رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

20 مارس 2019

اخر الأخبار

دراسة لـ"أوابك": مصر أكبر سوق للطاقة بالمنطقة وتشهد نموا يحفز على الاستثمار

1-1-2019 | 15:31 228

كتب ـ د. محمود جلالة:

أصدرت منظمة الاقطار العربية المصدرة للبترول أوابك، دراسة حديثة حول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، ومن ضمنها اكتشاف حقل ظهر وحقول شمال الاسكندرية فى البحر المتوسط : بعنوان"واقع آفاق الغاز الطبيعى فى منطقة شرق المتوسط".
وذكر الأمين العام للمنظمة عباس على النقى ، لقد حظيت منطقة شرق المتوسط بقدر بالغ من الاهتمام في السنوات الأخيرة، بعد تحقيق عدة اكتشافات متتالية للغاز، مثل اكتشاف " أفروديت" في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، واكتشاف " ظهر" في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية مصر العربية، وغيرهما. فمن الناحية الجيولوجية، تضم منطقة شرق المتوسط حوضي "ليفانت" و"دلتا النيل" الرسوبيين، وهما يمتدان معاً على مساحة 333,000 كم2 شرق البحر المتوسط. وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن متوسط حجم مصادر الغاز غير المكتشفة والقابلة للاستخراج فنياً في الحوضين يقدر بحوالي 346 تريليون قدم مكعب. وفي هذا السياق، فإن ما أسفرت عنه أنشطة البحث والاستكشاف من اكتشافات يأتي في سياق متصل يبرهن على أن المنطقة غنية بالغاز، مما قد يغير من سيناريو الطاقة في دول المنطقة، وينبئ بإمكانية تحويل منطقة شرق المتوسط ككل إلى محور إقليمي-وربما عالمي-للطاقة
وأضاف "مما لا شك فيه أن مشاريع النفط والغاز تلعب الدور المحوري في تلبية احتياجات الدول من مصادر الطاقة، ودعم خططها التنموية، وتنفيذ رؤيتها المستقبلية. ولقد شرعت بالفعل بعض دول المنطقة مثل جمهورية مصر العربية في تنفيذ مشاريع تطويرية لاكتشافات الغاز لديها في مسعى نحو تأمين احتياجاتها في السوق المحلي. وفي حال تطوير كافة الاكتشافات الحالية، فمن المتوقع أن يكون هناك فائض عن احتياجات دول المنطقة يمكن تصديره إلى الأسواق المجاورة، وهو الأمر الذي سيعزز من أهمية منطقة شرق المتوسط مستقبلاً على خريطة الطاقة، خاصة إذا ما تحققت اكتشافات جديدة في ضوء أنشطة البحث والاستكشاف الجارية. وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول منطقة شرق المتوسط إلى "محور" يمد أسواق كبرى بالغاز خاصة السوق الأوروبي الذي يسعى نحو تنويع مصادر إمداداته في إطار خططه الرامية نحو تعزيز أمنه في مجال الطاقة.

وتابع :"من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة فهي تعطي استعراضاً وتحليلاً شاملاً لأنشطة البحث والاستكشاف عن الغاز في منطقة شرق المتوسط وما أسفرت عنه من اكتشافات خلال العقدين الماضيين، بالإضافة إلى تقديرات ثروات المنطقة غير المكتشفة من النفط والغاز. كما تتطرق إلى تداعيات اكتشافات الغاز الأخيرة في منطقة شرق المتوسط على المستويين الإقليمي والعالمي، والسيناريوهات المختلفة لتحويل المنطقة إلى محور عالمي للغاز في المنظور القريب والبعيد.
وأشار إلى أن الأمانة العامة إذ تصدر هذه الدراسة المتخصصة، في إطار سعيها الدؤوب نحو رصد وتحليل أبرز المتغيرات والتطورات في قطاع الغاز الطبيعي بالمنطقة، وما لذلك من تداعيات وانعكاسات على المستويين الإقليمي والدولي، لتوفر مادة ثرية للخبراء، والاختصاصين، وصانعي القرار.

أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى استعراض اكتشافات الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط خلال العقدين الماضيين، والتي تأتي في سياق متصل يبرهن على أن منطقة شرق المتوسط بمثابة مقاطعة غنية بالغاز. كما تتطرق الدراسة إلى إمكانية تحويل منطقة شرق المتوسط إلى محور للطاقة يساهم في تلبية الطلب على الغاز على المستويين الإقليمي والدولي.
تقع الدراسة في ثلاثة فصول، حيث يتناول الفصل الأول الأحواض الرسوبية في منطقة شرق المتوسط، ومتوسط تقديرات ثرواتها الهيدروكربونية غير المكتشفة. كما يستعرض الفصل أنشطة البحث والاستكشاف في منطقة شرق المتوسط، وما أسفرت عنه من اكتشافات.
بينما يتناول الفصل الثاني خطط تطوير الحقول المكتشفة حديثا في منطقة شرق المتوسط، وبرامجها الزمنية المعلنة، وكيف تساهم في تلبية الطلب على الغاز في دول المنطقة.
أما الفصل الثالث، فيتناول تداعيات اكتشافات الغاز في منطقة شرق المتوسط على المستويين الإقليمي والعالمي، وهل يمكن تحويلها مستقبلاً إلى محور للغاز يساهم في تلبية احتياجات أوروبا المستقبلية منه، ودعم تنويع إمداداتها والسيناريوهات المحتملة لذلك.

1: رحلة البحث عن الغاز في منطقة شرق المتوسط
1-1: الأحواض الرسوبية في منطقة شرق المتوسط
تطل عدد من البلدان العربية وغير العربية على منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث يحدها من ناحية الجنوب والجنوب الشرقي كل من مصر وقطاع غزة، ومن الشرق كل من فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا، ومن الشمال كل من تركيا وجزيرة قبرص، وصولاً إلى اليونان في أقصى الشمال الغربي.

ونظراً لأهمية منطقة شرق المتوسط البحرية التي تضم حوضين رسوبين هما حوض "ليفانت" Levant، وحوض "دلتا النيل" Nile Delta ، واحتمالية احتواءها على ثروات نفطية وغازية كبيرة غير مكتشفة، أصدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية(USGS) تقريرين منفصلين في عام 2010، ضمن برنامجها الموجَه نحو تقييم الأحواض الرسوبية ذات الأولوية حول العالم، وذلك لتقدير مصادر النفط والغاز وسوائل الغاز الطبيعي غير المكتشفة في الحوضين، واللذان يمتدان معاً على مساحة قدرها 333,000 كم2 في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا الصدد، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية متوسط حجم المصادر الهيدركربونية غير المكتشفة والقابلة للاستخراج فنياً في حوض "ليفانت" استناداً إلى البيانات الجيولوجية المتاحة، وبيانات آبار النفط والغاز التي تم حفرها في الحوض بحوالي 1.7 مليار برميل من النفط، ونحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز، بالإضافة إلى 3 مليار برميل من سوائل الغاز الطبيعي.

 

أما في حوض "دلتا النيل"، فجاء متوسط تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 1.76 مليار برميل من النفط، ونحو 223.2 تريليون قدم مكعب من الغاز، بالإضافة إلى 5.974 مليار برميل من سوائل الغاز الطبيعي.
وبالتالي، يكون إجمالي متوسط المصادر الهيدركربونية غير المكتشفة والقابلة للاستخراج فنياً في حوضي ليفانت ودلتا النيل معاً حوالي 346 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ونحو 3.5 مليار برميل من النفط، بالإضافة إلى 9 مليارات برميل من سوائل الغاز الطبيعي .

كما تعد المنطقة المفتوحة في القسم الغربي من شرق المتوسط من المناطق التي يعتقد أنها تحتوي أيضاً على مكامن بترولية غير مكتشفة إلى جانب حوضي ليفانت ودلتا النيل الرسوبيين. وهي منطقة بكر لم تشهد أية اكتشافات سابقة، حيث لم يتم حفر سوى بئرين استكشافيين ضمن نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة () لمصر.
ويعد حوض هيرودوت الرسوبي(Herodotus Basin) الذي يمتد على مساحة 113,000 كم2 أسفل المياه الاقتصادية الخالصة لكل من مصر، وقبرص، واليونان، أكبر الأحواض بالمنطقة وأهمها من الناحية الجيولوجية بسبب ما يحتويه من تراكيب قد تشكل مكامن محتملة للنفط والغاز. ويحد حوض هيرودوت من الشرق "حوض ليفانت" (جبل إيراتوستينس البحري)، ومن الجنوب الشرقي "حوض دلتا النيل".
بينما يحده من الجنوب منطقة "الجرف" (Shelf Zone)، ومن الشمال "منطقة قمة/أعلى المتوسط" (Mediterranean Ridge) ، وهو يقع في مياه يتراوح عمقها بين 1,000 و 3,000 متر.
وقد توصلت إحدى الدراسات الحديثة التي اعتمدت على تحليل الحوض من الناحية الجيولوجية، وبيانات المسح السيزمي المتاحة، والتراكيب الجيولوجية المجاورة، والمقارنة مع أحواض مشابهة، إلى أن الحوض يحتوي على مالا يقل عن 122 تريليون قدم مكعب من الغاز، إلا أن ذلك يظل مرهوناً بإجراء عمليات بحث واستكشاف من جانب الشركات الكبرى المتخصصة، وما ستسفر عنه نتائج الحفر الاستكشافي. وإذا صدقت صحة هذه التقديرات، سيرتفع متوسط تقديرات مصادر الغاز غير المكتشفة في منطقة شرق المتوسط بقسميها الشرقي والغربي إلى 468 تريليون قدم مكعب.

1-2: أنشطة البحث والاستكشاف عن الغاز في منطقة شرق المتوسط وما أسفرت عنه من اكتشافات
أجرت الدول المطلة على منطقة شرق المتوسط منذ عقود، عدة دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية لتحديد وتقييم مواقع المكامن الجيولوجية المأمولة في شرق مياه المتوسط. وقد استعانت هذه الدول بكبريات الشركات العالمية المتخصصة في جمع وتفسير بيانات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد مستخدمة أحدث التقنيات المتوفرة في هذا المجال. وقد أظهرت نتائج المسح السيزمي وجود هيكليات وطبقات جيولوجية واضحة المعالم قد تشكل مكامن محتملة للنفط والغاز.
وفي ضوء هذه النتائج، طرحت دول شرق المتوسط (كل دولة داخل نطاق مياهها الاقتصادية الخالصة) عدة جولات تراخيص لفتح مياه شرق المتوسط لعمليات البحث والاستكشاف أمام شركات البترول العالمية، وهو الأمر الذي وجد قبولا من الشركات ولكنه جاء متفاوتاً من دولة إلى أخرى استناداً إلى عدة عوامل كمناخ الاستثمار، والقواعد التنظيمية والتشريعية، ودرجة المخاطرة لعمليات الاستكشاف. فأغلب المناطق المطروحة لم تشهد تحقيق اكتشافات سابقة للغاز أو الزيت الخام. ومن العوامل التي أثرت أيضأً على عمليات البحث والاستكشاف في شرق المتوسط هو العمق الكبير للمياه الذي يصل إلى أكثر من 3,000 متر في بعض المناطق، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف الحفر والتي قد تصل إلى 150 مليون دولار للبئر الواحد. علاوة على ذلك، الحاجة إلى سفن حفر متقدمة للعمل في الأعماق السحيقة، ولا تملك العديد من الشركات هذه التقنيات المتقدمة أو الخبرة اللازمة للقيام بمثل هذه العميات شديدة المخاطرة، وعالية التكلفة.
وبالرغم من هذه الصعوبات الفنية، استطاعت شركات البترول العالمية مثلBP البريطانية، وEni الإيطالية تحقيق عدة اكتشافات كبرى للغاز، إلا أن الوقت لا يزال مبكراً لتقييم منطقة شرق المتوسط بشكل كامل، فما زال هناك العديد من عمليات البحث القائمة التي تديرها شركات البترول الكبرى صاحبة الامتياز، كما أنه لا يزال العديد من القطاعات البحرية المفتوحة التي لم يتم منحها بعد.
وتعد مصر أولى دول شرق المتوسط في إجراء عمليات للبحث عن الغاز في منطقة البحر المتوسط، وذلك عبر طرح عدة مزايدات عالمية منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي. حيث تعود البداية الفعلية لنشاط مصر في فتح مياه البحر المتوسط أمام شركات البترول العالمية في منطقة المياه العميقة إلى عام 1998، عندما طرحت الهيئة المصرية العامة للبترول جولة التراخيص الأولى والتي تضمنت ثمانية قطاعات بمساحة إجمالية 170,188 كم2؛ من بينها ثلاثة قطاعات بحرية في منطقة البحر المتوسط، والتي أسفرت عمليات البحث والاستكشاف فيها عن تحقيق اكتشافات واعدة للغاز.
كما شهدت الفترة (2002-2015) نشاطاً مكثفاً في طرح المزايدات العالمية للبحث عن النفط والغاز في منطقة المتوسط ودلتا النيل والتي لاقت إقبالاً واضحاً من شركات البترول العالمية مثلBP وENI وغيرهم، وعلى إثر ذلك، حصلت عدة شركات عالمية على حقوق الامتياز في عدة قطاعات بحرية، ونجحت في تحقيق اكتشافات ساهمت في تحقيق قفزة كبيرة لقطاع الغاز الطبيعي في مصر، وهو الأمر الذي كان له انعكاسا واضحا على مسار التنمية في مصر.
ويعد اكتشاف "ظهر" الذي حققته شركةEni الإيطالية في آب/أغسطس 2015، الاكتشاف الأكبر للغاز في مصر، وأكبر اكتشافات الغاز في منطقة شرق المتوسط. ويقع "ظهر" على بعد 190 كم قبالة السواحل المصرية، وعلى مقربة من الحدود البحرية المشتركة لمصر مع قبرص، حيث يبعد حوالي 4-6 كم من القطاع-11 بالمياه الاقتصادية الخالصة لقبرص، ونحو 40 كم فقط من حقل "أفروديت" القبرصي.
ومن زاوية أخرى، ساهمت الاكتشافات المتتالية للغاز التي بدأت وتيرتها تتصاعد من عام 2000 في دعم الاحتياطي المتبقي من الغاز، وجذب الاستثمارات الأجنبية لإنشاء بنية أساسية لتصدير الغاز الفائض، حيث قامت مصر بإنشاء محطتي لتصدير الغاز الطبيعي المسال في مدينتي دمياط وإدكو عام 2005، بالإضافة إلى خطي أنابيب لتصدير الغاز إلى دول الجوار، وهما خط الغاز العربي لتصدير الغاز إلى الأردن وسوريا ولبنان، وتقدر طاقته التصميمية بنحو 1 مليار قدم مكعب غاز/اليوم؛ والخط البحري لتصدير الغاز إلى فلسطين المحتلة بطاقة 677 مليون قدم مكعب/اليوم.

على صعيد آخر، انطلقت عمليات البحث عن النفط والغاز قبالة سواحل فلسطين المحتلة منذ مطلع السبعينات، حيث شهدت الفترة (1970-1990) حفر العديد من الآبار الاستكشافية في المياه الضحلة (على بعد 10-20 كم من خط الساحل) لكنها لم تسفر عن تحقيق أية اكتشافات تجارية؛ إلا أنه في عام 1999، تم الإعلان عن أول اكتشاف للغاز "نوا-1" Noa-1 على بعد 40 كم غرب مدينة عسقلان. كما حقق ائتلاف بقيادة شركةBG البريطانية في عام 2000، أول اكتشاف للغاز "غزة مارين" قبالة سواحل قطاع غزة، على بعد 36 كم غرب مدينة غزة.

ويمكن القول بأن هذه الاكتشافات الأولية للغاز قبالة سواحل فلسطين المحتلة وقطاع غزة رغم تواضعها، كانت بمثابة الشرارة الأولى لتكثيف عمليات البحث في مياه شرق المتوسط، بغية تحقيق اكتشافات جديدة. وقد أسفر هذا النشاط المكثف عن تحقيق عدة اكتشافات بإجمالي 11 اكتشاف، أبرزها اكتشاف "تمار" في عام 2009، ويقع على بعد 90 كم غرب مدينة حيفا. واكتشاف "ليفياثان" في عام 2010، ويقع على بعد 50 كم غرب "تمار" وهو الأكبر في المياه الاقتصادية لفلسطين المحتلة، حيث تقدر احتياطياته من الغاز بنحو 21.9 تريليون قدم مكعب.
كما تعتبر قبرص من أوائل الدول في منطقة شرق المتوسط التي قامت بإعداد دراسات جيوفيزيائية وجيولوجية عن منطقتها البحرية ويعود ذلك إلى حقبة السبعينيات. وبالرغم من هذه البداية التاريخية، إلا أن البداية الحقيقية انطلقت عام 2006، عندما بدأت إدارة خدمات الطاقة التابعة لوزارة التجارة والصناعة والسياحة في تنفيذ برنامج لجمع بيانات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد للمنطقة الاقتصادية الخالصة، لوضع تصور عن المنظومة البترولية، الذي أظهر وجود هيكليات وطبقات جيولوجية واضحة المعالم قد تشكل مكامن محتملة للنفط والغاز. وقد بدأت أولى الخطوات العملية لجذب الشركات العالمية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه القبرصية وذلك بطرح جولة التراخيص الأولى في عام 2007، التي لاقت إقبالاً متواضعاً من الشركات العالمية، إلا أن نتائج عمليات البحث التي قام بـها ائتـــلاف بقيــــادة شـــركــةNoble Energy الأمريكية، أسفرت عن تحقيق اكتشاف "أفروديت" في عام 2011 الذي يضم نحو 3.6-6 تريليون قدم مكعب من الغاز، وبأفضل تقدير 5 تريليون قدم مكعب. وقد أعطى اكتشاف "أفروديت" دفعة قوية لجهود قبرص الرامية نحو إعادة طرح المنطقة الاقتصادية بغية تحقيق اكتشافات جديدة. وفي هذا الصدد، طرحت وزارة الطاقة القبرصية جولة تراخيص ثانية في عام 2012، ثم جولة تراخيص ثالثة في عام 2016، وقد لاقت هذه الجولات إقبالاً ملحوظاً من شركات البترول العالمية، خاصة جولة عام 2016، على أمل أن تسفر أنشطتها الاستكشافية عن تحقيق اكتشافات واعدة مثل "ظهر".
وفي هذا الصدد، نجحت شركةEni في عام 2018 في تحقيق اكتشاف جديد "كاليبسو" (Calypso)، في مياه عمقها 2,074 متر. وهو يؤكد وجود امتداد لطبقات "ظهر" في المياه الاقتصادية الخالصة لقبرص. ويعد هذا الاكتشاف الجديد، الأول بعد عدة سنوات من تحقيق اكتشاف "أفروديت" عام 2011، وتشير التقديرات الأولية بأن احتياطياته تتراوح من 6 إلى 8 تريليون قدم مكعب.
كما قامت لبنان على مدار العقدين الماضيين بجمع بيانات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد في المنطقة الاقتصادية التي تبلغ مساحتها الإجمالية 22,730 كم2، وهي تمتد على ما يعادل 30% من مساحة حوض ليفانت الرسوبي. وتم الإعلان رسمياً عن انطلاق جولة العروض الأولى عام 2017، والتي أسفرت عن تلقي عرضين قدمهما ائتلاف من ثلاث شركات هيEni الإيطالية، Total الفرنسية، Novatek الروسية. وتأمل لبنان أن تسفر عمليات البحث التي سيقوم بها الائتلاف عن تحقيق اكتشافات، حيث سيعطي ذلك دفعة قوية لجذب المزيد من شركات البترول العالمية للدخول في المياه الاقتصادية اللبنانية، وهو الأمر الذي سيمكن لبنان من استغلال ثرواتها الطبيعية المحتملة ودعم اقتصادها.
أما في سوريا، انطلقت أولى عمليات البحث السيزمي في المياه الاقتصادية الخالصة عام 2005، وطرحت وزارة البترول والثروة المعدنية أولى جولات التراخيص عام 2007 والتي جاءت نتائجها مخيبة للآمال، ثم طرحت عام 2011 جولة تراخيص ثانية، ولم تعلن نتائجها نظراً لما تمر به سوريا من أحداث منذ عام 2011. وفي ضوء ما سبق وبسبب الأوضاع التي تمر بها البلاد ، لم يتحقق حتى الآن أية اكتشافات غازية قبالة السواحل السورية.
1-3:
ملخص بالقطاعات التي تجرى بها أنشطة البحث والاستكشاف في منطقة شرق المتوسط
بالنظر إلى منطقة شرق المتوسط ككل وفي ضوء التراخيص السارية مطلع عام 2018، فلا تزال عمليات البحث والاستكشاف قائمة في 33 قطاعاً بحرياً موزعة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من مصر، وفلسطين المحتلة، وقبرص، ولبنان، وسوريا ، بمساحة إجمالية 81,860 كم2 (ما يعادل نحو 25% من المساحة الإجمالية لحوضي ليفانت ودلتا النيل الرسوبيين).
وتعتزم شركات البترول العالمية صاحبة التراخيص في هذه القطاعات استكمال تنفيذ عمليات الحفر الاستكشافي خلال السنوات القليلة المقبلة والتي قد تسفر عن تحقيق اكتشافات جديدة. وتتصدر مصر دول شرق المتوسط من حيث عدد القطاعات قيد عمليات البحث، بإجمالي 14 قطاعاً بحرياً بمساحة إجمالية 45,319 كم2، (متوسط القطاع الواحد ~ 3,200 كم2). بينما لا تزال عمليات البحث والاستكشاف قائمة في سبعة قطاعات في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص بمساحة إجمالية 27,172 كم2 (متوسط القطاع الواحد حوالي 3,800 كم2)، وفي تسعة قطاعات في المنطقة الاقتصادية الخالصة لفلسطين المحتلة بمساحة إجمالية 3,346 كم2، (متوسط مساحة القطاع الواحد حوالي 400 كم2).
ومؤخراً، دخلت المنطقة الاقتصادية الخالصة لـ لبنان ضمن نطاق عمليات البحث والاستكشاف، بعد منح ترخيص البحث في قطاعين بحريين بمساحة إجمالية 3,653 كم2. أما في سوريا، فلا يوجد سوى قطاع بحري واحد (الممتد من مدينة طرطوس إلى مدينة بانياس) بمساحة إجمالية 2,190 كم2.

أما المناطق التي لا تزال مفتوحة في شرق المتوسط (ضمن نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل دولة)، فتزيد مساحتها الكلية عن إجمالي مساحة القطاعات التي تشهد عمليات بحث مكثفة، حيث تبلغ حوالي 91,763 كم2 .

 وتمثل المناطق المفتوحة مجموع مساحات القطاعات المتبقية من جولات العروض التي طُرحت في وقت سابق في كل من مصر، وفلسطين المحتلة، وقبرص، ولبنان، وسوريا، بالإضافة إلى القطاعات البحرية التي تم تحديدها من قبل هذه الدول، ولم يتم طرحها بعد في أية مزايدات عالمية أمام عمليات البحث.


وفي نفس الصدد، تقوم كل من مصر، وفلسطين المحتلة، ولبنان بالتجهيز لطرح جولات تراخيص تضم مناطق جديدة من هذه القطاعات المفتوحة، على أمل أن تجذب شركات البترول العالمية للمنافسة عليها، وتكثيف عمليات الاستكشاف بغية تحقيق اكتشافات جديدة.

2: تطوير اكتشافات الغاز في دول شرق المتوسط لتلبية احتياجاتها من الطاقة
2-1: مزيج الطاقة الأولية في دول شرق المتوسط
تختلف أهمية الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة من بلد لآخر، ففي بعض البلدان يعد النفط المصدر الرئيسي للطاقة الأولية، ويُعتمد عليه بشكل كبير في كافة القطاعات الاقتصادية. وفي البعض الآخر، يكون الغاز المصدر الرئيسي للطاقة ومحرك التنمية الاقتصادية، ومدخل رئيسي نحو تحقيق التنمية المستدامة لقلة الانبعاثات الناتجة عن حرقه، وتوافقه مع كافة التشريعات والقوانين البيئية.
وبدراسة مزيج الطاقة الأولية في دول شرق المتوسط، يلاحظ أن الغاز ليس المصدر الرئيسي للطاقة في أغلب هذه الدول، بل إن بعضها لم يستخدم الغاز الطبيعي بعد، وما زال يعتمد بشكل شبه كامل على النفط كما هو الحال في قبرص ولبنان، بينما يعتمد البعض الآخر بشكل كبير على الغاز الطبيعي. ففي مصر تمثل حصة الغاز الطبيعي نحو 53% من إجمالي استهلاك الطاقة الأولية. وتعد مصر من أوائل دول المنطقة في استخدام الغاز الطبيعي ويعود ذلك إلى أكثر من أربعة عقود. كما تبنت مصر عدة برامج فعالة لدعم استخدام الغاز الطبيعي في عدة قطاعات ومنها قطاع النقل لتقليل الاعتماد على الوقود السائل مثل الغازولين والكيروسين والديزل، وفي القطاع السكني لتقليل الاعتماد على غاز البترول المسال. كما يعتمد السوق المحلي على الغاز الطبيعي كمادة خام (لقيم) لقطاع البتروكيماويات.
كما تعد سوريا من دول المنطقة التي تعتمد على الغاز بشكل كبير نوعاً ما، فهو يمثل نحو 35% من إجمالي استهلاك الطاقة الأولية، بينما يساهم النفط بنسبة 61%، وتساهم مصادر الطاقة المتجددة بالنسبة المتبقية.
أما فلسطين المحتلة، فهي حديثة العهد في استخدام الغاز الطبيعي ويعود ذلك إلى عام 2004، وقد بات الغاز يمثل نحو 33% في مزيج الطاقة الأولية .
أما من جانب استهلاك الغاز في دول منطقة شرق المتوسط، فتعد مصر المستهلك الأكبر على الإطلاق، حيث بلغ إجمالي استهلاكها من الغاز عام 2017 حوالي 5.7 مليار قدم مكعب/اليوم (58.8 مليار متر مكعب/السنة)، وتأتي فلسطين المحتلة في المرتبة الثانية حيث بلغ استهلاكها عام 2017 حوالي 1 مليار قدم مكعب/اليوم (10.2 مليار متر مكعب/السنة). أما في سوريا، فقد تراجع استهلاك الغاز بشكل حاد خلال السنوات الخمس الماضية، ليصل إلى متوسط 390 مليون قدم مكعب/اليوم (4 مليار متر مكعب/السنة) عام 2017 .وبذلك يكون إجمالي استهلاك الغاز في منطقة شرق المتوسط (مصر، فلسطين المحتلة، سوريا) حوالي 7.1 مليار قدم مكعب/اليوم، حيث يشكل استهلاك مصر وحده نحو 80% من الإجمالي، وهو الأمر الذي يعكس "حجم السوق المصري" مقارنة بباقي دول المنطقة.

* ملحوظة: لا تستخدم كل من قبرص ولبنان الغاز الطبيعي.

2-2: خطط تطوير اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط
لعبت اكتشافات الغاز في شرق المتوسط دوراً هاماً في تأمين احتياجات بعض دول المنطقة وبالأخص مصر وفلسطين المحتلة من الغاز. حيث تعد مصر أكبر سوق للطاقة بشكل عام في المنطقة، وتشهد نمواً سنوياً مستمراً في الطلب عليها، وهو ما يحفز ويشجع على الاستثمار في مواردها النفطية والغازية لتلبية احتياجات السوق المحلي من موارد الطاقة. ويمكن تقسيم التطورات والتغيرات الديناميكية التي شهدها إنتاج الغاز الطبيعي منذ عام 2000 إلى ثلاثة مراحل، حيث تمثل المرحلة الأولى طفرة الإنتاج وتنفيذ مشاريع التصدير وهي تمتد خلال الفترة (2000-2010)، بينما تمثل المرحلة الثانية تراجع إنتاج الغاز وبدء الاستيراد وهي تمتد خلال الفترة (2011-2016). أما المرحلة الثالثة فبدأت عام 2017 بانطلاق مشاريع التطوير الجديدة للاكتشافات الكبرى مثل اكتشاف "ظهر" في منطقة شروق البحرية، واكتشاف "أتول" في منطقة شمال دمياط البحرية، والاكتشافات السابقة في منطقة غرب دلتا النيل (تورس، وليبرا، ورافين، وجيزة، وفيوم)، وذلك لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز قبل عام 2020.

ولعل أبرز ما شهده قطاع الغاز في مصر (ضمن تطورات المرحلة الثالثة ) هو نجاح تشغيل حقل "ظهر" في زمن قياسي، حيث أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية في كانون الأول/ديسمبر 2017، بدء التشغيل التجريبي بمعدل إنتاج مبدئي 350 مليون قدم مكعب غاز/اليوم، وذلك بعد نجاح اختبارات التشغيل الفنية لوحدات المعالجة وخطوط نقل الغاز من آبار الحقل إلى محطة المعالجة. وقد نجحت شركةEni في الإسراع برفع إنتاج "ظهر" في وقت قياسي أيضاً، حيث بلغ نحو 2 مليار قدم مكعب/اليوم في شهر أيلول/سبتمبر 2018، أي بعد نحو تسعة أشهر من بداية تشغيله، وقبل نحو عام عن الجدول الزمني المخطط. وفي سياق آخر، بدأ إنتاج الغاز من المرحلة الأولى لمشروع تطوير "أتول" في شهر شباط/فبراير 2018، قبل نحو سبعة أشهر من الموعد المحدد. وقد بلغ إنتاج المرحلة الأولى حوالي 350 مليون قدم مكعب/اليوم من الغاز، بالإضافة إلى 10,000 برميل/اليوم من المتكثفات.
أما في فلسطين المحتلة، فقد كان لتطوير اكتشافات الغاز دوراً فعالاً في رفع الإنتاج المحلي لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء لتعويض النقص الناتج عن توقف إمدادات الغاز من مصر عبر الخط البحري منذ عام 2012. حيث بدأ إنتاج الغاز من حقل "تمار" في مارس/آذار عام 2013، ليدشن مرحلة هامة في تاريخ استغلال الثروات الغازية في منطقة شرق المتوسط بشكل عام وفي فلسطين المحتلة بشكل خاص.
ويلبي " تمار" أكثر من 90% من الطلب المحلي على الغاز بفلسطين المحتلة،. وهو يشكل وحده أكثر من 50% من الوقود المستخدم في قطاع الكهرباء، كما يساهم بـ 100% من احتياجات القطاع الصناعي من الغاز. ولا تزال فلسطين المحتلة تستورد الغاز الطبيعي المسال عبر مرفأ عائم في ميناء الخضيرة، وهو يساهم في تلبية نحو 10% من إجمالي الطلب المحلي على الغاز.

أما اكتشاف "ليفياثان"، فقد اتخذ الشركاء في المشروع المشترك لتطوير الحقل في شهر شباط/فبراير 2017، قرار الاستثمار النهائي لتنفيذ المرحلة الأولى "1A" من المشروع، باستثمارات 3.75 مليار دولار (بأقل 50% من الاستثمارات الأولية التي كان من المزمع ضخها في المشروع في خطوة تشير إلى العقبات التي تواجه تنفيذه). وتهدف المرحلة الأولى إلى إنتاج نحو 1.2 مليار قدم مكعب غاز/اليوم (12.4 مليار متر مكعب/السنة)، ومن المخطط تشغيلها نهاية عام 2019.
أما في المرحلة الثانية " المرحلة 1B"، فمن المخطط تركيب نموذج للتصدير(Export Module) على المنصة بطاقة 900 مليون قدم مكعب/اليوم لرفع طاقة المعالجة إلى 2.1 مليار قدم مكعب/اليوم (21.7 مليار متر مكعب/السنة)، وبتكلفة إجمالية 5-6 مليار دولار.

وقد نجح الشركاء في حقل "ليفياثان" في إبرام عدة اتفاقيات لبيع الغاز إلى المستهلكين في السوق المحلي بإجمالي 1 تريليون قدم مكعب ( أي حوالي 5% فقط من احتياطيات الغاز بالحقل). وهو ما يعني وجود فائض ضخم من احتياطيات الحقل ما زال بحاجة إلى إيجاد أسواق له.
وفي قبرص، وبالرغم من أنشطة البحث المكثفة عن الغاز، وما أسفرت عنه من تحقيق اكتشاف "أفروديت"، فلم يبدأ بعد تطوير الحقل، إلا أنها تسعى نحو استغلاله في أغراض التصدير. وقد اتجهت قبرص نحو خيار تصدير الغاز بدلا من استغلاله في السوق المحلي لعدة أسباب:
أولاً: لأنها سوق صغير للطاقة، حيث يتوقع أن يصل إجمالي الطلب على الغاز بحلول عام 2039 إلى قرابة 160 مليون قدم مكعب/اليوم (1.65 مليار متر مكعب/السنة)، يستحوذ قطاع الكهرباء وحده على نحو 100 مليون قدم مكعب/اليوم. وبالتالي لا يمكن استيعاب الإنتاج المتوقع من حقل أفروديت والذي يقدر بنحو 800 مليون قدم مكعب/اليوم (8.2 مليار متر مكعب/السنة).
ثانياً: لارتفاع تكاليف الاستخراج في المياه العميقة بالبحر المتوسط، وهو ما يتطلب ضمان تسويق الإنتاج بأسعار معقولة لتغطية التكاليف الاستثمارية وتحقيق عوائد مجدية للشركاء في المشروع. علاوة على ذلك، بُعد الحقل عن اليابسة بمسافة تصل إلى 160 كم، وقربه من الحدود البحرية المشتركة مع مصر، وبالتالي إمكانية ربطه مع التسهيلات البحرية التابعة لمصر.
وتضم خطة التطوير الأولية لحقل "أفروديت" تركيب منصة إنتاج وتخزين عائمة(FPSO) في موقع الحقل، الذي يقع في مياه عمقها 2,000 متر لمعالجة الغاز الخام بطاقة 800 مليون قدم مكعب/اليوم، على أن يتم تصدير الغاز المعالج عبر خطوط الأنابيب إلى الأسواق المحتملة. وقد قدرت تكلفة خطة التطوير (بدون تكلفة إنشاء خطوط الأنابيب إلى الأسواق المحتملة) بنحو 3.5-4.5 مليار دولار.

بينما دخلت لبنان مؤخراً في نادي الطاقة مطلع عام 2018 بعد منح تراخيص البحث والإنتاج لائتلاف ثلاث شركات بترول عالمية في منطقتين بحريتين، ويتوقع أن تلعب أية اكتشافات غازية مستقبلية دوراً هاماً في تلبية احتياجات السوق المحلي المعتمد كلياً في الوقت الراهن على استيراد النفط، ويكبد خزينة الدولة المليارات من الدولارات سنوياً. حيث تشكل فاتورة الكهرباء السنوية نحو 10-18.5% من إجمالي الانفاق العام، كما بلغت حصة قطاع الكهرباء نحو 45% من الدين العام البالغ نحو 80 مليار دولار.
وقد وضعت هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان "سيناريو مبدئي" حول الجدول الزمني المتوقع لاستغلال الثروات الغازية المحتملة في القطاعات البحرية التي تم توقيع اتفاقيات للبحث والاستغلال فيها مطلع عام 2018. حيث يتوقع أن يتم تحقيق أولى الاكتشافات خلال عام 2019، وانطلاق باكورة الإنتاج التجاري عام 2024. ويتمتع لبنان بموقع جغرافي متميز سيمكَنه من تصدير فائض إنتاجه عبر خيارين إما عبر خطوط الأنابيب إلى الأسواق المجاورة أو إنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال.
أما في سوريا، وفي ضوء الأوضاع التي تمر بها البلاد، لم يتحقق حتى الآن أية اكتشافات غازية قبالة السواحل السورية، بالإضافة إلى توقف أنشطة شركةSoyuzneftegaz الروسية التي حصلت على عقد الاستكشاف والإنتاج في القطاع-2 البحري، منذ نهاية عام 2015. إلا أنها تعد أيضاً سوقاً كبيراً وواعداً للغاز، بالإضافة إلى أنها تمتلك بنية تحتية كبيرة من مجمعات لمعالجة الغاز وإنتاج مشتقاته كغاز البترول المسال والمتكثفات، وشبكات للنقل والتوزيع على اتساع المساحة الجغرافية للبلاد.

3: تداعيات اكتشافات الغاز في منطقة شرق المتوسط على المستويين الإقليمي والعالمي
3-1: التعاون بين فلسطين المحتلة والأردن في مجال الغاز
كانت الأردن محط أنظار الشركاء في حقلي " تمار" و" ليفياثان"، كسوق محتمل للغاز، وذلك بسبب توقف إمدادات الغاز الطبيعي من مصر عبر خط الغاز العربي منذ منتصف عام 2013، بالإضافة إلى حاجة الأردن الشديدة إلى استيراد الغاز لتلبية احتياجات عدة قطاعات، وبالأخص قطاع الكهرباء الذي تكبد خسائر فادحة بسبب فاتورة استيراد الوقود السائل ليحل محل الغاز المصري. وفي هذا الصدد، وقعت شركةNoble Energy (القائم بالعمليات بحقل "تمار" والمالكة لحصة 32.5%) في شباط/فبراير 2014، على اتفاقية مع شركة "البوتاس العربية" وشركة "برومين الأردن" لتصدير الغاز الطبيعي إلى الأردن من حقل "تمار" لمدة خمسة عشرة عاماً. وقد نصت الاتفاقية على أن يتم تزويد تسهيلات الشركتين الواقعة بالقرب من البحر الميت بغاز " تمار" بداية من عام 2016، بكمية إجمالية 66 مليار قدم مكعب (1.8 مليار متر مكعب) بسعر 6.5 دولار/مليون وحدة حرارية بريطانية، وقد بدأت الأردن بالفعل في استقبال أولى دفعات الغاز من حقل " تمار" مطلع عام 2017.
وفي تطور آخر، نجح الشركاء في حقل "ليفياثان" (شركةNoble Energy، وشركةDelek) في إبرام اتفاقية نهائية مع شركة الكهرباء الوطنية الأردنية(NEPCO) في أيلول/سبتمبر 2016، لتصدير الغاز من " ليفياثان" إلى الأردن لمدة خمسة عشرة عاماً. وقد نصت الاتفاقية على أن يتم تصدير نحو 290 مليون قدم مكعب/اليوم خلال مدة الاتفاقية (إجمالي 1.6 تريليون قدم مكعب) بنظام الأخذ أو الدفع(Take or Pay) مقابل كمية محددة لم يتم الإفصاح عنها.
كانت مصر أيضاً محل أنظار الشركاء في المشروع المشترك لتطوير حقل "تمار" والمشروع المشترك لتطوير حقل " ليفياثان". وتأتي أهمية مصر لسببين رئيسيين، أولهما لأنها تملك محطات لإسالة الغاز في مدينتي دمياط وإدكو على ساحل البحر المتوسط وشبه متوقفة عن التشغيل، ومن ثم يمكن الاستفادة منها كوجهة لإعادة التصدير. أما السبب الثاني، فهو أن مصر سوق كبير للغاز، ويشهد نمواً سنوياً ملحوظاً في الطلب عليه، يفوق مستويات الإنتاج المحلي الذي تراجع بشكل حاد خلال الأعوام القليلة الماضية. وفي هذا الصدد، نجحت الشركات المطورة لحقلي "تمار"، و"ليفياثان" في توقيع "مذكرتي تفاهم" مع الشركات الأوروبية المالكة لمحطات إسالة الغاز الطبيعي في مصر لتصدير الغاز إليها. وستؤمن هذه الاتفاقيات حال تنفيذها بيع نحو 6.25 تريليون قدم مكعب/اليوم من احتياطيات الغاز في الحقلين.
أما من جانب السوق المحلي بمصر، فقد تم توقيع اتفاقيات نهائية بين شركةNoble Energy وشركائها، وشركة دولفينوس المصرية في شباط/فبراير 2018، تقضي بتصدير الغاز من حقلي" تمار"، و"ليفياثان" إلى شركات صناعية ومصانع بتروكيماويات ومحطات كهرباء بكمية إجمالية 1.15 تريليون قدم مكعب من كل حقل على حدة (أي بإجمالي 2.3 تريليون قدم مكعب).

3-3: التعاون بين جمهورية مصر العربية وجمهورية قبرص في مجال الغاز
كانت مصر أيضاً محط أنظار الشركاء في حقل "أفروديت" في قبرص، لعدة أسباب، منها قرب موقع "أفروديت" من موقع حقل " ظهر" ووجود بنية تحتية متاحة لدى مصر يمكن استغلالها لربط "أفروديت" بها. وفي تفعيل لمذكرة التفاهم الموقعة بين مصر وقبرص، تم توقيع اتفاق حكومي في شهر أيلول/سبتمبر 2018، لإنشاء خط أنابيب بحري مباشر لنقل الغاز من حقل "أفروديت" إلى تسهيلات الإسالة بمصر، وإعادة تصديره إلى الأسواق المختلفة. إلا أن ذلك سيتطلب أيضاً توقيع اتفاق تجاري قبل البدء في نقل الغاز، وقد يستلزم الأمر أيضاً توقيع اتفاقية استغلال مع الشركاء في حقلIshai بفلسطين المحتلة، حيث يعتقد أنه امتداد لحقل "أفروديت" القبرصي داخل المياه الاقتصادية لفلسطين المحتلة. وتقدر احتياطيات حقلIshai من الغاز بنحو 0.25-0.31 تريليون قدم مكعب.
3-4:
غاز شرق المتوسط كمصدر محتمل لإمدادات الغاز لأوروبا
لا شك أن منطقة شرق المتوسط منطقة واعدة على الخريطة العالمية للطاقة بفضل ما تحقق من اكتشافات كبيرة من الغاز، وما يتوقع أن تسفر عنه عمليات البحث الجارية. وقد أبدى الاتحاد الأوروبي اهتماما خاصاً لدراسة إمكانية الاستفادة من موارد الغاز في هذه المنطقة كمصدر إمدادات آخر يقلل من الاعتماد الكبير على الغاز الروسي. فالمنطقة تملك قدرات تصديرية من الغاز تصل إلى 2.9 مليار قدم مكعب/اليوم، وذلك وفق الاكتشافات الحالية وخطط التطوير الجاري تنفيذها، وقد ترتفع الكميات مستقبلا إلى أكثر من 5 مليار قدم مكعب/اليوم ، في ضوء ما قد تسفر عنه أنشطة البحث الجارية في أكثر من 30 قطاعاً قبالة سواحل قبرص، ولبنان، ومصر، وفلسطين المحتلة. وهذا الفائض يتماشى مع النمو المتوقع في زيادة واردات أوروبا من الغاز والمقدر بنحو 5 مليار قدم مكعب/اليوم. حيث يتوقع أن يرتفع صافي الواردات من 28 مليار قدم مكعب/اليوم عام 2017 ليصل إلى 33 مليار قدم مكعب/اليوم بزيادة حوالي 5 مليار قدم مكعب/اليوم. وفي المقابل سترتفع درجة اعتماد أوروبا على استيراد الغاز من 54-55% عام 2017 لتصل إلى قرابة 57% بحلول عام 2020، ثم إلى 67% بحلول عام 2035.
ولترجمة تحويل منطقة شرق المتوسط وتحديداً من قبرص، وفلسطين المحتلة، ومصر كمصدر محتمل يساهم في تلبية الاحتياجات المستقبلية لأوروبا من الغاز، فهناك عدة سيناريوهات مقترحة لاستغلال الموارد المكتشفة ومنها على سبيل المثال الاستيراد مباشرة من فلسطين المحتلة بواسطة ناقلات الغاز الطبيعي المسال، أو إنشاء خط أنابيب يربط فلسطين المحتلة بقبــرص ويمر عبر اليونــــان ومنها إلى أوروبا. بيد أن أغلب السيناريوهات المقترحة تصطدم في نهاية المطاف بعدة معوقات فنية أو اقتصادية تحول دون تنفيذها على المدى القريب أو المتوسط، وهو ما يستدعي البحث عن سيناريو يمكن تنفيذه على المدى القريب.
ويعد سيناريو استغلال مجمعات الإسالة المتاحة لدى مصر لتصدير غاز شرق المتوسط، السيناريو الأقرب إلى التنفيذ في المدى القريب أولاً بحكم أنها قائمة وغير مستغلة، وثانياً لموقعها الجغرافي المتميز الذي يتوسط حقول شرق المتوسط من ناحية، والأسواق الأوروبية من ناحية أخرى. كما أن مجمعات الإسالة قابلة للتوسع بإضافة وحدات جديدة بتكلفة أقل لكونها مشاريع قائمة بالفعل، حيث يمكن إضافة وحدة إسالة جديدة في مجمع دمياط، لتصل إجمالي الطاقة التصديرية للمجمع إلى قرابة 10 مليون طن/السنة (تكافئ 1.3 مليار قدم مكعب/ اليوم). أما مجمع إدكو فيضم وحدتين فقط، وتسع أرض المجمع لست وحدات، أي يمكن أن تصل الطاقة التصديرية إلى 21.6 مليون طن/السنة (تكافئ 2.9 مليار قدم مكعب/اليوم)، وبالتالي يمكن أن تكون مصر مستقبلاً محوراً لتجميع وعبور غاز منطقة شرق المتوسط إلى أوروبا.

إلا أن الأمر سيظل مرهونا أيضاً بقدرة مصر على تطوير مواردها من الغاز الطبيعي، وما ستسفر عنه عمليات البحث الجارية في العديد من القطاعات البحرية التي فازت بها الشركات الأوروبية مثلEni وBP وغيرهما، حيث قد تتحقق اكتشافات جديدة يمكن تطويرها، وتحقق فائض عن حاجة السوق المحلي يمكن تصديره عبر محطات الإسالة شبة المتوقفة.

ولا شك أن هذا هو الوضع الأفضل لمصر لأنه سيسهم في ضخ الاستثمارات الأجنبية مباشرة في قطاع البترول المصري بتنفيذ مشاريع تطويرية مستقبلية تساهم في دفع عجلة الإنتاج ودعم الاقتصاد. علاوة على تنافسية تصدير الغاز من مصر مباشرة لانخفاض التكلفة مقارنة بإعادة تصدير الغاز من قبرص أو فلسطين المحتلة (بعد إسالته)، في ضوء ضرورة استرداد التكاليف الرأسمالية التي سيتم انفاقها من قبل الشركات المطورة في إنشاء خطوط أنابيب لنقل الغاز إلى محطات الإسالة مصر، وتكاليف الإسالة ذاتها، وإعادة التصدير إلى الأسواق الأوروبية.

4: الخلاصة والاستنتاجات
أجرت الدول المطلة على منطقة شرق المتوسط منذ عقود عدة دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية لتحديد وتقييم مواقع المكامن الجيولوجية المأمولة في شرق مياه المتوسط. وتضم منطقة شرق المتوسط حوض "ليفانت" الرسوبي والذي يمتد على مساحة 83,000 كم2، وهو يبدأ من شمال مصر على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط مروراً قبالة سواحل قطاع غزة وفلسطين المحتلة، ولبنان، وسوريا، وقبرص حتى يصل إلى تركيا. كما تضم حوض "دلتا النيل" الذي يمتد القسم الأكبر منه أسفل المياه المصرية، وهو يمتد على مساحة شاسعة تبلغ نحو 250,000 كم2. وقد استعانت دول شرق المتوسط بكبريات الشركات العالمية المتخصصة في جمع وتفسير بيانات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد مستخدمة أحدث التقنيات المتوفرة في هذا المجال لتقييم جيولوجيا المنطقة، والتي أسفرت نتائجها عن وجود هيكليات وطبقات جيولوجية واضحة المعالم قد تشكل مكامن محتملة للنفط والغاز.

وبالرغم من الصعوبات الفنية التي واجهت عمليات البحث والاستكشاف في المنطقة، استطاعت شركات البترول العالمية مثلBP، وEni تحقيق عدة اكتشافات كبرى للغاز مثل "تمار"، "ليفياثان"، "أفروديت"، "ظهر"، "أتول" التي تأتي في سياق متصل يبرهن على أن شرق المتوسط بمثابة مقاطعة غنية بالغاز، إلا أن الوقت لا يزال مبكراً جداَ لاكتشاف ثروات منطقة شرق المتوسط بشكل كامل.
في ضوء الاكتشافات الغازية التي تم تحقيقها في منطقة شرق المتوسط، قامت بعض دول المنطقة بالإسراع بتطوير هذه الاكتشافات، للاستفادة من إنتاج الغاز في تلبية احتياجات السوق المحلي، ولتصدير الفائض لتحقيق عائدات تغطي تكاليف الاستثمار، وتحقق الفائدة الاقتصادية. بينما لم يتمكن البعض الآخر من تطوير اكتشافات الغاز حتى الآن، بسبب بعض العقبات الفنية والاقتصادية. ويعد العائق الأساسي للاستثمار هو كيفية تسويق إنتاج الغاز على المستوى المحلى أو الإقليمي، خاصة أن مشاريع تطوير حقول الغاز الواقعة في المياه العميقة والعميقة جداً تتطلب استثمارات باهظة، وبالتالي لابد من إبرام اتفاقيات مسبقة لضمان بيع الغاز المزمع إنتاجه لتحقيق عائدات تغطي تكاليف الاستثمار، وتحقق الفائدة الاقتصادية.
وتعد مصر أكبر سوق للطاقة بشكل عام في المنطقة، وتشهد نمواً سنوياً مستمراً في الطلب عليها، وهو ما يحفز ويشجع على الاستثمار في مواردها النفطية والغازية لتلبية احتياجات السوق المحلي من موارد الطاقة. كما نجحت مصر في تعظيم القيمة المضافة من الاكتشافات الغازية التي بدأت وتيرتها تتسارع منذ عام 2000، بتنفيذ مشاريع لتصدير الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى الدول المجاورة، وبإنشاء محطات لإسالة الغاز في مدينتي إدكو ودمياط على ساحل البحر المتوسط. إلا أنها شهدت تراجعاً حاداً في الإنتاج في الآونة الأخيرة نتيجة تراجع أنشطة التطوير، وهو ما دفع مصر لاستيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب المحلي المتزايد. إلا أن اكتشاف "ظهر" وغيره من الاكتشافات الحديثة التي جاءت ثمار عمليات البحث في البحر المتوسط في السنوات الأخيرة كان له أثراً إيجابياً، حيث تبنت مصر استراتيجية طموحة تقضي بالإسراع بتطوير هذه الاكتشافات ودخولها على الإنتاج في أقرب وقت ممكن، بغية الاكتفاء الذاتي مجدداً قبل عام 2020.
أما في فلسطين المحتلة، فقد كان لتطوير اكتشافات الغاز دوراً فعالاً في رفع الإنتاج المحلي لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء لتعويض النقص الناتج عن توقف إمدادات الغاز التي كانت تأتي من مصر. ويلبي إنتاج الغاز من "تمار" الذي تم تشغيله عام 2013، أكثر من 90% من الطلب المحلي على الغاز.
وفي قبرص، وبالرغم من أنشطة البحث المكثفة عن الغاز، وما أسفرت عنه من اكتشافات، فلم يبدأ بعد تطوير أي منها، إلا أنها تسعى نحو استغلال هذه الموارد في أغراض التصدير سواء عبر خطوط الأنابيب أو عبر الإسالة والتصدير إلى مختلف الأسواق العالمية.
بينما دخلت لبنان، مؤخراً في نادي الطاقة مطلع عام 2018 بعد منح تراخيص البحث والإنتاج في منطقتين بحريتين، ويتوقع أن تلعب أية اكتشافات غازية مستقبلية دوراً هاماً في تلبية احتياجات السوق المحلي المعتمد كلياً في الوقت الراهن على استيراد النفط، مما يكبد خزينة الدولة المليارات من الدولارات سنوياً.
أما سوريا، وبسبب الأوضاع التي تمر بها البلاد، لم يتحقق حتى الآن أية اكتشافات غازية قبالة السواحل السورية، بالإضافة إلى توقف أنشطة شركةSoyuzneftegaz الروسية التي حصلت على عقد الاستكشاف والإنتاج في المنطقة البحرية منذ نهاية عام 2015.
في سياق آخر، كانت الأردن محط أنظار الشركات المطورة لاكتشافات الغاز في شرق المتوسط، كسوق محتمل للغاز، وذلك بسبب توقف إمدادات الغاز الطبيعي من مصر عبر خط الغاز العربي منذ منتصف عام 2013، بالإضافة إلى حاجة الأردن الشديدة إلى استيراد الغاز لتلبية احتياجات عدة قطاعات، وبالأخص قطاع الكهرباء الذي تكبد خسائر فادحة بسبب فاتورة استيراد الوقود السائل ليحل محل الغاز المصري. وقد أسفر ذلك عن توقيع الأردن عدة اتفاقيات لاستيراد الغاز من هذه الاكتشافات. كما كانت مصر أيضاً، وبالرغم من ما حققته من اكتشافات ضمن نطاق مياهها الاقتصادية الخالصة، محل أنظار الشركات القائمة بعمليات الاستكشاف والتطوير في المناطق الاقتصادية الخالصة لباقي دول شرق المتوسط، لأنها تملك محطات لإسالة الغاز وغير مستغلة، ومن ثم يمكن الاستفادة منها كوجهة لإعادة التصدير، ولأنها تشهد طلب محلي على الغاز يفوق الإنتاج. وقد أسفر ذلك عن توقيع عدة اتفاقيات لتصدير الغاز .
كما يعد السوق الأوروبي "وجهة مثالية" لصادرات الغاز المحتملة من منطقة شرق المتوسط، وذلك لموقعه القريب من المنطقة من ناحية، ولحاجة أوروبا إلى تنويع مصادر إمداداتها من الغاز من ناحية أخرى بما يحقق أمنها الطاقوي. حيث تعد روسيا المصدر الرئيسي لإمدادات الغاز إلى أوروبا بحصة تصل إلى 33% من إجمالي الطلب، ومن المتوقع أن تزيد درجة اعتماد أوروبا على واردات الغاز مستقبلا بسبب تراجع إنتاج الحقول الواقعة في بحر الشمال. وهنا تكمن أهمية شرق المتوسط كمصدر محتمل يساهم في تلبية احتياجات أوروبا المستقبلية من الغاز.
لذا فإن بزوغ نجم منطقة شرق المتوسط كمنطقة غنية بالغاز، وتسارع الدول المطلة عليها نحو تنمية الاكتشافات الحديثة بشكل متكامل بينهم، وتحقيق اكتشافات جديدة كبيرة على مقياس عالمي يمكن تطويرها في المستقبل، قد يسهم بشكل فعال في تحويل شرق المتوسط إلى مصدر محتمل يمد أوروبا بالغاز على المدى الطويل. فالمنطقة تملك قدرات تصديرية تصل إلى 2.9 مليار قدم مكعب/ اليوم، وذلك وفق الاكتشافات الحالية وخطط التطوير الجاري تنفيذها، وقد ترتفع الكميات مستقبلا إلى أكثر من 5 مليار قدم مكعب/اليوم في ضوء ما قد تسفر أنشطة البحث الجارية في أكثر من 30 قطاعاً قبالة سواحل قبرص، ولبنان، ومصر وفلسطين المحتلة. وهذا الفائض يتماشى مع النمو المتوقع في زيادة واردات أوروبا من الغاز مستقبلاً والمقدر بنحو 5 مليار قدم مكعب/اليوم.
ولترجمة تحويل منطقة شرق المتوسط كمصدر محتمل يساهم في تلبية الاحتياجات المستقبلية لأوروبا من الغاز، فهناك عدة سيناريوهات مقترحة لاستغلال الموارد المكتشفة، لكن بعضها لا يزال يواجه بعض الصعوبات الفنية والاقتصادية، ومنها الاستيراد مباشرة من فلسطين المحتلة بواسطة ناقلات الغاز الطبيعي المسال.
أو إنشاء خط أنابيب يربط فلسطين المحتلة بقبــرص ويمر عبر اليونــــان ومنها إلى أوروبا وهو مقترح يدعمه الاتحاد الأوروبي. كما يمكن استغلال البنية الأساسية المتاحة لدى مصر وغير مستغلة بشكل كامل لتجميع ونقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا، وهو الأقرب إلى التنفيذ على المدى القصير.