رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

15 نوفمبر 2018

مقالات

الجامعات.. وأوهام التعليم المجانى

14-10-2018 | 18:12 184

لدينا نحو ثلاثة ملايين طالب يدرسون بالجامعات والمعاهد العليا موزعين على 63 جامعة وأكاديمية فضلا عن 158 معهدا متوسطا وعاليا. الغالبية الكاسحة من هؤلاء الطلاب يدرسون فى الجامعات الحكومية التى وصل عددها إلى 27 جامعة، ويبلغ عدد أعضاء هيئات التدريس بها نحو 122.500 بين أستاذ ومدرس ومعيد ومعهم عدة أضعاف هذا الرقم من الموظفين الإداريين والفنيين، وقد بلغت موازنة وزارة التعليم العالى بعد زيادتها نحو 31.6 مليار جنيه وفقا للموازنة المنتهية فى 2017، وتلتهم الأجور وما فى حكمها النسبة الكبرى من هذه الموازنة وما يتبقى للإنفاق على العملية التعليمية فى 450 كلية حكومية وهو مبلغ لا يكاد يذكر.. من هنا يجب أن نبدأ النظر إلى أزمة التعليم الجامعى فى بلادنا وكل ما يتمخض عنها من تبعات وعواقب.

 ما دعانا إلى البحث فى هذا الملف القديم الجديد دعوة الدكتور مصطفى الفقى الدبلوماسى القديم والمفكر الأسبوع الماضى إلى ضرورة إعادة النظر فى مجانية التعليم الجامعى وأن يقتصر الإعفاء من المصروفات على المتفوقين فقط، وذلك كى يمكن توفير التمويل الضرورى لتطوير الجامعات الحكومية بما يناسب العصر، وبما يناسب السمعة التى كانت تتمتع بها هذه الجامعات حتى ستينيات وربما سبعينيات القرن الماضى.

وبعد أن استطرد الدكتور الفقى فى شرح ما آل إليه التعليم الجامعى الحكومى والحالة المتردية التى أصبح عليها الخريجون شدد على أن التعليم العالى المجانى لم يعد موجودا فى أنحاء العالم بما فى ذلك الصين التى لا يزال يحكمها نظام شيوعى.. وهذا صحيح ربما باستثناءات قليلة فى فرنسا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية الثرية التى توسعت كذلك فى الترخيص للجامعات التى تطلب من الدارس المقابل المادى المناسب لالتحاقه وتمتعه بالخدمات التعليمية التى توفرها.

القضية قديمة وهى مقتولة بحثا وتحذيرات الخبراء من تدهور التعليم الجامعى نسمعها ونقرأ عنها منذ سبعينيات القرن الماضى، لكن القرار لا يجرى اتخاذه للأسباب المعروفة، والتى تتلخص فى ثوابت وضعت فى أزمان سابقة وفى ظروف معينة ولم تعد قائمة الآن. وإذا كان شعار التعليم كالماء والهواء قد طرح من قبل ثورة يوليو 1952 فإن المقصود به هو التعليم الإلزامى ولم يكن يطبق على الدراسة الجامعية التى كانت تتطلب مصروفات إلى أن جاءت الثورة وألغتها ليصبح التعليم مجانا بكل مراحله وذلك ضمن مساعى الثوار للتقرب من أبناء الشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف طبقاته حيث كان العدل الاجتماعى المفتقد واحدا من أسباب قيام ثورة يوليو كما يعلم الجميع.

الآن وبعد مرور قرابة سبعين عاما من الإجراءات «الثورية» فإن كثيرا من التطورات والمتغيرات طرأت علينا وعلى العالم كله وأصبحت هناك أفكار جديدة وسياسات، كما أن الاكتشافات العلمية والتطورات التقنية أفرزت وسائل إنتاج مختلفة ظهرت معها وظائف جديدة واندثرت أخرى بما فى ذلك مفهوم التعليم الجامعى نفسه الذى أصبح مستقبله محل شك «قبل أيام أعلنت شركة جوجل العملاقة أن حصول المتقدمين لشغل وظائفها على شهادة جامعية لم يعد شرطا للالتحاق بها» وكذلك الحال فى آلاف الشركات حول العالم.

الدنيا تغيرت وكذلك الأعمال والأنشطة المهنية، وقد انعكست هذه المتغيرات على المناهج الدراسية وأحوال الجامعات، فلم يعد شرطا للمتقدمين إلى الوظائف الهندسية مثلا أن يجهد الطالب نفسه وأهله والأساتذة وإنفاق سنوات طويلة فى تعليم علوم الهندسة وإنما استعيض عن ذلك بدراسة برنامج «كورس» أو عدة برامج دراسية قصيرة تؤهله لاحتياجات الوظائف الجديدة التى تطلبها الشركات.

هذا لا يعنى بالطبع أن التعليم الجامعى سيندثر وإنما يشير إلى أن أعداد ما تحتاج إليه أسواق العمل من الجامعيين ستقل بصورة جوهرية وإن دور الجامعات نفسه يتغير، وأن ثمة تحولات مهمة تجرى فى سوق التعليم العالى يتعين أن نلحق بها ونواكبها.

ولأنه لاعمل ينجح بدون ضبط اقتصادياته فإن إصلاح أحوال الجامعات الحكومية ليس له سوى طريقين، إما أن تغدق الدولة من الموازنة العامة المنهكة على هذه الجامعات، وإما أن يشارك الطلاب فى تحمل نصيبهم من تكلفة التعليم حتى يمكن للجامعات تمويل برامجها الدراسية والإصلاحية، أما الاستسلام للشعارات والمزايدات السياسية فلن ينتج إلا ما ينتجه بالفعل من عشرات الآلاف من الخريجين غير المتعلمين وغير المؤهلين للمنافسة فى أسواق العمل المختلفة.. أسواق العمل التى باتت تعطى الأولوية المطلقة لشغل وظائف الشركات والأعمال لخريجى الجامعات الخاصة أو بعضها، وهذا فشل مهنى وأكاديمى للجامعات الحكومية تتحمل نتائجه الدولة.. كما أنه خطر اجتماعى أيضا!!.