيوع التجارية خصص الباب الثالث له للبيع بالتقسيط. حيث اشترط على من يزاول البيع بالتقسيـط ألا يقل رأسمالـه عن ثلاثة آلاف جنيه وأن يثبت فى كل وقت أن رأسماله العامل لا يقل عن هذا المبلغ. كما اشترط على البائع بالتقسيط - أن يستوفى نقدا من المشترى 20% على الأقل من ثمن السلعة المبيعة، ونص على ألا يقل القسط عن جنيه شهريا، ولا يجوز أن تزيد مدة التقسيط المتبقى من ثمن البيع على سنتين من تاريخ عقد البيع.

وفى حال التوافق على أهمية تنظيم “البيع بالتقسيط” أو تحديث تشريعاته، تتوجب الموازنة بين عدة أهداف ترتبط بحماية المشترى وعدم تحميله التزامات مالية تفوق طاقته والحفاظ على حقوق البائع مع مراعاة تبسيط الإجراءات وعدم المغالاة فى اشتراطات قد تصطدم بالواقع المصرى. حيث يجب أن نأخذ فى الحسبان الانتشار الكبير لنشاط التقسيط فى جميع المدن والقرى وصعوبة مراقبته كل منشأة تمارسه، كذلك لدينا إشكالية فى مصر مع إثبات الدخل وتطبيق قاعدة صماء بتناسب القسط مع الدخل ويضاف إلى ذلك النتائج المترتبة على استخدام الاستعلام الائتمانى (iScore) ومنع التقسيط عن العميل ذى التصنيف غير المنتظم بدلا من أن تكون نتيجة الاستعلام استرشادية فقط، على غرار ما هو مطبق فى نشاط التمويل متناهى الصغر.