رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

15 نوفمبر 2018

مقالات

الفساد بين هندوراس والبرازيل

7-11-2018 | 17:19 39

عماد غنيم

تفشى الفساد وعم الفقر، ففر أهل هندوراس، أفقر الدول فى أمريكا الوسطى، فى طوابير باتجاه الحدود الأمريكية، أغنى بلاد العالم. واستشرى الفساد فى البرازيل أغنى دول أمريكا اللاتينية فتراجعت مستويات المعيشة ليذهب الناس للتغيير عبر صناديق الاقتراع ويضعوا فى السلطة يمينيا متطرفا يلوح بسياسات منذرة بالخطر على أهل البلاد وعلى العالم، وليتحول نصف الكرة الغربى بسرعة إلى محط أنظار مختلف وسائل الإعلام لتتوارى الأزمات التقليدية من القلاقل فى أوروبا والشرق الأوسط والمهاجرين غير الشرعيين عبر المتوسط فى ذيل النشرات وأحاديث السياسة فى الإعلام العالمى.

300 ألف هندوراسى يتجهون صوب الولايات المتحدة سيرا على الأقدام عبر جواتيمالا والمكسيك، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب لاتخاذ قرار غير مسبوق فى التاريخ الحديث بنشر الجيش الأمريكى على الحدود مع المكسيك لمواجهة جحافل الفقراء الذين يعتزمون اقتحام الحدود عنوة، بينما تسجل عدسات الكاميرات ما يجرى لحظة بلحظة، وتنقل وسائل الإعلام معاناة المهاجرين الذين يرفضون ركوب الحافلات التى تعرضها عليهم السلطات المكسيكية خوفا من إعادتهم إلى بلادهم مرة أخرى، وحين سأل صحفى أحد المهاجرين سيرا على الأقدام عما سيفعله مع الجنود الأمريكيين الذين ينتظرونهم على الحدود رد بيأس: أيا ما سيحدث فهو أفضل من البقاء فى بلادنا! يبلغ عدد سكان هندوراس أقل من 8 ملايين نسمة فيما يبلغ الناتج المحلى الإجمالى نحو 32 مليار دولار بمتوسط دخل سنوى للفرد يدور حول 4 آلاف دولار، غير أن سيطرة عدد من الشركات المرتبطة بالولايات المتحدة على الحياة السياسية ونشرها للفساد أدى إلى سوء الإدارة وخلل فاضح فى توزيع الدخل عم معه الفقر لدى أغلب السكان.

البرازيل على النقيض من ذلك، فالناتج المحلى بها بلغ 2.2 تريليون دولار العام الماضى وهى بذلك تعد ضمن أكبر 10 اقتصادات فى العالم، وسكانها الذين يزيد عددهم على 200 مليون نسمة يعيشون على أراض تمثل ثمن مساحة العالم، وهى تقليديا دولة مهجر لأراضيها الشاسعة ومواردها الطبيعية الهائلة، وعقب انتهاء حكم الجنرالات فى عام 1984 نجح تكتل من الأحزاب اليسارية بقيادة ماسح أحذية ونقابى متطرف سياسيا فى تحقيق معدلات نمو مستمرة وباهرة قفزت بالاقتصاد البرازيلى إلى المرتبة السادسة عالميا، وذلك بعد أن تخلى طوعا عن أفكاره الاشتراكية المتزمتة وانخرط فى قوانين العولمة التى استفاد منها الاقتصاد وعم الانتعاش، لكن عهد لولا داسيلفا صانع المعجزة البرازيلية لم يسلم من الفساد الذى ازداد استشراء فى عهد خليفته ديروسيف وخليفها ميشيل تامر وكلهم من حزب العمال اليسارى الذى يحكم البلاد منذ نهاية الثمانينيات. الفساد كانت له تكاليفه الباهظة على صعيد تراجع الاقتصاد وكذلك سوء توزيع الدخل ما أسفر عن زيادة مستويات الفقر صحبه بالضرورة سخط شعبى نجح اليمينى المتطرف جالير بولسونارو فى توظيفه والوصول إلى منصب الرئاسة الأسبوع الماضى، متوعدا الجميع بتبنى سياسات خطرة تجاه الأقليات والمرأة والملونين.. وبالطبع تعهد بعلاقات متميزة مع أمريكا وإسرائيل.

الأسوأ بالنسبة للبرازيليين أنه تعهد بتبنى قواعد اقتصاد السوق على طريقة مدرسة شيكاغو التى تخرج فيها مستشاره الاقتصادى ووزيره القادم باولو جيدس ( 69 عاما)، وكانت أول تصريحاته تتعلق برغبته فى خفض الإنفاق العام والسيطرة على الديون وخفض معاشات التقاعد وهو عكس ما كان يقوله لكبار السن خلال جولاته الانتخابية. سياساته الاقتصادية تتضمن برنامجا واسعا للخصخصة بما فى ذلك خصخصة شركة بترو براس وهى بين أكبر عشرين شركة فى العالم، وكانت بطلة لكثير من فضائح الفساد فى عهد دوسيلفا وخلفائه من قادة حزب العمال اليسارى.

ورغم التناقض البين بين البرازيل التى تعد رابع أكبر دولة ديمقراطية فى العالم بينما تعانى هندوراس من الديكتاتورية والتخلف السياسى، فإن الفساد يظل هو القاسم المشترك الأعظم فى الحالتين، إضافة إلى التباين الواضح فى التفاصيل.

الفساد بأشكاله المتعددة ونسخه المتطورة هو مرض العصر، وهو لا يقل خطرا على الناس حتى من الحروب والإرهاب، وهو كذلك لم يعد ظاهرة محلية يعانى منه أهله، بل هو يمتد بآثاره سريعا ليطول مجتمعات كانت تظن أنها بمنأى عن تداعياته.. الكل ينتظر مآل الأحداث عندما تصل طوابير الفارين من هندوراس إلى الحدود الأمريكية.