رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

13 ديسمبر 2018

من المجلة

في ندوة «الاقتصادي» حول انعكاسات أزمة الأسواق الناشئة على الاقتصاد المصري خبراء ومحللون: الاقتصاد المصري استعاد عافـــــــــــــــــــيته لكن ليس بمأمـن عن تداعيات الأزمة

2-12-2018 | 15:42 236

أدار الندوة : خليفة أدهم أعدتها للنشر: آمال الزياتى
>> 51 % زيادة فى مديونيات الاقتصاديات الناشــــــــــــــئة خلال السنوات العشر الأخيرة
على الرغم من أن بدايتها كانت فى دول لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، فإن تداعياتها أربكت جميع الأسواق عالميا، فأزمة الأسواق الناشئة أو "الخمسة الهشة" كما يتعارف على تسميتها استحوذت على اهتمام الاقتصاديين والمحللين حول العالم.
أسباب هذه الأزمة تعود إلى تفاقم مديونية هذه الدول التى نتجت عنها اختلالات كبيرة فى ميزان المدفوعات الخاص بها إضافة إلى تبعات القرارات العالمية المتعلقة بقرارات "الفيدرالى الأمريكى" والحرب التجارية الدائر رحاها بين أمريكا والصين، إلا أن المخاوف من انتشار تأثير هذه العدوى على الاقتصادات الخاصة بالدول النامية ومنها مصر لا يزال موضع تساؤل على جميع المستويات وسط مخاوف من تأثيرات هذه الأزمة المرشحة للتزايد بحسب تقارير عالمية.
وعلى الرغم من أن التقارير الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولى تؤكد اكتساب الاقتصاد المصرى مناعة قوية بعد برنامج الإصلاح الاقتصادى تمكنه من مقاومة أعراض هذه الأزمة، فإن مخاوف تبعات هذه الأزمة لا تزال حاضرة بقوة فى المشهد الاقتصادى المصرى.
"الاقتصادى" ناقش فى ندوة موسعة مع عدد من الخبراء والباحثين والأكاديميين مستقبل الاقتصاد المصرى فى ضوء أزمة الأسواق الناشئة، حيث أكد الحاضرون فى الندوة التى حملت عنوان "انعكاسات أزمة الأسواق الناشئة على الاقتصاد المصرى" أنه على الرغم من الأداء القوى للاقتصاد المصرى وتحسن مؤشراته بعد مرور عامين على بدء برنامج الإصلاح الاقتصادى، فإن هناك نقاط تشابه بين اقتصادات الدول التى شهدت أزمة والاقتصاد المصرى تتلاقى عند المديونية الخارجية التى لا تزال بالمناسبة تشغل بال الجميع وسط حالة من الخلاف والجدل حول خطورة حجمها من عدمه وكذلك العجز فى الميزان التجارى الذى يواجهه الاقتصاد نتيجة الاعتماد على الاستيراد رغم الإجراءات الحاسمة لضبط حركة الواردات.
واقترح المشاركون فى الندوة روشتة لضمان الحفاظ على قوة وصلابة الاقتصاد فى الوضع الحالى ومستقبلا بهدف استدامة الأداء ومنحه قدرة أعلى على مواجهة الصدمات الحالية والمستقبلية.
 
على الرغم من أن بدايتها كانت فى دول لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، فإن تداعياتها أربكت جميع الأسواق عالميا، فأزمة الأسواق الناشئة أو "الخمسة الهشة" كما يتعارف على تسميتها استحوذت على اهتمام الاقتصاديين والمحللين حول العالم.
أسباب هذه الأزمة تعود إلى تفاقم مديونية هذه الدول التى نتجت عنها اختلالات كبيرة فى ميزان المدفوعات الخاص بها إضافة إلى تبعات القرارات العالمية المتعلقة بقرارات "الفيدرالى الأمريكى" والحرب التجارية الدائر رحاها بين أمريكا والصين، إلا أن المخاوف من انتشار تأثير هذه العدوى على الاقتصادات الخاصة بالدول النامية ومنها مصر لا يزال موضع تساؤل على جميع المستويات وسط مخاوف من تأثيرات هذه الأزمة المرشحة للتزايد بحسب تقارير عالمية.
وعلى الرغم من أن التقارير الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولى تؤكد اكتساب الاقتصاد المصرى مناعة قوية بعد برنامج الإصلاح الاقتصادى تمكنه من مقاومة أعراض هذه الأزمة، فإن مخاوف تبعات هذه الأزمة لا تزال حاضرة بقوة فى المشهد الاقتصادى المصرى.
"الاقتصادى" ناقش فى ندوة موسعة مع عدد من الخبراء والباحثين والأكاديميين مستقبل الاقتصاد المصرى فى ضوء أزمة الأسواق الناشئة، حيث أكد الحاضرون فى الندوة التى حملت عنوان "انعكاسات أزمة الأسواق الناشئة على الاقتصاد المصرى" أنه على الرغم من الأداء القوى للاقتصاد المصرى وتحسن مؤشراته بعد مرور عامين على بدء برنامج الإصلاح الاقتصادى، فإن هناك نقاط تشابه بين اقتصادات الدول التى شهدت أزمة والاقتصاد المصرى تتلاقى عند المديونية الخارجية التى لا تزال بالمناسبة تشغل بال الجميع وسط حالة من الخلاف والجدل حول خطورة حجمها من عدمه وكذلك العجز فى الميزان التجارى الذى يواجهه الاقتصاد نتيجة الاعتماد على الاستيراد رغم الإجراءات الحاسمة لضبط حركة الواردات.
واقترح المشاركون فى الندوة روشتة لضمان الحفاظ على قوة وصلابة الاقتصاد فى الوضع الحالى ومستقبلا بهدف استدامة الأداء ومنحه قدرة أعلى على مواجهة الصدمات الحالية والمستقبلية.
 
>> د. هبة نصار أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية: ارتفـــــــــــــــــــــاع أسعار النفط والفائدة يؤثران على الاقتصاد
 
>> د. فخرى الفقى أستاذ الاقتصاد ومساعد المدير التنفيذى السابق بصندوق النقد الدولــــــــــــــــى: نجحنا فى خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى إلى 98 % العام الماضى
>> د. علاء زهران رئيس معهد التخطيط القومى: انخفاض أسعار الفائدة عالــــــــــــــــــــــــميا فى السنوات الماضية شجع الدول النامية على التوسع فى الاستدانة
 
>> د. محمد البنا أستاذ الاقتصاد بجامعة المنوفية: الأزمات الاقتصادية أمــــــــــــــــــــــراض تصيب الدول الكبرى وتأثرنا بها محدود
>> القطاعـــــــات الإنتاجــــــــــــية يجب أن تحظــــــــــــــــى بأولوية ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادى
 
>> مطلوب إعادة هيكلة الخريطة الاقتصادية والاهــــــــــــــتمام بالقطاعات التى تعانى من خلل فى النمو
 
بداية أكد خليفة أدهم رئيس تحرير "الأهرام الاقتصادى" أن الندوة ستتناول التطورات الاقتصادية العالمية وخاصة أزمة الأسواق الناشئة وانعكاساتها على الدول النامية وعلى وجه الخصوص الاقتصاد المصرى، قائلا: كنا نأمل أن يحقق الاقتصاد المصرى طفرة كبيرة هذا العام خاصة فى ظل التحركات الخاصة بالتشريعات القانونية والإجراءات المتعلقة بتحسين مناخ الاستثمار وتشجيع السياسات النقدية للاستثمار وخفض الفائدة، حيث كانت هناك توقعات بالمزيد من خفض سعر الفائدة خلال هذا العام، وربما انعكست أزمة الأسواق الناشئة بشكل كبير على مجرى السياسات النقدية. فهذه التطورات المتلاحقة ترجع فى الأساس إلى سحب صناديق الاستثمار العالمية لجزء من استثماراتها فى إطار إعادة هيكلة استثماراتها فى الدول النامية للاستثمار فى الدولار بعد رفع الفائدة من جانب الفيدرالى الأمريكى ووجود توقعات برفعها أكثر من ثلاث مرات فى 2019. 
بالإضافة إلى حجم استثمارات الصناديق العالمية التى يطلق عليها الأموال الساخنة المقدرة بنحو23 مليار دولار فى مارس 2018 التى تراجعت إلى نحو 14 مليار دولار مع نهاية سبتمبر الماضى أى نحو 9 مليارات دولار خرجت من السوق المصرى، ورغم ذلك فإن معدلات الاحتياطى لم تتأثر حيث بلغت 44.5 مليار دولار.
وتابع رئيس التحرير، هناك تحديات كبيرة تواجه الدول النامية، مثل الأرجنتين التى رفعت سعر الفائدة إلى 60% وتدهور الليرة التركية، حتى إن الاقتصاد الإندونيسى المشهود له بالنمو والاستقرار تعرضت عملته للانخفاض بنسبة 7% منذ يناير الماضى. 
وهنا بدأ د. علاء زهران رئيس معهد التخطيط القومى حديثه قائلا: هناك مجموعة من العوامل ساعدت على ظهور ما يعرف بأزمة الأسواق الناشئة، منها ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية، وارتفاع أسعار النفط العالمية، وحروب التجارة العالمية خاصة بين أمريكا والصين، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، والتصادمات السياسية بشكل عام. كل هذه العوامل أسهمت بشكل كبير فى حدوث أزمة الأسواق الناشئة.
وقال نرى أن الدول الرئيسية التى تأثرت عملتها هى الأرجنتين وتركيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا، وهناك مجموعة خصائص مشتركة للأسواق الناشئة أسهمت فى حدوث تلك الأزمة، منها هبوط شديد فى قيمة العملة المحلية أدى إلى ارتفاع التضخم وارتفاع فى أسعار الفائدة مع احتياطى غير كاف من العملات الأجنبية إلى جانب تنامى حجم الديون الخارجية من العملة الصعبة والاعتماد على الاستدانة من الخارج لتمويل التوسع فى القطاع الخاص، رغم وجود تحذيرات لم يلق لها بالا تتعلق بأن المستثمر الأجنبى يتعامل بحذر مع الأصول الثابتة، بالإضافة إلى تباطؤ معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى لهذه الدول، وزيادة معدلات البطالة، وهشاشة القطاع المصرفى، كما أن الهياكل الصناعية ليست بالمستوى المطلوب مع الميل نحو زيادة صادرات المواد الخام، والتركيز على القطاع العقارى. وهى أمور تتشابه فى جزء منها مع الحالة المصرية.
فارتفاع حجم الديون يؤدى إلى ارتفاع حجم التضخم وإلى ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة عجز الموازنة ما يؤدى إلى تخفيض حجم الدعم ومن ثم ترتفع الأسعار وندخل فى حلقة مفرغة ندور فيها باستمرار.
والغريب أن دول الأسواق الناشئة كانت تقترض طوال الفترة الماضية عندما كانت معدلات الفائدة متدنية ما جعلها تتسابق للاقتراض. ففى السنوات العشر الأخيرة زاد الاقتراض بـ1.5 تريليون دولار، ففى عام 2008 كانت المديونية الخاصة بالدول الناشئة 2.2 تريـــــــــــليون دولار (33.9%) طبقا لبنك التسويات الدولية زادت إلى 3.7 تريليون دولار أى زادت بنسبة 51.5%. 
والسؤال الذى يطرح نفسه الآن، هل تلك الأزمة تتشابه وأزمة 2008؟ تشير الدوريات المتخصصة إلى صعوبة التنبؤ بالأزمات الاقتصادية والمالية، لأنها أشبه بالتسونامي.
وهنا التقط رئيس التحرير خليفة أدهم طرف الحديث قائلا: كثير من الدراسات المتخصصة وخبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن الاقتصاد العالمى على أبواب أزمة مالية شبيهة بأزمة 2008 بل ربما تفوق فى تداعياتها الأزمة السابقة بسبب الأسباب التى أشرت إليها من قبل.
وعاد د. علاء زهران للحديث قائلا: عادة هناك دورية للأزمات تحدث كل عشر سنوات، ونحن لم نتأثر كثيرا بأزمة 2008 لسببين، أولهما أننا لم تكن لدينا أموال ساخنة يعتد بها، بالإضافة إلى أن وارداتنا لا تزال أكثر من صادراتنا، وعادة ما يحدث أثناء الأزمات أن تهبط الأسعار ومن ثم أستفيد من ناحية الاستيراد، كما أنه بطبيعة الحال إذا انخفضت أسعار النفط وأسعار السلع الأساسية فإن ذلك سيؤثر فى ميزان المعاملات بالإيجاب.
وانتقل الحديث إلى الدكتور محمد البنا أستاذ الاقتصاد بجامعة المنوفية حيث أكد أن الأزمات الاقتصادية مرتبطة بالدورة الاقتصادية، وتظهر بوضوح فى الدول المتقدمة، وأشرت وقت الأزمة الآسيوية عام 1997 فى اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطنى إلى أن تلك الأزمات تعد أزمات متقدمة، وهى أمراض للدول الكبرى أى أمراض تصيب الكبار، ودرجة انفتاح الاقتصاد المصرى محدودة، ونحن مستقبلون فى النهاية، ومن ثم درجة تأثرنا بتلك الأزمات بسيطة للغاية. وعندما يتطور اقتصادنا، يمكن لأزمة اقتصادية مصرية أن تؤثر فى الاقتصاد العالمى، فعندما تحدث أى هزة فى الاقتصاد الأمريكى الذى ينتج أكثر من 25% من الإنتاج العالمى، يتأثر العالم أجمع لأنه عملاق اقتصادى، ومؤخرا وصل الاقتصاد الأمريكى إلى أكثر من 25.1%.
وأكد د. علاء زهران أن الدراسات الاقتصادية المصرية تركز على نماذج اقتصادية بعينها مثل: النموذج اليابانى، النموذج الصيني ولم نتطرق بالتفصيل إلى النموذج الأمريكى، وكان هناك تلقين لنا فى الصغر أن أمريكا تسلقت على أكتاف أوروبا وخاصة فى الاختراعات والابتكارات وتطبقها على الفور، لكن فى الاختراعات والابتكارات نجد أن أمريكا تحتل الصدارة.
وهنا أكد خليفة أدهم أنه بالنظر إلى سلم التطور والتقدم لكثير من الدول، نجد أن دول الأسواق الناشئة حدثت بها طفرة فى أعقاب الأزمة المالية التى ألمت بها عام 1997، حيث استفادت بشكل كبير من تلك الأزمة، ورغم التقدم الصناعى الذى حدث فى مصر الذى سبق دول الأسواق الناشئة، فإننا للأسف لم نساير التقدم الآسيوى، وعندما نتابع مسيرة كل دولة وبالأخص الهند سنجد المفارقة الكبرى فى أن الكثير من التقدم العلمى جاء نتيجة التعلم والنقل من التجربة المصرية فى ذلك الوقت. بينما حاليا لا وجه مقارنة الآن بين الاقتصاد الهندى والاقتصاد المصرى. كما لا يمكن المقارنة الآن بين أمريكا وأوروبا وهذا ما نلاحظه الآن فى نسبة تأثير قوة الاقتصاد فى السياسة الأمريكية تجاه العالم وخاصة أوروبا والصين، حتى ألمانيا - التى هى أقوى اقتصاد فى أوروبا - فتعاملها الولايات المتحدة كدولة مستعمرة.
وهنا قال د. محمد البنا: علينا أن نستفيد من الاقتصاد الأمريكى ومن صناعة القرارات السياسية والاقتصادية وخاصة فى المجال العلمى والبحث العلمى والابتكار وتشجيع شركاتنا الكبرى على البحث والتطوير. 
وأكد د.علاء زهران أن الجانب المهم الذى يجب أن نهتم به ونحن بصدد الحديث عن النموذج الأمريكى، هو المتعلق بالضرائب، لأنها منظومة غير عادية، فهى أكبر مورد للخزانة الأمريكية، وفى حالات كثيرة تصل نسبة الضرائب على الأفراد إلى 90%. والنظام الضريبى الأمريكى نظام محكم للغاية، لا يستطيع أحد أن يتهرب ولو بأموال قليلة، حيث يعد التهرب جريمة كبيرة.
 وعاد د. محمد البنا ليؤكد وجود نماذج كثيرة لمعاقبة المتهربين، ففى السعودية هناك نظام يعاقب فورا كل من ارتكب مخالفة مرورية، حيث ترسل المخالفة فى الحال على تليفونه المحمول، وفى حالة عدم الدفع خلال شهر توقف تعاملاته بالكامل. 
وقال د.علاء زهران: هناك نقطة جديرة بالدراسة والتحليل تتعلق بتوقيت دفع الغرامة، فلا يصح تأجيلها إلى سنة أو سنتين بل يجب دفعها خلال شهر أو شهرين حيث إن قيمتها تقل بمرور الوقت، كما أن الفائدة منها تنتفى بمرور الوقت.
واتفق معهم خليفة أدهم قائلا: لو شعر سائقو نقل الركاب والنقل الثقيل بأنهم سيدفعون تلك الغرامات فوريا لامتثلوا للقوانين وتقلصت الحوادث، بالإضافة إلى ضرورة فرض غرامات على الأصوات المزعجة وخاصة سيارات نقل الركاب. 
وبالعودة لأزمة الأسواق الناشئة يؤكد د.علاء زهران أن الأسواق الناشة كانت مرتبطة بأسواق المال بمختلف أنواعها، وأكبر الأسواق هى بورصة نيويورك، التى يبلغ حجمها 20 تريليون دولار وبورصة نازدك نحو 6.8 تريليون دولار، وبورصة لندن 6.2 تريليون دولار ثم اليابان فالصين وهكذا.
وتتأثر البورصات العربية عندما تكون مرتبطة بالتداول معها، فنحن تأثرنا نتيجة لوجود سندات فى بورصة لندن وغيرها من البورصات، كما أن بورصة السعودية هى أكبر بورصة حيث قاربت على التريليون دولار، ولو نظرنا إلى القيمة السوقية للبورصة المصرية بالدولار فستصل إلى 50 مليار دولار، وهو رقم متواضع جدا. وفى اعتقادى أن هذا الضعف يعد ميزة وليس عيبا، فعندما تقارن الـ50 مليار دولار للبورصة المصرية ببورصة نيويورك التى تقارب 20 تريليون دولار، يعدها البعض قيمة سوقية لشركة ما هناك. 
وتساءل خليفة أدهم عن مدى تأثر مصر من هذه الأزمة؟
أجاب د. محمد البنا: بالنسبة لتداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمى يمكن الإشارة أولا إلى أن بدايات التأثير ستأتى من خلال التنافس على جذب الأموال الساخنة أو غير المقيمة (الاستثمار فى الأوراق المالية والودائع )، فإذا كان هناك خطر من العدوى فسيكون من خلال هذا المسار. وستكون البورصة أول المتأثرين حيث إن قيام دول برفع أسعار الفائدة سيؤثر فى حجم الأموال الساخنة المتدفقة لمصر وسيتأثر الاحتياطى النقدى ما يمثل خطورة، كما أن السياسة النقدية وقرارات التعامل مع سعر الفائدة ستتغير لتتواءم مع هذه المتغيرات، ومن ثم فالقرارات الاقتصادية قد تتأثر بما يحدث فى الأسواق الناشئة.
أما فيما يتعلق بتشخيص الأزمة التى ذكرها الدكتور علاء أضيف إلى ذلك الأسباب الخارجية لهذه الأزمة التى تتعلق إحداها بالرئيس الأمريكى الذى أصبح مصدر قلق على النظام الاقتصادى العالمى خاصة فيما يتعلق بالتجارة الدولية، ومنظمة التجارة العالمية والجات تمتد جذورها إلى عام 1944 لذلك قواعد منظمة التجارة العالمية مستقرة حتى الآن، لكن النهج الذى سار عليه ترامب فى حربه مع الصين وأوروبا برفع الرسوم الجمركية بالإضافة إلى خروجه عن اتفاقية النافتا، هو بمثابة الخروج عن قواعد عالمية ما يهدد الاقتصاد العالمى، وسيكون له تأثير فى الدول الناشئة، كذلك فإن القرارات الأخيرة لبنك الاحتياطى الفيدرالى برفع أسعار الفائدة على الدولار الأمريكى، وهو ما يحاول به الرئيس ترامب تحقيق مصالحه الداخلية –وهذا حقه- سوف تؤثر فى الأوضاع المالية فى الدول الناشئة.
وهنا التقطت د. هبة نصار طرف الحديث قائلة: إن أهم عاملين سيؤثران فى الاقتصاد القومى هما ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع أسعار البترول، لأن الموازنة تم وضعها على أساس سعر البترول حينها بنحو 67 دولارا للبرميل، وحاليا سعر البترول ارتفع أعلى من 80 دولارا ثم انخفض إلى 65 دولارا للبرميل وكان هناك اتجاه لخفض أسعار الفائدة، ولكن هذا الاتجاه تغير لرفعه ما سيؤثر فى الاقتراض الحكومى وسيزيد من عجز الموازنة، كما أن رفع أسعار الفائدة سيزيد من أعباء الدين العام. لذلك علينا البحث فى مظاهر الأزمة فى الدول الناشئة التى تلامس كثيرا بعض المظاهر فى مصر، مثل الزيادة فى الاستثمار العقارى فى تركيا، كذلك الأرجنتين التى شهدت أزمة فى المحاصيل الزراعية. كما أن النمو لم يصاحب القطاعات الإنتاجية مثل القطاعات الأخرى، وهذا جرس إنذار لنا وينبهنا بأن أى أزمة فى السياسات المالية تؤثر فينا وخاصة أننا ليست لدينا قطاعات إنتاجية قوية، بالإضافة إلى المديونية الخارجية، وجميعها إشارات يجب أن ننتبه إليها. كما أننا لا نستطيع جذب الأموال الساخنة لأننا لا نستطيع أن نرفع سعر الفائدة إلى 25% وأكثر كما حدث لدول أخرى، فالفائدة فى تركيا ارتفعت إلى 23% ومرشحة للارتفاع والأرجنتين إلى نحو 60%. ولو انتبهنا إلى أسباب الأزمة لأمكن تدارك الكثير من سلبياتها وخاصة أن كثيرا من أعراض هذه الأزمة موجودة لدينا من خلال الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية، لذلك علينا أن نعيد النظر فى الاهتمام بالقطاع العقارى على حساب قطاعات أخرى.
وقال د.علاء زهران: سوف يتأثر اقتصادنا نتيجة ارتفاع أسعار النفط، فكل دولار زيادة فى سعر النفط العالمى يكلفنا 4 مليارات جنيه بالإضافة إلى أن 30% من استهلاكنا مستورد من الخارج، إلى جانب ارتفاع سعر الفائدة العالمى الذى سيؤدى حتما إلى ارتفاع فى تكلفة الاقتراض. 
ومع ارتفاع أسعار الفائدة سيكون هناك ارتفاع مقابل فى تكلفة جدولة الديون، واستبدال السندات بأذون خزانة قصيرة الأجل. كما أن وزير المالية يروج لطرح السندات فى الأسواق الآسيوية وخصوصا اليابان والصين، وسوف يكون هناك ارتفاع فى التكلفة، وخاصة أن السعودية تروج فى الوقت نفسه لسوق المال السعودى فى سنغافورة ولندن ونيويورك. والبنك المركزى المصرى أصدر بتاريخ 19 نوفمبر أذون خزانة بـ1.6 مليار دولار لتمويل عجز الموازنة.
وأكد د. علاء زهران أن الأسواق الناشئة تركز على الاستثمار العقارى (اقتصاد ريعى)، ونحن فى مرحلة نستهدف تقليص معدل البطالة وتوفير السلع الأساسية، لكن لكى يتميز الاقتصاد بالاستدامة علينا أن نعتمد على الإنتاج فى الزراعة والصناعة دون قصره على الخدمات وأنشطة التشييد والبناء.
وأكد د. محمد البنا أن لدينا معظم مظاهر الأزمة، حيث أشارت الدكتورة هبة إلى الاستثمار العقارى واستحواذه على الجانب الأعظم من استثمارات ومدخرات المصريين والتأكيد على تفاقم الديون الخارجية، وهى واحدة من مظاهر الأزمة فى دول الأسواق الناشئة. ويجب أن نركز على السياسات التى تدفع النمو. 
وأشار خليفة أدهم إلى خطورة الدين الخارجى، حيث إننا تجاوزنا حدود الأمان لكن محافظ البنك المركزى يؤكد ضرورة البحث عن هيكل الديون قبل الحديث عنه، حيث استبدلنا الديون قصيرة الأجل بديون طويلة الأجل، ومن ثم فهذا غير مزعج بالنظر إلى هيكل الدين.
وقال د. محمد البنا: يجب الإشارة إلى خطورة اتخاذ قرارات شعبوية مثل ما فعله أردوغان أو أن يعطى تعليمات للبنك المركزى بعدم رفع أسعار الفائدة، ومن ثم يجب أن تكون قراراتنا مبنية على أسس اقتصادية. ومصر حاليا تمر بمرحلة الانتظار فى إطار برنامج الإصلاح الاقتصادى وهو التحول من الاستقرار إلى النمو. وعلينا الاهتمام بالادخار الوطنى حيث إن أرقامه مفزعة للغاية، فالحكومة تدخر بالسالب، فلو اعتبرنا أن القطاع العائلى والأعمال يدخر 10% إلى 12%، فالحكومة لديها عجز 7-8% فنصل بذلك إلى 4% وهذا لا يكفى، ومن ثم نحن فى حاجة إلى السياسات التى تحدث النمو، وبدون الاستثمارات فى القطاعات الإنتاجية فى الصناعات التحويلية فى البحث العلمى فى الزراعة وغيرها من القطاعات ذات القيمة المضافة التى توفر فرص عمل مستدامة، فإننا سنواجه مشكلة. وعلينا أن نوجه استثماراتنا إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية ذات الطابع الإنتاجى ذى القيمة المضافة العالية، وكفانا الاهتمام المبالغ فيه بالقطاع العقارى.
وقالت د. هبة نصار: لدينا فى الاقتصاد متغيرات حقيقية ومتغيرات مالية، وحدثت تطورات كثيرة فى القطاع المالى لم يواكبها القطاع الإنتاجى، فهناك إصلاح مالى ونقدى لم يواكبه تطور حقيقى للقطاع الإنتاجى، فالفجوة كبيرة بين الاثنين. متسائلة: هل هناك تناسق بين السياسة المالية والسياسة النقدية؟ بالفعل كانت هناك حاجة للاستثمار فى قطاع البنية الأساسية لنمو الاقتصاد وتوفير فرص العمل. وبالنسبة للقطاع العقارى نحن أيضا فى حاجة إلى دراسة مستفيضة لهذا القطاع خاصة أن هناك نموا كبيرا فى هذا القطاع، خاصة أن المؤشرات تشير إلى تدنى نسبة البيع فى هذا القطاع مقارنة بالسنة السابقة، كذلك الحاجة إلى دراسة القطاع الخدمى.
وأكد خليفة أدهم وجود دراسة قام بها "الاقتصادى" لهذا القطاع وصدرت خلال العدد الماضى، حيث تناولت آخر مجريات هذا القطاع والتوقعات الخاصة به.
وقال د. هبة نصار: لماذا لا ندرس هذا القطاع حتى نتجنب أى أزمة تحدث فيه، بالإضافة إلى أنه يمكن التوسع فيه وتحويل جزء منه للتصدير أى تهيئة الظروف أمام البعض للتملك أو التأجير طبقا للقواعد التى سيحددها المشرع مستقبلا.
وأكد د. محمد البنا ضرورة الاهتمام بمناخ الاستثمار بمصر خاصة أن مناخ الاستثمار والتنافسية لا يزال منخفضا، فمناخ الاستثمار لا يعنى قانون الاستثمار وحده أو يعقد مؤتمر هنا أو هناك، فالبيروقراطية خطيرة ومعوق رئيسى فى هروب المستثمرين، كذلك الفساد، والتنمية البشرية (التعليم والصحة والتدريب... إلخ)، الاستثمار ليس فقط استثمارات مادية، نريد استثمارات فى البشر أى رأس المال البشرى، وهو عنصر مهم فى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد تأتى الاستثمارات الأجنبية نظرا لوجود الكفاءات والأجور الرخيصة والقوة العاملة المدربة، وهذا لا يقل أهمية عن البنية الأساسية بالإضافة إلى تسهيلات فى التراخيص.. وغيرها وجميعها عناصر مهمة يجب استكمالها، وهذا يحمينا كثيرا من مخاطر الأموال الساخنة. كما يجب توفر مصدر نقد أجنبى ذاتى كالاهتمام بقضية التصدير. وليس معنى ذلك أن نهمل الاستثمار الأجنبى المباشر خاصة أنه مكمل للاستثمار المحلى ويحمل معه التكنولوجيا والمعرفة والإدارة المتقدمة والخبرة والتسويق.
وأكد د.علاء زهران أن معدل النمو 5.3% هو نفس معدل النمو للعام السابق، وقد تأثرنا بما حدث فى الأسواق الناشئة وهذا ما ظهر فى الربع الأول ونأمل أن يصل إلى 6% وفى عام 22/2023 إلى 7%.
وأكد خليفة أدهم أن رئيس البنك الدولى أشاد بخطة مصر فى التنمية البشرية خلال مؤتمر البنك الدولى الذى عقد مؤخرا حيث أشاد بالخطة وقال إنها طموحة.
لكن د. هبة نصار أكدت وجود خلل واضح فى الخريطة الاقتصادية، فهناك قطاعات مزدهرة وأخرى تعانى كثيرا من المشاكل وعدم ارتفاع معدلات النمو، وهناك مشاكل فى قطاع التنمية البشرية، وهذا واضح بصورة أكبر فى المقارنات الدولية، وهم الذين يعانون من أى أزمة تلحق بالاقتصاد.
وقال د. علاء زهران: عقدنا ندوة مغلقة مع كبار المستثمرين فى المعهد، وأشرت فى بداية الندوة إلى أن نجاح المستثمر المحلى هو أكبر ضمانة لجذب الاستثمار الأجنبى. فالمستثمر المحلى يعانى من مشاكل كثيرة، فالشباك الواحد ليس حقيقيا، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على الأراضى، وطول الوقت فى التعامل مع الجهات الحكومية سواء فى التأمينات والضرائب، وفى الاستيراد وفى التصدير، فهناك معاناة حقيقية فى التعامل مع الموظف الحكومى، فالنظام الذى يعمل به لا يساعد على إنجاز المهام بأسرع وقت. كذلك هناك عزوف من بعض المستثمرين عن الدخول فى مشروعات جديدة نتيجة للتغير فى أسعار الطاقة التى تجعله عاجزا عن اتخاذ القرار السليم اقتصاديا وماليا.
وهنا أكد خليفة أدهم وجود منافسة على اجتذاب المستثمر خاصة بالنسبة لسعر الغاز، فوحدة الغاز فى صناعة الصلب فى مصر بـ7 دولارات فى حين لا تتجاوز الدولار الواحد فى دول الاتحاد السوفيتى السابق مثل أوكرانيا، كما أنها فى الجزائر تقدر بنحو 1.25 دولار والخليج.
وأكد د.علاء زهران أنه بالإضافة إلى تغير أسعار الطاقة هناك متغير جديد أصبح يمثل عائقا حقيقيا أمام المستثمر المحلى بتعدد أنواع الضرائب على المستثمر نفسه، فإذا كنت تريد استثمارا حقيقيا فيجب إعفاء المستثمرين من الضرائب العقارية، فالمستثمر الزراعى أو الصناعى فى حاجة إلى مساحات كبيرة، كما يجب تثبيت الضريبة لمدة خمس سنوات على الأقل. وبالنسبة للاقتصاد غير الرسمى الذى يتراوح بين 40 و50% يجب ضمه للاقتصاد الرسمى، ولا يصح ألا تتجاوز معاملاته المالية البنكية الـ2%.
وتابع هناك ميزة إيجابية تنحصر فى الاحتياطى النقدى الذى يقدر بنحو 44.5 مليار دولار وهو يغطى قطاعا مهما.
أيضا يجب الاستمرار فى تثبيت سعر الدولار الجمركى، فالمستثمر دائما يسأل عن أسعار الطاقة وتكلفة العمالة والضرائب. والمستثمر الجديد دائما يسأل المستثمرين الآخرين عن وضع الاستثمارات فى البلاد وموقفها من الضرائب والطاقة والقوانين. لكن السمة التى ظهرت أخيرا تتعلق بفض المنازعات وطول الإجراءات. وفى بعض المناطق الحرة هناك صناعات تنافس المنتج المحلى عبر الإعفاء من الجمارك. وبالتالى لابد من تحسين بيئة الاستثمار وتذليل العقبات أمام المستثمر المحلى، فهذا سيكون أقوى دعامة لجذب المستثمر الأجنبى.
وأكد د. محمد البنا وجود نقطتين الأولى خاصة بأهمية الاستثمار المحلى فى جذب الاستثمارات الأجنبية، فهناك مقولة دولية تشير إلى أن الاستثمار الأجنبى المباشر لا يقود النمو ولكن يأتى فى ركاب النمو، فعندما يجد استثمارا محليا عاليا ونموا عاليا يأتى المستثمر الأجنبى ليستفيد من النشاط. لكن هل يأتى فى مناخ استثمارى غير مهيأ وحالة من الركود ليقود النمو، التجارب الدولية تنفى ذلك تماما، كما أن النقطة الأخرى المتعلقة بهيكل الدين الخارجى يجب عدم ربط قرار الاقتراض من الخارج بتوافر القروض الرخيصة بل بالقدرة المستقبلية على السداد، واستدامة الوضع المالى أهم دروس الأزمات المالية وخاصة الأخيرة. يجب عدم ربط الاقتراض بتوافر قروض رخيصة أو تحويلها من قروض طويلة الأجل إلى قروض قصيرة الأجل أو من قروض من مؤسسات خاصة أو دولية، ليس هذا مهما بل المهم القدرة على السداد فى المستقبل. 
وتساءل خليفة أدهم عما ذكره صندوق النقد مؤخرا بأن المديونية الخارجية لمصر ستصل إلى 102 مليار دولار بنهاية السنة المالية الحالية وإلى 120 مليارا بنهاية برنامج الإصلاح الاقتصادى. واليوم المديونية الخارجية تصل إلى نحو 96.5 مليار دولار بنهاية يوليو الماضى حسب تقرير البنك المركزى - فهل معدل الدين الخارجى فى الحدود الآمنة؟
وهنا كان الرد من د. فخرى الفقى المدير التنفيذى السابق بصندوق النقد: سيصل الدين الخارجى بنهاية العام المالى الحالى إلى ما يقارب الـ100 مليار دولار.
وأكد خليفة أدهم أن هناك من يقول إن الدين الخارجى فى الحدود الآمنة، وهناك آخرون يرون العكس، والبعض ينادى بضرورة الدراسات حول وضع الدين الخارجى، وهناك وحدة متخصصة فى البنك المركزى تضم شبابا أكفاء يتابعون بكل دقة التطورات فى منحنى الدين الخارجى ونسبة الديون إلى الصادرات وإجابات واضحة لكل ما يثار من أسئلة حول وضع الدين الخارجى لمصر.
وأكد د. فخرى الفقى أن الصندوق يضع معايير للأداء الكمى ومؤشرات معينة ويبحث سير العملية المالية ومن بينها الدين العام، فهل احتوت مصر النسبة نفسها أى نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى، سواء أكان دينا عاما داخليا أو خارجيا، ويضع حدا معينا يجب ألا يتم تجاوزه. وهناك إحصائيتان إحداهما تشير إلى 103%، الصندوق يشير إلى 108% من الناتج المحلى الإجمالى. فى العام الماضى استطاعت الحكومة أن تستوعب المسألة وهبطت إلى 98%، وهى خطوة جيدة.
وتابع فى هذا العام الذى لم ينته بعد يأملون أن تصل إلى 92%، الصندوق طالب بـ88% وترى الحكومة من الصعوبة أن تهبط إلى 88%، ومن ثم فالحكومة تقول إنها 92%. ففى المراجعة نصف السنوية أشارت إلى أن مصر لم تلتزم بتلك النسبة، وطالبوا بإعفاء مصر من بعض المؤشرات من ضمنها هذا المؤشر. وفى أثناء المناقشات طلبوا من الحكومة باتخاذ الحذر، فالعجز يمكن أن يتفاقم عن المرصود 431 مليار جنيه مصرى. وكل دولار زيادة فى البترول يؤدى إلى زيادة فى العجز بنحو 3-4 مليارات، وهناك صعوبة فى تخفيض سعر الفائدة. ومن ثم فالموازنة مبنية على سعر فائدة 14.8% وهناك فارق بـ4 نقاط. والطرح الأخير لأذونات الخزانة وصل إلى 19.8% أى بفارق 4% ما يزيد من فوائد الدين العام ما يزيد العجز بنحو 31 مليار جنيه مع افتراض أن التحصيل سيكون حسب المأمول برقم 989 مليار جنيه، هذا الرقم يمثل إجمالى الحصيلة الضريبية وغير الضريبية، وخاصة أن التحصيل الفعلى لا يصل إلى المستهدف. لكن فى المقابل هناك زيادة فى الإنفاق نتيجة لزيادة أسعار البترول، بالإضافة إلى عدم خفض الفائدة ما يزيد من الإنفاق، فالإنفاق يصل إلى 1.432 تريليون سيزيد بمقدار 30- 40 مليار جنيه، وبالتالى هناك زيادة فى العجز وزيادة فى الدين عن الحد المستهدف، ومن ثم نجد أن وزارة المالية مطالبة بسد الفجوة وكان من نتيجة ذلك الذهاب إلى الدول الآسيوية، حيث كنا دائما نذهب للغرب اليوم نذهب إلى الشرق. والأسواق الناشئة والائتمان والبنوك العالمية متحفظة فلم تعد تمول صناديق التحوط للاستثمار الأجنبى كما كانت فى الماضى، فقدرة الصناديق على أن تغطى السندات المصرية قلت عما كانت عليه فى الماضى. ومن ثم كانت تلك الزيارات لوزير المالية لعدد من الدول لكوريا واليابان والصين... إلخ. ووجد النصيحة بالانتظار ثم العودة للتوجه إلى بروكسل مرة أخرى. فالمالية فى حاجة إلى ما يعادل 5 مليارات دولار مقومة باليورو، ومن ثم بدأ التفكير فى طرح أذون خزانة بالدولار وليس السندات. وسنحصل من الصندوق فى ديسمبر على نحو 2 مليار دولار التى تمثل الشريحة الخامسة، وهناك مخاطر من عدم تغطية الـ5 مليارات دولار، أنا واثق من أننا سنحصل عليها من خلال رفع سعر الفائدة.
وهنا تساءلت د. هبة نصار عن تأثير ذلك فى الدولار؟
أجاب د. فخرى الفقى: تكمن المشكلة فى صناديق التحوط التى خرجت منذ 6 أشهر، فمن الـ23 مليار دولار التى دخلت وتم وضعها فى البنك المركزى لحين إخراجها مرة أخرى، فأخذوا المقابل بالجنيه المصرى واشتروا أذون خزانة وسندات خزانة بالجنيه المصرى، فمجموع المبالغ التى خرجت من الـ23 مليار دولار خرج منها نحو 10 مليارات دولار. فعندما يخرج هؤلاء المستثمرون يستبدلون الجنيه المصرى بالدولار ليخرج معهم. المشكلة أن العائد يحصلون عليه من المصارف المصرية، وكان العائد عدة مليارات وحصلوا عليها من البنوك التجارية فانخفضت أرصدة البنوك التجارية من النقد الأجنبى، حيث انخفضت الأصول من 16 مليار دولار إلى 12 مليار دولار، أى أربعة مليارات دولار فى سبعة أشهر. ولدى البنوك التجارية التزامات خارجية، لذلك رأينا مطالباتهم للبنك المركزى بتسليفهم أو يقترضون من الخارج، ومن ثم فبعض البنوك -مثل بنك مصر والبنك الأهلى- ستقترض من الخارج لمواجهة الالتزامات الخارجية، وهو أمر يستجيب للسياسة النقدية من رفع سعر الفائدة.
وبالنسبة لمستقبل العمالة، الحكومة أوقفت التعيين، فمن الذى سيقوم بتشغيل العمالة؟ بالطبع القطاع الخاص، وبالتالى لابد من حل كل المشكلات التى تواجه القطاع الخاص. ونجد هذا فى روشتة الصندوق التى تركز على القطاع الخاص. والعبء كله الآن ملقى على المشروعات القومية وليس القطاع الخاص.
وتساءل خليفة أدهم قائلا: هل الدين الخارجى تعدى الحدود الآمنة؟
أجاب د. فخرى الفقى: على المجلس التنسيقى للسياسات المالية والنقدية برئاسة رئيس الوزراء أن ينشئ إدارة لمتابعته وليس إدارته، فالبنك المركزى ووزارة المالية هما المنوط بهما إدارة الديون.
وقال د. على زهران: لدينا تجربة سابقة مع نادى باريس عام 1991 فى إعادة جدولة الديون، وهذا يؤكد أننا فى وضع آمن، حيث وصل الدين الخارجى إلى 105% من الناتج المحلى الإجمالى عام 1990 وكنا بصدد إعلان الإفلاس.
وقال د. فخرى الفقى: الموقف كان صعبا للغاية لدرجة أننا لم نستطع فى ذلك الوقت دفع الفوائد. وبالنسبة للودائع العربية فى البنك المركزى التى تصل إلى 12 مليار دولار، يمكن أن تتحول تلك الودائع إلى منح نتيجة تحسن العلاقات.
ويمكن أن تتحول الديون إلى أصول فى شركات كما فعلت إيطاليا وألمانيا أى مبادلة حقوق الملكية بالدين. أو مبادلة الدين بسند للبنك المركزى صاحب الدين، وميزة السند أنه قرض عادى يمكن بيعه فى السوق الثانوى فى أوروبا. والسند يباع فى السوق الثانوى حسب قوة الاقتصاد المدين. 
 
5 دول تربك الحســـــــــــــابات الاقتصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادية لدول العــــــــــــــــــــــالم
 
3 أسباب للأزمة بدأت بتفاقم المديونية الخارجية وانهيار أسواق المــــــــــــــــــــــــــــال ثم قفزة نحو الهاوية بأسعار الفائدة
 
 
 الأسواق الناشئة هى بلدان لديها بعض خصائص السوق المتقدمة، ولكنها لم تصل إلى درجة كونها من الدول المتطورة أو المتقدمة، ومن أبرز هذه الدول الناشئة: (الأرجنتين، والبرازيل، والهند، وتركيا، وجنوب إفريقيا). ما نراه فى الآونة الأخيرة فى بعض هذه الدول الناشئة انهيارات كبيرة تتمثل فى انخفاضات حادة بقيمة العملة المحلية، وانهيار أسواق المال، وارتفاعات حادة فى معدلات التضخم أدت إلى زيادة أسعار الفائدة بصورة غير مسبوقة، وهو ما سنستعرض أسبابه فى بعض النماذج كالتالى:
•الأرجنتين:
تعرضت عملة الأرجنتين «البيزو» لهبوط حاد جراء عدم قدرة الحكومة على التحكم فى التضخم وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، ويرجع ذلك الانهيار إلى الأسباب التالية: توسع الحكومة فى طباعة النقود لتمويل عجز الموازنة بصورة كبيرة. تسببت جهود تقليل نفقات الدعم كجزء من تقليل عجز الموازنة فى ارتفاع معدلات التضخم. أدى أسوأ جفاف شهدته الأرجنتين عبر عقود إلى خفض محاصيل فول الصويا والذرة. تزايد حجم الديون الخارجية بالعملة الصعبة فى وقت تنخفض فيه العملة المحلية وترتفع فيه أسعار الفائدة على الدولار، وهو ما دفعها للجوء إلى صندوق النقد الدولى لاقتراض 50 مليار دولار.
•تركيا:
دفعت الأزمة الاقتصادية فى تركيا إلى انهيار الليرة بشكل حاد جدا، وكانت أهم أسباب الأزمة الاقتصادية ما يلى: عجز الحساب الجارى بشكل مفرط. وديون كبيرة بالعملات الأجنبية. وتوتر سياسى مع الولايات المتحدة. واعتماد كبير على تدفقات رءوس الأموال لتمويل التوسع فى القطاع الخاص. وتركيز السياسة الاقتصادية على القطاع العقارى والعقود الممنوحة من الدولة، مع إهمال التعليم والبحث والتطوير.
•جنوب إفريقيا:
تعرضت دولة جنوب إفريقيا لهزات اقتصادية، وهى إحدى أهم الدول الناشئة، وكان من أهم سمات هذه الهزة الاقتصادية: تباطؤ معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى لنحو 1%. وهبوط كبير بالعملة المحلية (الراند) لتعود إلى أدنى مستوياتها المنخفضة فى يونيو 2016. وارتفاع أسعار النفط الخام بصورة متواصلة. ونظرة متشائمة لقطاع التصنيع الذى يمثل 13% من الناتج المحلى الإجمالى. وزيادة معدلات البطالة لتصل إلى أعلى مستوياتها فى 15 عاما إلى 27.2%. وانخفاض استثمارات القطاع الخاص.
وبالنظر إلى هذه النماذج السابقة، نجد أن أبرز أوجه التشابه فى الأزمة بين الأسواق الناشئة، هو تفاقم الديون الخارجية التى ضغطت على عملات الدول، وأدت إلى انهيارها، ما تسبب فى ارتفاعات هائلة لمعدلات التضخم، أعقبتها قرارات برفع أسعار الفائدة لمستويات غير مسبوقة.
ويرجع بعض المحللين الاقتصاديين أزمة الأسواق الناشئة إلى الضغوط التى تعرضت لها تلك الأسواق فى عام 2013 عندما بدأت الولايات المتحدة بالتوقف عن برنامج شراء السندات، ما أدى إلى ظهور مجموعة الدول التى أطلق عليها فى ذلك الوقت "الاقتصادات الهشة الخمسة" وتتمثل فى: البرازيل والهند وإندونيسيا وتركيا وجنوب إفريقيا، وهو المصطلح الذى صاغه مورجان ستانلى، وقد وصف هذا المصطلح تعرض تلك الاقتصادات للضعف نتيجة لحساسية تلك الاقتصادات لخروج تدفقات رأس المال. بالإضافة إلى سوء تخصيص رأس المال فى مشاريع غير اقتصادية أو مضاربة مالية. وأضف إلى ذلك: قطاع مصارف ضعيف، وعجز فى الموازنة، وفجوات فى الحساب الجارى، وديون كبيرة بالعملات الأجنبية قصيرة الأجل، واحتياطات غير كافية من العملات الأجنبية. كما تزامن ذلك مع هياكل صناعية ضعيفة، والاعتماد على صادرات السلع الأساسية (المواد الخام)، وضعف المؤسسات والفساد والقيادة السياسية والاقتصادية السيئة.
كما يرى البعض أن مشكلة حرص القادة فى تلك الدول على تحقيق الشعبية والجماهيرية، دفع كل من القادة فى تركيا والأرجنتين وفنزويلا والمجر وبولندا وجنوب إفريقيا إلى تطبيق سياسات اقتصادية في السنوات الأخيرة أدت إلى تحقيق منافع سياسية قصيرة المدى مع خلق نقاط ضعف اقتصادية طويلة الأجل، ومنعت الكثير من المؤسسات، بما فى ذلك البنوك المركزية، من إجراء التعديلات اللازمة التى كان يتوجب عليهم القيام بها.
وأصبحت أوضاع الأسواق الناشئة الآن أسوأ مما كانت عليه وقت الأزمة المالية عام 2008، بحسب تقرير نشرته "بلومبرج" (سبتمبر 2018) حول وضع الأسواق الناشئة والتطور بها، وبحسب دراسة حديثة للخبيرة الاقتصادية بجامعة هارفارد كارمن راينهارت، فإن تغير الأسواق الناشئة يأتى فى وقت يتعامل فيه المستثمرون بمزيد من الحذر مع الأصول الثابتة، وانخفاض داخل عدد من الأسواق مثل الأرجنتين وإندونيسيا وتركيا، ولكن الآراء تختلف الآن حول ما إذا كان الاضطراب الحالى مجرد تغيير بسيط أو بداية لشىء أكبر، فالصورة ما زالت مختلفة من اقتصاد لآخر، مع القليل من التحسن العام.
اقترضت حكومات الأسواق الناشئة بشكل ثابت خلال العقد الماضى خلال أدنى مستوى لمعدلات الفائدة، فالشركات أيضا زادت من رصيدها من الدولار للمقترضين من غير البنوك فى الدول النامية ووصلت إلى 3.7 تريليون دولار نهاية العام الماضى بأكثر من 1.5 تريليون العقد الماضى بحسب بنك التسويات الدولية، وتمثل الديون فى الأسواق الناشئة عبئا، فكانت عام 2008 تبلغ 33.90% ووصلت عام 2018 إلى 51.5%.
وتعرضت عملات الأسواق الناشئة للتراجع، وقد غرق عدد من الاقتصاديات فى حالة من الاضطراب هذا العام، وانهارت عملات عدد من الأسواق الناشئة، وتعرضت لضغوط من مجموعة من القوى بما فى ذلك ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، والصدامات السياسية وحرب التجارة العالمية.
وقد كشفت الضغوط عن الضعف فى العديد من الأسواق الناشئة، ولا سيما الاعتماد على التمويل من المستثمرين الأجانب، الذين هم أكثر عرضة لسحب أموالهم مع انخفاض قيمة العملات المحلية. ودفعت المخاوف بشأن الأرجنتين وتركيا المستثمرين المتوترين إلى التراجع عن الاقتصادات الأخرى التى ينظر إليها على أنها ضعيفة، وانخفضت العملة الإندونيسية إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار الأمريكى منذ الأزمة المالية الآسيوية قبل 20 عاما.
 
 
ضغوط على المؤشرات المصرية
 
أسعار النفط وتكلفة الاقتراض وإعادة هيــــــــــــــــــــــــــــــــــكلة استثمارات الصنــــــاديق العــــــــالمية
 
 
تواجه مؤشرات الاقتصاد المصرى ضغوطا جديدة مدفوعة بتطورات أزمة الأسواق الناشئة، فى الوقت الذى كانت تتطلع فيه الحكومة إلى الوصول إلى بر الأمان بعد عامين من الإصلاحات المكثفة التى تركت الاقتصاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الخارجية وخلفت مستويات مرتفعة من الديون والتضخم.
وتجتاح الأسواق الناشئة من إندونيسيا إلى الأرجنتين موجة من الضغوط على العملات تسببت فى ارتفاعات قياسية لأسعار الفائدة وحركات مكثفة للمستثمرين فى الأوراق الحكومية خلقت مزيدا من الضغوط على الأسواق التى تعانى من عجز فى حساباتها الجارية مثل مصر. ويقول المحللون: إن التطورات التى تشهدها الأسواق الناشئة حاليا ستكون لها تداعيات على مصر، لكنهم يطرحون سؤالين: متى سيحدث ذلك؟ وما حجم التداعيات؟
الجدير بالذكر النجاح الذى حققه برنامج الإصلاح الاقتصادى على مدى العامين الماضيين، والنتائج التى أسفرت عن التحسن الكبير فى مؤشرات الاقتصاد الكلى، وفى مقدمتها تراجع عجز الموازنة العامة والمضى قدما فى تقليص ذلك العجز وتحقيق الانضباط المالى، بعد تراجع عجز الموازنة العامة إلى 9.8% العام المالى الماضى وتعمل الحكومة على تراجعه إلى 8.4% العام المالى الحالى 2018/2019.
ولكن ارتفاع أسعار النفط عالميا إلى 86 دولارا للبرميل مقارنة بالسعر التقديرى فى الموازنة العامة 67 دولارا، يفرض أعباء جديدة على الموازنة العامة، لأن كل دولار زيادة فى سعر النفط يكلف الموازنة العامة نحو 4 مليارات جنيه، وفقا لوزير المالية د. محمد معيط، وفاتورة دعم المنتجات البترولية ستقفز إلى نحو 125 مليار جنيه مقارنة بنحو 84 مليارا فى الموازنة العامة، وهو ما يصعب الأمر على الحكومة ولا سيما فى ظل استمرار زيادة دعم الوقود، رغم المضى قدما فى خطتها للإلغاء التدريجى لذلك الدعم، إذ لا يزال دعم لتر البنزين يتراوح بين 1.75 و3 جنيهات، ودعم السولار ارتفع إلى 5 جنيهات، كما ارتفع دعم أسطوانة البوتاجاز إلى 111 جنيها –161 جنيها التكلفة مقابل 50 جنيها سعرها الحالى- كما يتزايد دعم الكهرباء بالتبعية.
ضغوط ارتفاع أسعار النفط لن تقتصر على زيادة أعباء الموازنة العامة فحسب، بل ستمتد إلى الضغط على تدبير العملات الأجنبية ولا سيما أن 30% من استهلاك المواد البترولية يتم استيراده من الخارج، وإن كان هذا الأمر يتوارى إزاء انتعاش تدفقات النقد الأجنبى من مصادر الاقتصاد الحقيقى خاصة السياحة، والصادرات إلى جانب تحويلات المصريين بالخارج.
من ناحية أخرى، فإن ضغوط التطورات الاقتصادية العالمية لا تقتصر على تداعيات ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل تمتد إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض لسد عجز الموازنة العامة سواء من السوق المحلى، أو السوق العالمى، لأن ارتفاع الفائدة على الدولار الأمريكى وأزمة الأسواق الناشئة سببان رئيسيان فى ارتفاع العائد على السندات وأذون الخزانة التى تطرحها المالية، وهو ما دفع الوزارة إلى إلغاء الطرح 4 مرات فى وقت سابق للسندات متوسطة وطويلة الأجل بعد تلقيها أسعار فائدة فوق 20% وهى معدلات اعتبرتها غير مقبولة، واستبدال السندات بالأذون قصيرة الأجل. كما ترتفع أسعار الفائدة على أذون الخزانة بشكل بطىء، لكن تستمر فى الأسابيع الأخيرة، وهو ما جعلها تقترب من أعلى معدلاتها بعد تحرير سعر الصرف قبل عامين.
وارتفعت أيضا أسعار الفائدة على السندات المصرية فى الأسواق الدولية بمعدلات وصلت إلى 1.5% فى بعض الأحيان عن سعر الطرح، وعادت تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم السداد للارتفاع مجددا، بعد أن سجلت قصة نجاح خلال العام الماضى. كما أن البنك المركزى بدوره خفف من وتيرة خفض أسعار الفائدة، وبعد أن كانت التوقعات تشير إلى خفض بين 4 و5 نقاط مئوية خلال العام الحالى اكتفى البنك بخفضين بمجموع 2% فى بداية العام، وتشير التوقعات إلى أن البنك سيواصل سياسة التريث حتى الربع الأول من العام المقبل.
هذا التأثير يمتد إلى الصناديق العالمية التى تعيد هيكلة محافظها وتستهدف الاستثمار فى السوق الأمريكى للاستفادة من ارتفاع الفائدة على الدولار وسط إعلان الفيدرالى الأمريكى نيته الاستمرار فى سياسة رفع الفائدة على الدولار، إلى جانب استهداف الأسواق الناشئة التى شهدت ارتفاع الفائدة لديها لمواجهة انخفاض عملتها وفى مقدمتها الأرجنتين وتركيا. هذه التطورات ستترك أثرها بارتفاع العائد على السندات المصرية التى تعتزم وزارة المالية طرحها فى الأسواق العالمية خاصة الآسيوية، حيث تسعى إلى طرح سندات بالين وأخرى باليوان، كما يطرح تساؤلات حول خطة الوزارة فى اللجوء إلى السوق العالمى لاقتراض نحو 17 مليار دولار لتمويل عجز الموازنة العامة خلال الفترة المقبلة.
كما تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من إعادة هيكلة الصناديق العالمية لاستثماراتها فى الأسواق الناشئة وسحب جانب كبير منها، فلم تكن مصر بعيدة عن هذا الأمر نسبيا، إذ تراجعت استثمارات تلك الصناديق فى السندات والأذون الحكومية من 23 مليار دولار فى نهاية ديسمبر 2017 إلى نحو 14 مليار دولار فى نهاية سبتمبر 2018، إلا أن هذا الأمر لم ينعكس سلبيا على الاحتياطى الأجنبى لدى البنك المركزى الذى شهد استقرارا وحافظ على مستواه المرتفع بما يتجاوز 44.4 مليار دولار، وهو ما يغطى واردات 8.7 شهر.
 كما حافظ سوق الصرف على استقراره على مدى العامين الماضيين، ليعكس التحسن فى الاقتصاد الحقيقى واستعادة قطاعات الاقتصاد الأساسية عافيتها ولا سيما قطاع السياحة، كما يمثل شهادة نجاح للسياسة النقدية التى ينتهجها البنك المركزى ولا سيما فى قراءاته وتنبؤه بالتطورات الاقتصادية العالمية وأزمة الأسواق الناشئة فى الوقت المناسب والاستعداد لها بزيادة الاحتياطى الأجنبى بتمسك محافظ البنك المركزى طارق عامر باللجوء إلى طرح سندات فى فبراير وإبريل الماضيين، إلى جانب تفعيل أدوات السياسة النقدية الملائمة، ولا سيما سعر الفائدة بما أسهم فى الحفاظ على الجانب الأكبر من استثمارات الصناديق العالمية. كما أن استمرار التحسن فى مؤشرات الأداء الاقتصادى وتزايد ثقة المؤسسات الدولية ودوائر المال والاستثمار فى الاقتصاد المصرى أمر يدعم النظرة المستقبلية المتفائلة بالاقتصاد المصرى وقوة الدفع لاستكمال الإصلاح الهيكلى.
والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: هل ستتوقف آثار مشاكل الأسواق الناشئة على الاقتصاد المصرى عند هذا الحد؟ وما السيناريوهات المحتملة لها؟ وكيف ستتعامل الحكومة والبنك المركزى مع تلك السيناريوهات؟
قال د. محمد معيط وزير المالية: إن الحكومة ستستمر فى سياسة إلغاء مزادات السندات التى يطلب فيها المستثمرون أسعار فائدة غير مقبولة، بهدف السيطرة على تكلفة الدين المرتفعة بالفعل.
وتبلغ مخصصات الدين فى موازنة العام المالى الحالى الذى بدأ فى يوليو الماضى 541 مليار جنيه تعادل نحو 39% من الإنفاق العام، وهو ما يترك فرصة ضئيلة أمام الحكومة للمناورة.
وتراجع بنك الإمارات دبى الوطنى عن توقعاته لخفض أسعار الفائدة فى ظل اتجاه المستثمر الأجنبى للخروج من سوق الدين المحلى، لكنه ذكر أن ذلك غير كاف لتغطية الفجوة، بينما تستعد الحكومة لدفعه وما يرغب المستثمر فى الحصول عليه من فوائد. وأشار المحللون إلى إمكانية ارتفاع تكلفة إعادة جدولة الديون الخارجية فى ظل التشدد النقدى عالميا، وهو ما يخلق ضغوطا على ميزانية الحكومة، وبالتالى يستنزف مزيدا من الإيرادات لتغطية خدمة الدين بدلا من النواحى الإنتاجية، فى ظل أن مصر تمرر أكثر من ثلث نفقاتها لفوائد الديون مقابل 17.9% فى 2008.
تراجعت استثمارات الأجانب القائمة فى أذون الخزانة بنهاية يوليو الماضى لتسجل 269 مليار جنيه مقابل 352 مليار جنيه يناير 2018، وسجلت أعلى معدلاتها مارس الماضى عند 380 مليار جنيه.
وتوقع معهد التمويل الدولى أن يتواصل خروج المستثمرين الأجانب من الدين الحكومى المصرى، وأن تتراجع استثماراتهم إلى النصف تقريبا بنهاية العام المالى الحالى، مقابل نحو 17.5 مليار دولار فى يوليو الماضى.
قالت مصادر مصرفية تدير استثمارات فى السندات الدولية المصرية: إن أسعار الفائدة على السندات المصرية الدولية ارتفعت بمعدل بين 1 و1.5% فى متوسط الآجال بالنظر إلى أسعارها فى يناير الماضى.
وإن أسعار العوائد على السندات بالنسبة للأسواق الناشئة مرتفعة، وتمر بظروف صعبة للغاية والاتجاهات المستقبلية لأسعار الفائدة غير واضحة فى ظل التغيرات المستمرة فى الوقت الراهن. وأشارت المصادر إلى أن الأسواق الناشئة شهدت خلال الفترات السابقة حالة من التذبذب نتيجة أسباب متعددة مثل أزمة الديون فى آسيا التى حدثت فى فترة التسعينيات، لكن ما يجرى حاليا حالة غير واضحة المعالم.
ونقلت وكالة بلومبرج عن وزير المالية محمد معيط قوله: إن مسئولين من وزارة المالية سيقومون بجولات فى الأسواق الآسيوية لاستطلاع إمكانية طرح سندات هناك خلال الشهور المقبلة.
من ناحية أخرى، فإن خفض قيمة بعض عملات الأسواق الناشئة يهدد بمزيد من العجز فى الميزان التجارى لمصر بعد ارتفاع تنافسية واردات بعض الدول على حساب المنتج المصرى فى الوقت نفسه الذى تخلى فيه الأجانب عن الاستثمار فى أدوات الدين الحكومى.
وتراجع العجز فى الميزان التجارى بنهاية الربع الثالث من العام المالى الماضى ليسجل 9.3 مليار دولار مقابل 9.8 مليار دولار بنهاية الربع الثانى من العام نفسه وفقا لأحدث بيانات للبنك المركزى.
ونجحت الحكومة خلال العامين الماضيين فى خفض العجز فى الحساب الجارى إلى 2.5% من الناتج المحلى بعد أن بلغ مستويات حرجة قبل عملية الإصلاح فى 2016 تخطت 6% من الناتج المحلى الإجمالى. ورغم العجز التجارى الواسع، فإن تضييقه العام الماضى أدى إلى مساهمة إيجابية فى نمو الناتج المحلى الإجمالى خلال العام المالى الماضى بمعدل 0.4%، لكن الإحصائيات التالية على ذلك تشير إلى أن العجز التجارى استأنف نموه من جديد.
وزيرة التخطيط هالة السعيد قالت: إن معالم الأزمة بشكل كامل ستتضح مع مطلع يناير المقبل "عندها سنعرف ما إذا كانت أحداثا عابرة كالتى تشهدها الأسواق من حين لآخر أم أنها ستستمر".
وأشارت إلى أن الإصلاحات الاقتصادية القوية التى أجرتها الحكومة فى الفترة الأخيرة ستمكن من عبور الأزمة بسلام مثلما حدث مع الأزمة المالية العالمية بسبب الإصلاحات المصرفية. وقللت السعيد من تأثير التذبذبات الحالية بالبورصة على برنامج الطروحات الحكومية المزمع بداية الشهر المقبل، وقالت إن السوق متعطش لأوراق مالية جديدة، خاصة أن المصرية للاتصالات كانت آخر شركة طرحتها الحكومة.
 
تداعيات الأزمةعلى الاقتصاد العالمى
 
يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن هناك عددا من الأوضاع والظروف التى تسود النظام الاقتصادى العالمى حاليا قد تؤدى إلى حدوث أزمة جديدة، إلا أنهم يشيرون إلى أنه لا يمكن التنبؤ بتوقيت انفجار الأزمة الجديدة أو مصدرها؛ لأن الأزمات تحدث بشكل فجائى كالتسونامى. وتتضمن هذه الأوضاع حزمة من العوامل تتمثل فى: الحروب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبى، وتردى أوضاع عدد من الاقتصادات الأوروبية، والاضطرابات التى تجتاح الأسواق الناشئة التى أدت إلى موجات قوية من نزوح الأموال، إضافة إلى ارتفاعات أسعار البترول، والحروب التجارية العالمية، ونشاط هذه العوامل جميعها بجانب تضافرها بقوة قد يكون مفجرا لأزمة جديدة.
وكان تقرير حديث لوكالة بلومبرج الاقتصادية حول أوضاع الأسواق الناشئة مثل الأرجنتين، وتركيا، وإندونيسيا، قد قال: إن الصعوبات التى تواجهها هذه الأسواق حاليا تفوق ما كانت تجابهه إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008، وهو ما دفع المستثمرين حاليا لسحب أموالهم من الأسواق الناشئة تجنبا لتكبد أى خسائر جديدة. ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن الحفاظ على استقرار عوائد الاستثمار مقارنة بمخاطر أسعار صرف عملات هذه الدول أحد العوامل المهمة للحد من حدوث أزمة جديدة، لذا فإن أى تأخر فى رفع أسعار الفائدة فى الدول الناشئة مثل تركيا سيفاقم مشكلاتها الاقتصادية. إضافة إلى تعزيز وسائل الرقابة على البنوك، وتبنى نظم تكتشف الأزمات والمشكلات قبل حدوثها، والتواصل مع المستثمرين بشكل مستمر للوقوف على آخر التطورات المالية والاقتصادية واستعدادات صناع القرار لمجابهة المشكلات المحتملة.
ويرى المحللون الاقتصاديون أن خطر انتقال عدوى الأزمة إلى باقى الأسواق الناشئة الأخرى حقيقى. ويرجع ذلك جزئيا إلى السياسات الاستثمارية التى تسمح للمستثمرين بشراء الديون وأسهم العديد من البلدان فى حزمة واحدة. فى بعض الحالات، يقوم المستثمرون – الذين يشعرون بالقلق من الضعف فى سوق ما – ببيع الأسهم فى كل منهم لتقليل المخاطر.