رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

14 نوفمبر 2018

مقالات

القمة العربية.. وثلاثة أرباع الطريق

11-11-2018 | 13:02 217

‬عدت من زيارة لبلدين شقيقين فى الخليج العربى، للمشاركة فى بعض الحوارات والمؤتمرات، وفى الطائرة التى حملتنى إلى القاهرة ازداد إحساسى بالغربة الذى تملكنى طوال الرحلة، وأنا محاط فى الطائرة العربية بمضيفات كلهن من ماليزيا، وفى خلال إقامة استغرقت أربعة أيام فى بلد وثلاثة فى البلد الثانى، نادرا ما تحدثت باللغة العربية، إلا فى المؤتمرات وقنوات التلفزيون، بل إن المضيفة فى الفندق طلبت أن أكتب بيانات الإقامة بالانجليزية، لكننى صممت على استخدام لغتى ولغة البلد، ولم أكن أسعد حظا عندما شاركت منذ سنوات فى مؤتمر كبير فى دولة عربية مغاربية، وتحدث الجميع بمن فيهم وزراء البلد المضيف باللغة الفرنسية، وعندما تحدثت باللغة العربية مشاغبا، بررت ذلك بأننى أجامل المترجمين باللغة العربية، فضجت القاعة بالتصفيق.
نقلت هذه المشاعر إلى جلسة للعصف الفكرى دعا إليها الأمين العام المساعد للشئون الاقتصادية بجامعة الدول العربية السفير كمال حسن على، ودعى فيها نخبة من الأساتذة والمفكرين وكبار المسئولين من عدة بلدان عربية لوضع تصورات لما نطلبه من القمة العربية الاقتصادية المزمع عقدها فى بيروت فى مطلع عام 2019، بإذن الله.
وقد لاحظت أن غالبية المداخلات غير متفائلة وناقدة للأوضاع العربية، ومتأثرة بما يجرى على الساحتين السياسية والأمنية فى سوريا واليمن وليبيا، وتعتمد الغالبية فى تقييمها على بيانات لا تلتفت للتطورات الإيجابية منذ قيام منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وتوقيع اتفاقية تشجيع وحماية رءوس الأموال العربية وإنشاء محكمة لفض المنازعات الناشئة عن حركة الاستثمارات. 
وفى تقييمى لأوضاع العمل الاقتصادى العربى المشترك الراهن قلت إن الجميع يتمنى الوصول إلى قيام (السوق العربى المشترك)، ويعنى ذلك تحرير أربعة عناصر:
> التجارة فى السلع. 
> التجارة فى الخدمات.
> حركة الاستثمار ورءوس الأموال.
> حركة العمل والأفراد عبر الحدود (ما يسمى بالحرية الرابعة).
ولقد تم تحرير تجارة السلع تماما، وألغيت رسومها الجمركية، وربما تحتاج إلى المتابعة لإزالة بعض المعوقات الفنية وغير الجمركية، وتخطى نقص المعرفة بأصول قواعد المنشأ التفضيلية فى التجارة العربية، وأيضا تخطى العوائق البيروقراطية والفنية وغير الجمركية، كذلك قطعت التجارة فى الخدمات خطوات واسعة فى التحرير، ونشاهد فى شوارعنا أسماء الكثير من البنوك العربية المشتركة والمؤسسات السياحية والعقارية، ونأمل فى المزيد.
وأحرزت حركة رءوس الأموال تقدما كبيرا نتيجة عقد اتفاقية لتشجيع وحماية رءوس الأموال العربية، وإنشاء محكمة لفض منازعات الاستثمار فى نطاق الجامعة، كذلك أدت كارثة الأسواق العقارية العالمية سنة 2008 إلى زيادة محسوسة فى رءوس الأموال إلى ملاذات آمنة فى الدول العربية المستقبلة للاستثمار، لكن يحد من التوسع فى انتقال رءوس الأموال بين البلدان العربية، مقدرة أسواقها على استيعاب أحجام كبيرة للاستثمار مقارنة بالأسواق العالمية فى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، ويعنى ذلك أننا قطعنا نحو ثلاثة أرباع طريق السوق العربى المشترك. 
وتبقى حركة الأفراد وحرية العمل مقيدة بصورة تؤثر على مسارات التحرير الأخرى، ومن اللافت أن ما يجرى من التحرك المسموح به حاليا للأفراد، خلق طلبا على خدمات النقل والمواصلات والبنوك والسياحة، أثر بالإيجاب فى خلق تجارة بينية فى الخدمات تتفوق أحيانا على التجارة فى السلع، غير أن المخاطرة الكبرى تكمن فى عدم إعطاء العمالة العربية الأولوية المناسبة، رغم أن هناك قرارات عربية تاريخية تطالب البلدان الأعضاء بتعريب الوظائف، لأن العمالة الآسيوية بلغت من الضخامة بحيث صارت تزيد على تعداد سكان بعض البلدان الأصليين، وهو ما يهدد الهوية العربية.
ولما درسنا تفاصيل التجارة البينية العربية وأسباب عدم مواصلتها الزيادة بشكل كبير، فقد تبين أن من أهم أسباب ذلك هو أن الكم الأكبر من الصادرات يتركز فى البترول ومنتجاته، كما أن 70% من واردات الدول العربية هى من سلع لا تنتج عربيا وتدور حول ثلاثة بنود أساسية:  الآلات، حيث ينبغى أن تبدأ الدول المنتجة للمنسوجات كسوريا ومصر وتونس والمغرب فى التفكير فى إدخال صناعة آلات الغزل والنسيج والتوسع فى صناعة الملابس الجاهزة. 
وسائل النقل والمواصلات، فإلى الآن لم نفكر فى إنشاء ترسانة بحرية لإنتاج ناقلات النفط فى منطقتنا التى تحتل مكان أكبر حائز ومصدر للبترول والغاز، كما لم ننجح فى بناء قاطرة أو شاحنة أو سيارة عربية بالتعاون مع إحدى الدول الرائدة فى هذا المجال.
الغذاء، حيث ما زال العالم العربى يستورد أكثر من 60% من احتياجاته الغذائية، على الرغم من وجود بلدان ذات إمكانيات فى التوسع الزراعى كالسودان ومصر وسوريا والمغرب. 
وبالتالى فإن إمكانية مواصلة تنمية وتطوير العلاقات التجارية البينية العربية ستتوقف على توجيه الاستثمار نحو المجالات التى توفر المزيد من السلع التى تشكل أغلب الواردات العربية، وقد تبنت القمة الاقتصادية فى الكويت 2009، وما بعدها، الدعوة للاستثمار فى مشروعات للبنية الأساسية والصناعية والزراعية. 
نخلص من ذلك إلى توصيات محددة نرفعها للقمة العربية المرتقبة:
التذكير بقرارات القمم العربية حول تعريب الوظائف فى الأسواق العربية وإدراك مخاطر التوسع فى استخدام العمالة الأجنبية.
دعوة السادة وزراء العمل العرب لدراسة تحسين أوضاع ومعاملة العمالة العربية، والتوصية بالاتفاق على نموذج عقد عمل عربى موحد يضمن حقوق الأطراف.
توجيه السادة وزراء الداخلية العرب لدراسة ومحاولة محاكاة نظام الانتقال بين دول الاتحاد الأوروبى، والبدء فى تسهيل المرور والدخول والإقامة، ليبدأ بحملة الجوازات الرسمية والدبلوماسية وأعضاء جهاز الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والمنظمات المتفرعة عنها، والمتعاقدين بعقود قائمة، ورجال الأعمال وأعضاء اتحادات التجارة والصناعة. 
إنشاء جهاز فنى بالأمانة العامة لجامعة الدول يتولى متابعة تنفيذ القرارات والتوصيات ويجرى تأهيله بالخبرات اللازمة التى تمكنه من أن يصبح جهازا للخبرة وإبداء المشورة فى القضايا الفنية والخلافية التى تنشأ نتيجة لمعاملات التجارة والاستثمار.