رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

17 يونيو 2019

مقالات

الاقتصاد المصرى فى 2019 (2-2)

2-1-2019 | 14:35 1224

طرأت بعض المتغيرات العالمية المهمة فى الآونة الأخيرة وهى إعلان البنك الفيدرالى الأمريكى زيادة جديدة على معدلات الفائدة، بمقدار ربع نقطة مئوية ليصل سعر الفائدة على الدولار الأمريكى إلى 2.30%، وهى الزيادة الرابعة خلال العام الحالى والثامنة خلال عامين. ومن المتوقع استمرار تلك الزيادات لأكثر من مرة خلال العام المقبل. ولا شك أن هذا الارتفاع فى الفائدة الأمريكية يزيد من حجم التحديات التى يواجهها الاقتصاد المصرى على عدة مستويات، فمن ناحية تعانى الموازنة العامة من عجز مالى تحتاج إلى سده من خلال الاقتراض سواء المحلى أو الخارجى عبر قروض مباشرة أو طرح سندات دولية، وفى الآونة الأخيرة ارتفعت أسعار الفائدة على أدوات الدين المحلية، وحسنا فعلت وزارة المالية حين قررت إلغاء أربعة عطاءات سندات خزانة محلية، حيث ارتأت أن أسعار الفائدة التى تعرضها البنوك مبالغ فيها بشكل كبير، وهو ما قد يسبب ضغوطا إضافية على راسمى السياسة المالية لسد الفجوة التمويلية من خلال الاقتراض المحلى. ومن ناحية أخرى من المتوقع ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجى حال طرح سندات دولية فى الخارج، وقد قامت وزارة المالية بجولات ترويجية وبشكل خاص فى آسيا تمهيدا لطرح سندات دولية بقيمة قد تصل إلى 5 مليارات دولار، ولم يتحدد توقيت طرحها بعد انتظار للوقت المناسب بحسب تصريحات وزير المالية. وبالتالى أصبح ارتفاع الفائدة الأمريكية يجعل وزارة المالية فى حالة تحد مستمرة للبحث عن وسائل تمويلية أقل تكلفة لسد عجز الموازنة. خاصة مع استهداف تخفيض نسبة الدين العام للناتج المحلى الإجمالى، فبعد أن وصل إلى 108% عام 16/17 انخفض إلى 98% عام 17/18، وتستهدف موازنة السنة المالية الحالية 2018/2019 تخفيض الدين العام إلى 92% من الناتج المحلى الإجمالى، على أن تصل نسبة الدين مع نهاية الخطة الرباعية متوسطة المدى 21/22 إلى 80% من الناتج المحلى الإجمالى. ومن المتوقع أيضا أن يوفر برنامج الطروحات الحكومية لخمس شركات بالبورصة المصرية خلال عام 2019 نحو 10 مليارات جنيه للخزانة العامة.

وما يدعو لتوقعات متفائلة للاقتصاد المصرى خلال الفترة المقبلة هو انتهاج القيادة السياسية لسياسة المحاور المتوازية فى تنمية الاقتصاد، فعلى الرغم من صعوبات التمويل السابق إيضاحها، وأهمية توجيه الإنفاق الحكومى نحو القطاعات الإنتاجية المباشرة، لم تغفل الدولة الإنفاق على رأس المال البشرى من خلال مخصصات الإنفاق على الصحة والتعليم والتدريب، وهو ما سينعكس بالإيجاب على جميع القطاعات الاقتصادية. كذلك تسعى الحكومة جاهدة إلى تهيئة البيئة التشريعية ودعم البنية التحتية لتوفير المناخ الملائم للاقتصاد الرقمى وتطبيقه فى جميع مجالات الاقتصاد القومى لجذب المزيد من الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادى، حيث يعد التحول إلى الاقتصاد الرقمى أحد البنود المهمة فى استراتيجية التنمية المستدامة رؤية مصر 2030. ولعل من أبرز الجهود المبذولة للتحول للاقتصاد الرقمى وتحسين الوضع الاقتصادى، إنشاء المجلس القومى للمدفوعات الإلكترونية عام 2017 برئاسة رئيس الجمهورية، ومن أبرز مهامه خفض التعامل بأوراق النقد خارج القطاع المصرفى من خلال الأنظمة الإلكترونية سواء عبر الإنترنت أو الهاتف المحمول أو الماكينات، وتطوير وسائل الدفع الإلكترونى والإشراف عليها، ومواجهة عمليات غسيل الأموال، وتحقيق الشمول المالى من خلال جذب أكبر عدد من المواطنين، وضم القطاع غير الرسمى إلى القطاع الرسمى، وتحقيق التنافسية فى سوق خدمات الدفع وحماية حقوق مستخدمى نظم الدفع الإلكترونى. وفى هذا الإطار فقد تم توقيع مذكرات تفاهم وتعاون مع الشركات العالمية والمتخصصة، وتبنى الاستراتيجية الوطنية للتجارة الإلكترونية وإصدار عدة قوانين تشريعية لتنظيم التحول الرقمى.

كذلك هناك فرص واعدة للاقتصاد المصرى فى ظل الإجراءات التجارية الحمائية التى فرضتها الولايات المتحدة على الصين، حيث يمكن أن تسعى مصر إلى توطين بعض الصناعات الصينية فى مصر وتصديرها للولايات المتحدة كالصناعات النسيجية على سبيل المثال، خاصة أن مصر من أوائل الدول التى انضمت لمبادرة الحزام والطريق، كذلك يمكن الاستفادة من خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبى بعقد اتفاقات شراكة بشروط أفضل لصالح الاقتصاد المصري. أيضا فإن اهتمام الدولة بجميع مؤسساتها بإفريقيا باعتبارها العمق الاستراتيجى لمصر، وتأكيد رئيس مجلس الوزراء خلال اجتماعات المائدة المستديرة التى عقدت ضمن فعاليات منتدى إفريقيا 2018، تحت عنوان “مصر بوابة العبور إلى إفريقيا”، وذلك فى وجود عدد من مسئولى مؤسسات التمويل الدولية على أن الحكومة تضع على أجندة أولوياتها أن تكون مصر جزءا لا يتجزأ من إفريقيا. خاصة أن استثمارات مصر فى إفريقيا بلغت 10.8 مليار دولار وهو ما يتواكب أيضا مع رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى العام المقبل، كل ذلك يبشر بفتح مجالات واسعة للشراكات والاستثمارات المتبادلة بين مصر والدول الإفريقية.

يضاف إلى ما سبق ما حققته مصر خلال السنوات الأربع ونصف الماضية من إنجازات فى مجال مشروعات البنية الأساسية والطاقة والتى تهيئ مع قانون الاستثمار مناخا جاذبا للاستثمار خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استعادة الأمن وانحسار موجة الإرهاب. ومن ثم ليس أمامنا خيار سوى خيار التنمية الذى يتطلب تكاتف جميع الجهود على مختلف الأصعدة، والعمل المستمر والدءوب فى شتى المجالات بكل جدية وإتقان للعبور بالاقتصاد المصرى نحو مرحلة الازدهار وقطف ثمار التنمية وبما يعود على مصرنا الغالية بكل الخير.