رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

13 ديسمبر 2018

مقالات

110 أعوام من النشاط التعاونى فى مصر

4-12-2018 | 10:19 281

شريف سامي
كاد يمر شهر نوفمبر بدون أى ذكر أو احتفاء بمرور 110 سنوات على بدء الحركة التعاونية فى مصر، ففى مثل هذه الأيام من عام 1908 ولدت أول تعاونية زراعية فى شبرا النملة بمحافظة الغربية على يد عمر لطفى بك الذى يعده الكثيرون أبا التعاون فى بلدنا. وتلا ذلك بعد عام أو أكثر قليلا تأسيسه مع طلعت حرب أول شركة للتعاون المالى، وكان ثالث المساهمين بها الأمير – السلطان فيما بعد – حسين كامل.
والتعاون نظام اقتصادى اجتماعى ديمقراطى يقوم من خلال ترابط مجموعة من الأفراد تتفق مصالحهم على أساس من الحقوق والالتزامات المتساوية للتغلب على ما قد يعترضهم من تحديات أو عقبات اقتصادية واجتماعية فى اقتصاد السوق الحر، حيث يجد هؤلاء ما يدفعهم للمشاركة فى منظمات شعبية لها شخصية اعتبارية تحقق لهم تحسن مستوى المعيشة أو زيادة دخول أو تيسير ممارستهم لأعمالهم أو توفيرا لاحتياجاتهم. والركن الأساسى للتعاونية هو حرية الانضمام لها دون تمييز، ولكل عضو صوت واحد فى اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعاونية وانتخاب إدارتها أيا كانت مساهمته المالية بها، بما يضمن له المساواة، وذلك على خلاف الشركات التجارية والمنشآت المالية.
وفى هذا الصدد أكدت الأمم المتحدة فى أكثر من قرار تبنته، أهمية التعاونيات، وأن الحركة التعاونية تعزز مشاركة البشر كافة بمن فيهم النساء والشباب والمسنون وذوو الإعاقة فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى أنها تسهم فى القضاء على الفقر وتعزيز الاندماج الاجتماعى. واختارت الأمم المتحدة عام 2012 ليكون السنة الدولية للتعاونيات، كما تحدد يوم السبت الأول من شهر يوليو ليصبح اليوم دوليا للتعاونيات.
وعلى مر أكثر من قرن، شهدت الحركة التعاونية فى مصر تفاوتا فى نشاطها وحيويتها، وإن كان يمكن بدون تقصير مخل أن نصف الفترة الممتدة حتى خمسينيات القرن الماضى بأنها الأكثر تألقا وتأثيرا، حيث ظهر أول قانون فى تاريخ البلاد ينظم النشاط التعاونى عام 1923 وكان التعاون الزراعى فقط، تلاه قانون أشمل سنة 1927 ينظم جميع أنواع التعاونيات من إنتاجية واستهلاكية وإسكانية، وأتاح لها تقديم التمويل بل خدمات التأمين حتى رأت الحكومة فى الأربعينيات أن يختص بنك التسليف الزراعى بشئون التمويل بدلا من التعاونيات.
وتلا ذلك حقبة التحول الاشتراكى وتحكم الدولة فى الاقتصاد ورغبتها فى تملك أدوات الإنتاج ما أطفأ وهج التعاونيات وحولها بدرجة كبيرة إلى امتداد للقطاع العام أو إلى كيانات تسهم فى تنفيذ الخطط الحكومية سواء فى الإسكان أو حصص ومستلزمات الإنتاج أو الزراعة المدعومة. كما تم تأميم بنك التسليف الزراعى وذلك بدون تعويض للتعاونيات عما أسهمت به، وكذلك الحال للجمعية التعاونية للبترول التى أصبحت شركة قطاع عام.
وفى مصر اليوم أكثر من 400 جمعية تعاونية إنتاجية و6600 تعاونية زراعية إضافة إلى نحو 2800 جمعية تعاون إسكانى و100 للثروة المائية هذا بخلاف أكثر من ألفى تعاونية استهلاكية، تنضوى تحت خمسة اتحادات تعاونية مركزية نوعية، ويقدر إجمالى عدد أعضائها بما يتعدى 12 مليون مواطن، وتشير أرقام الاتحاد العام للتعاونيات إلى أن حجم أعمالها يزيد على الـ 50 مليار جنيه.
وتتعدد حاليا القوانين المنظمة للنشاط التعاونى ويتوزع اختصاص الإشراف بين خمسة وزراء (التضامن الاجتماعى، الزراعة، التجارة الداخلية والتموين، الإسكان، والتعليم)، فهناك قانون للتعاون الاستهلاكى وآخر للتعاون الإنتاجى وثالث للتعاون الزراعى إضافة إلى قانون للتعاون الإسكانى، وقانون لتنظيم تعاونيات الثروة المائية، تلاه قانون تأسيس الاتحاد العام للتعاونيات وأخيرا قانون للجمعيات التعاونية التعليمية، وصدرت كلها فى الفترة بين 1975 و1990. وقد حرص الدستور فى تناوله للمقومات الاقتصادية للدولة على التأكيد أن الدولة تحمى الملكية بأنواعها الثلاثة: الملكية العامة، والملكية الخاصة، والملكية التعاونية (مادة 33)، وأن الملكية التعاونية مصونة، وترعى الدولة التعاونيات، ويكفل القانون حمايتها، ودعمها، ويضمن استقلاله (مادة 37).
ولاشك أن دولة بحجم مصر مع ما لها من تاريخ طويل فى المجال التعاونى، تستحق أن تكون أكثر نشاطا ومساهمة فى التنمية الاقتصادية وأمضى تأثيرا بعدة قطاعات. فبخلاف التوعية به وتشجيعه، هناك شبه إجماع على ضرورة إجراء مراجعة جذرية للمنظومة، تتضمن تحديث تشريعاته وربما جمعها فى قانون واحد يتناسب مع العصر والتطورات الاقتصادية إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار النهضة التشريعية فى السنوات الأخيرة التى أثمرت عن العديد من الأدوات المالية غير المصرفية من تمويل متناهى الصغر والتأجير التمويلى مرورا بالتمويل العقارى ووصولا إلى التخصيم، مع عدم إغفال دور التأمين على أعضاء التعاونيات ولحماية مشروعاتهم وأنشطتهم. وكذلك الاستفادة مما تتيحه صناديق التأمين الخاصة من مزايا توفر حماية فى حالات الشيخوخة والعجز أو الوفاة.
ويتحتم تبسيط هيكل الحركة التعاونية مع تعدد مستوياتها من القاعدة إلى القمة، وزيادة حوكمتها والتشديد على التزامها بإصدار تقارير مالية عن نشاطها وعضويتها، وفى المقابل تقليل تدخل الجهة الإدارية بها بما لا يخل من الرقابة على التزامها بالقوانين المنظمة لنشاطها والقرارات الصادرة تنفيذا لها.
ولعل من الخطوات المبشرة ما وجه به رئيس الجمهورية مؤخرا من ضرورة الاهتمام بالتعاونيات وقرار رئيس مجلس الوزراء بتشكيل مجلس أعلى للتعاون لدراسة المشاكل التى تعانى منها الحركة التعاونية، وتكون الأمانة الفنية الدائمة للمجلس برئاسة وزير التضامن الاجتماعى. وننتظر الكثير فى هذا المجال، ولاسيما مع ما عهدناه من نشاط ودأب للوزيرة غادة والى.