رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

14 نوفمبر 2018

مقالات

هل ما زالت السياحة قاطرة التنمية؟

7-11-2018 | 17:20 700

اقترنت السياحة فى مصر منذ ثلاثة عقود ماضية بمجموعة من الشعارات التى رددها العاملون فى القطاع، فتباكى عليها البعض وهتف بها آخرون، ولكن قليلا من استطاع ترجمتها إلى الواقع، فجاءت أهم هذه الشعارات «السياحة قطاع هش» و»السياحة خير لينا كلنا» و»السياحة تمرض ولا تموت» و»السياحة تتميز بالصمود» و»السياحة قاطرة التنمية»، هذه العبارة الأخيرة التى ظلت أكثرها محل جدل واختلاف، فاستوقفتنى لأتحقق من مدى صحتها أو تحققها.

فتأملت قطاع السياحة بنظرة اقتصادية لأجده محركا أساسيا للنمو لارتباطه بعدد كبير من الأنشطة الخلفية والأمامية كالزراعة من الخضر والفاكهة واللحوم والدواجن ومنتجات الألبان والبقوليات والقطن... إلخ، والصناعات الكبيرة كالسجاد والمفروشات والسيراميك والخزف أو تلك الحرفية أو لأهمية وسائل النقل بأنواعها المختلفة، ما يسهم أساسا فى توليد قيمة مضافة للمجتمع. هذا، ويحقق قطاع السياحة دخلا للدولة من العملات الأجنبية يوفر فائضا فى ميزان المدفوعات فى حالات ارتفاع الحركة السياحية. كما أنه يتسم بكثافة العمالة، حيث تؤكد الدراسات أن كل غرفة فندقية تتيح ثلاث فرص عمل إلى جانب ما توفرها لمشروعات الترفيهية المصاحبة من وظائف جديدة عند جذب استثمارات فى التنمية السياحية، خاصة إذا ما قدمت الدولة التسهيلات فى البنية الأساسية من طرق ومطارات لدعم وتشجيع المستثمرين. ويتماشى ذلك مع ما أعلنته منظمة السياحة العالمية أنه من بين كل 10 وظائف على مستوى العالم هناك فرد يعمل فى السياحة فى 2018. كما بينت الأبحاث أن الفئات العمرية العاملة فى القطاع السياحى فى مصر غالبيتها من الشباب تحت سن 45 وأن ثلثهم تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاما، كثير منهم من أبناء الصعيد خاصة محافظات بنى سويف وقنا والمنيا لقربهم الجغرافى من المشروعات السياحية فى منطقة البحر الأحمر وجنوب سيناء التى يتركز بها ما يزيد على ثلثى الغرف الفندقية المشغلة إلى جانب فرص العمل فى المحافظات الحدودية. كل ذلك يتيح للمجتمعات المحلية الاندماج فى القطاع السياحى للذكور والإناث، فقد برهنت المرأة باختلاف مستوياتها التعليمية والثقافية على قدرتها على المشاركة فى أنشطته سواء فى مجال الحرف اليدوية أو أعمال الإرشاد السياحى أو الضيافة أو الأعمال الإدارية خاصة إذا ما توافرت بيئة العمل المناسبة من مكان إقامة ومناخ ملائم، ما يمكنها من تحقيق دخل لأسرتها والذى يمكن أن يرتفع مع تزايد أعداد الوافدين دوليا ومحليا. كل ذلك يسهم فى تخفيض التفاوت بين الدخول فى المجتمع، وفى الحد من الفقر وفى محاربة التطرف والإرهاب.

علاوة على ما تقدم، فإن السياحة فى مصر قادرة على تقديم منتج متنوع ومنافس بصورة مستدامة من خلال تطبيق استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الطاقة المتجددة والإنارة الذكية للمحافظة على البيئة فى ظل التوجهات الدولية التى تنادى بتشجيع السياحة الخضراء أو لمواكبة التطور والابتكار المعروف بالتحول الرقمى.

وعلى جانب آخر، تحقق السياحة خمسة أهداف إنمائية من السبعة عشر هدفا التى نصت عليها الأمم المتحدة وصدّقت عليها مصر وأدرجتها فى رؤيتها المستقبلية «استراتيجية مصر 2030» فيما تقدمه من خدمات ومنتجات لتمثل انعكاسا مباشرا لمستقبل التنمية وهى القضاء على الفقر، وتطبيق المساواة بين الجنسين مع تمكين الفتيات، وخلق وظائف جيدة تناسب جميع المهارات والفئات العمرية، والاستخدام المسئول للموارد من خلال ترشيد الاستهلاك للمحافظة على احتياجات الأجيال القادمة، بالإضافة إلى نشر السلام والعدالة داخل المجتمع وبين الدول المختلفة.

إذن بالفعل السياحة يمكن أن تكون قاطرة للتنمية، ولكن يصبح السؤال: ماذا ينقصها لذلك؟ فمما لا شك فيه أن تحقيق التنمية المنشودة يستلزم ارتفاعا فى الحركة السياحية الوافدة وتحسنا فى السياحة المحلية وما يرتبط بذلك من طيران ومطارات ونقل داخلى وإدارة وخدمات للمواقع الأثرية والثقافية حتى يتحقق زيادة فى الإيرادات الفعلية. كل ذلك يتطلب تقديم أفضل خدمة للسائح لنوفر له تجربة جميلة ومتميزة تنعكس إما فى تكرار للزيارة أو فى الترويج لها بصورة إيجابية. هذا بدوره يستلزم إنشاء كوادر مهنية على مستوى مرتفع من الكفاءة والمهارات للقوى البشرية العاملة سواء بتدريب الموجودين أو بإعداد الداخلين الجدد من خلال المدارس الفندقية والسياحية المتخصصة مع وضع لوائح وسياسات تحد من دخول غير المحترفين فى مهنة السياحة. كما يتعين ضرورة تعاون الحكومة مع القطاع الخاص فى توفير التمويل اللازم لتطوير الأنشطة السياحية وتحديث المنشآت الفندقية التى تأثرت خلال السنوات الثمانى الماضية فى فترة الركود السياحى نتيجة للتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى مرت بمصر أو بسبب حظر بعض الدول الرئيسية المصدرة للسياحة لمقاصدنا. كذلك تجب الاستفادة من إعادة تفعيل المجلس الأعلى للسياحة لفك أى تشابكات بين وزارة السياحة والوزارات ذات الصلة مع التنسيق بينهم فى ظل اهتمام القيادة السياسية حتى تكون السياحة أكثر تنافسية لجذب الاستثمارات ومزيد من السائحين. وأخيرا، إتاحة بيانات دقيقة لمساهمة السياحة فى النشاط الاقتصادى لإمكانية التوسع المستقبلى للمشروعات السياحية.