رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

14 نوفمبر 2018

مقالات

العزيمة الألمانية التى هزمت الهزيمة

11-11-2018 | 13:02 125

فى ذكرى عودة وحدة الألمانيتين فى الثالث من أكتوبر لست أدرى تحت أى مسبب استدعت الذاكرة حدثا تاريخيا لم تمحه الأيام مضى عليه أكثر من سبعين عاما: زمانه نـهاية الحرب العالمية الثانية واستسلام ألمانيا النازية فى 8/5/1945، مكانه مدينة أيسن بالقرب من دوسلدورف، موقعه المقر الرئيسى لمصانع كروب للصلب، حيث المكابس والمسابك وآلات التشغيل الشامخة التى تخصصت فى صناعة المدافع العملاقة وإنتاج الصلب الممتاز الخاص بهذه الصناعة، وكان المشهد: دمارا شاملا فى الأبنية والخرائب فى كل مكان إلا أن الآلات والمعدات بقيت سليمة وشامخة تنطق بعظمة الصناعة الألمانية لا ينقصها سوى عمالها الذين تشتتوا ولم يبق منهم أحد، وفى جانب من المشهد إعلان مكتوب على ورقة داخل حافظة بلاستيك معلق على باب المصنع المغلق عبارة عن دعوة لعمال مصانع كروب للعودة إلى العمل، مع الإحاطة أن المصنع غير قادر على سداد أى أجور للعمال، وأن العودة للعمل سيقابلها وجبتا طعام يوميا.

وللعجب الشديد أتى جميع عمال المصنع فى اليوم التالى على بكرة أبيهم يرتدون ملابس العمل الزرقاء مصطحبين معهم ما أتيح من الأبناء والبنات فى سن العمل لينضموا للكتيبة العمالية المخلصة لمصنعها العريق الذى يمثل وطنهم الأصغر، وذلك كأول تجمع لإرادة شعبية عمالية تسعى للنهوض بالوطن الأكبر ألمانيا الراكعة تحت وطأة وثيقة الاستسلام الموقعة دون قيد أو شرط. صدر فى اليوم نفسه من إدارة المصنع أول أمر تشغيل لقسم المكابس والتشكيل الآلى، يقضى بإنتاج أعداد من أطباق الطعام المصنوعة من الصاج تخصص لأكل العمال لزوم وجبتى الطعام التى تمثل الأجر اليومى لكل عامل.

بذا نرى أن العزيمة الألمانية تفوقت على هزيمة الحرب العالمية الثانية وسبقت المنتصرين عليها خلال خمسين عاما، وكيف نجحت إرادة الشعب الألمانى فى هزيمة الهزيمة ليس بالمقياس العسكرى وإنما بمعيار التقدم الصناعى وإطلاق آليات الاقتصاد لتتدافع بالمناكب وتسبق الآخرين.

وما أحوجنا فى مصر بعد أن هزمنا هزيمة النكسة عسكريا بنصر أكتوبر، فى ألا نتوقف عند هذا النصر العسكرى ونعده كان كافيا لاستعادة الشرف وصيانة العرض، إذ إن الشعوب هى صانعة التطور والحضارة وعودة الروح بعد كل كبوة، وعلينا أن نجعل من إرادة الشعب المصرى فى الانتصار فى كل من معركة السلام وما بعدها معركة بناء الدولة والتفوق اقتصاديا وإنتاجيا لنتقدم بذلك الصفوف، وتأخذ مصر مكانتها التى تستحقها بين الدول. وهو أمر ليس بعيد المنال إذ إننا نملك أدواته وآلياته وبقى أن نأخذ بعزم الأمور.

كلى أمل وتفاؤل فى أن مصر ذات الماضى العريق حيث سجل لها أنها كانت أول دولة عرفها العالم ذات سيادة ولها ملك يحمل تاجا ولها جيش نظامى وقوانين مكتوبة وشرطة نظامية وسجلات للمعاملات من بيع وشراء وزواج ومواريث ولها إحصاءات للبشر وللحيوانات، أيضا ناهيك عن نظام ضرائبى قبل سبعة آلاف سنة من الآن سبقت به العالم. هذه الدولة العظيمة قادرة على صناعة مستقبل أفضل لأبنائها ليضعهم فى مكانهم الصحيح تحت الشمس.

وليعلم رجال الصناعة والاقتصاد أن ما حققته الدولة لهم من مكاسب فى المرحلة السابقة كلفها المليارات بمعيار المال وعشرات السنين بمعيار الزمن، كان من أبرز ملامحها تأمين البنية الأساسية الصناعية من مدن صناعية وطاقة كهربائية ومرافق واستيعاب لتكنولوجيات متقدمة وانطلاقة لمنظومة الجودة واتفاق مصالح أصحاب الأعمال مع عمالهم الذين لا ينكر الفضل لهم فى القدرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة الوافدة، وما لذلك من أثر مباشر فى بناء القدرة التنافسية للمجتمع المصرى عبورا به لأسواق التصدير وتحقيق أرقام واعدة بالتنامى فى منظومة لا يجوز لها بأى حال من الأحوال أن تتراجع أو تتوقف لأن فى ذلك تهديدا مباشرا للمصلحة العليا للاقتصاد المصرى.

تحية خالصة نرسلها للشعب الألمانى الذى تمسك بقيمة العمل وأعلى من شأنه.. وتحية للقيادة السياسية فى مصر وألمانيا التى ترعى العلاقات المصرية الألمانية بكل عزيمة وإخلاص.