رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

21 فبراير 2019

مقالات

بوادر أزمة مالية عالمية

3-2-2019 | 16:14 641

من المفاهيم الاقتصادية الأساسية التى يدرسها علم الاقتصاد دورة الأعمال الاقتصادية. وهذه الدورة هى أداة مفيدة لتحليل واقع الاقتصاد واتجاهاته المستقبلية. وتمر أى دورة بأربع مراحل هى التوسع، والذروة، والانكماش، والقاع. ولا تحدث دورات الأعمال الاقتصادية على فترات منتظمة، كما أنها تتميز بأن لها مؤشرات قياس واضحة للاستدلال.

المرحلة الأولى وهى "مرحلة التوسع" بين القاع والذروة وتحدث عندما ينمو الناتج المحلى الإجمالى فى الاقتصاد بمعدل جيد يتراوح بين 2% و3%، وتصل البطالة إلى معدلها الطبيعى 4% -5%، ويقترب التضخم الأساسى من المعدل المستهدف البالغ 2%، وتتحرك السوق المالية فى اتجاه الصعود. ويمكن أن يبقى الاقتصاد فى مرحلة التوسع لسنوات فى ظل إدارة جيدة لمزيج السياسات الاقتصادية الكلية. وعندما تقترب مرحلة التوسع من نهايتها يكون معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى أكبر من 3%. ويرتفع معدل التضخم الأساسى عن 2%، وقد يصل إلى رقمين. وتكون غزالة المستثمرين فى حالة "تفاؤل غير رشيد"، ومن ثم يحدثون بقراراتهم فقاعات الأصول.

المرحلة الثانية وهى "مرحلة الذروة" وتمتد لفترة قصيرة جدا (شهر- شهرين) حيث ينتقل فيها التوسع إلى مرحلة الانكماش.

المرحلة الثالثة وهى "مرحلة الانكماش" وتبدأ فى الذروة وتنتهى فى القاع، ويضعف خلالها معدل النمو الاقتصادى حيث يقل معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى عن 2%. ويواصل النمو الهبوط ليتحول إلى صفر أو سالب، وهذا ما يطلق عليه الركود الاقتصادى. وتبدأ الشركات فى هذه المرحلة فى تسريح أعداد كبيرة من العمال، ويبدأ معدل البطالة فى الارتفاع، وينخفض مستوى الدخل الشخصى الحقيقى، والناتج الصناعى، ومبيعات التجزئة، وتتحرك الأسعار فى السوق المالية فى اتجاه الهبوط مع عمليات تخارج وبيع من قبل المستثمرين.

المرحلة الرابعة وهى "مرحلة القاع"، وعندما يضرب الاقتصاد القاع يكون ذلك لفترة قصيرة لا تمتد لأكثر من شهر وينتقل فيها الاقتصاد من مرحلة الانكماش إلى مرحلة التوسع من جديد.

وتحدث كل مرحلة من دورة الأعمال الاقتصادية بسبب تفاعل قوى العرض والطلب والعوامل المؤثرة فى الجانبين، بما فى ذلك ثقة المستهلكين والمنتجين فى المستقبل. ويستمر توسع الاقتصاد عندما تكون هناك ثقة بالمستقبل. ويحدث العكس عندما تنخفض أو تتردى تلك الثقة.

وتدير الحكومات بشكل أساسى حزمة السياسات المالية والنقدية للتأثير على قوى العرض والطلب فى الاقتصاد بهدف الحفاظ على النمو الاقتصادى بمعدل مستدام، وخلق وظائف بما فيه الكفاية، وتجنب تصاعد التضخم.

وهناك "مؤشرات قياس" يستخدمها الاقتصاديون فى تشخص كل مرحلة من مراحل الدورة الأعمال الاقتصادية من بينها البيانات الرُّبعية أى الفصلية لمعدل نمو الناتج المحلى الإجمالى، ومعدل التوظيف، ومستوى الدخل الشخصى الحقيقى، والناتج الصناعى، ومبيعات التجزئة ... إلخ، جنبا إلى جنب مع استطلاعات الرأى مثل ثقة المستهلك، وثقة المستثمرين، وصناع القرار فى قطاع الأعمال ... إلخ.

ولا توجد مؤشرات قاسية جدا تمثل إنذارات خطيرة مبكرة تدل على الاقتراب من مرحلة الذروة فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك تتردد مخاوف وتحذيرات من بعض الاقتصاديين من وقوع أزمة مالية عالمية جديدة بحلول نهاية هذا العام 2019 أو العام القادم 2020، بعد مرور أكثر من 10 أعوام على وقوع الأزمة المالية العالمية الأخيرة 2008- 2009 فى الولايات المتحدة الأمريكية، التى ظلت تداعياتها على الاقتصاد العالمى تؤرق صانعى السياسات المالية والنقدية لفترة طويلة حيث اعتبرت الأسوأ من نوعها منذ الكساد العظيم فى الولايات المتحدة عام 1929 الذى امتد حتى عام 1938.

وقد وقعت مرحلة الانكماش فى الولايات المتحدة الأمريكية فى نهاية عام 2007 وخلال عام 2008. وضرب الاقتصاد مرحلة القاع فى مارس 2009، عندما قدمت الحكومة الاتحادية حزمة الحوافز الاقتصادية بقيمة 787 مليار دولار لتبدأ بعدها مرحلة التوسع منذ عام 2009 وهى مستمرة إلى الآن. ووفقا للشواهد التاريخية حول الدورات الاقتصادية (توسع – ذروة – انكماش – قاع) فإن العالم يشهد أزمة مالية بمعدل مرة كل 10 أعوام تقريبا، ما يدفع ببعض الاقتصاديين إلى توقع حدوث أزمة مالية وشيكة جديدة فى الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن هذه المخاوف ترتبط –ضمن أمور أخرى– بأربعة عوامل أساسية:

 (1) حالة التراجع والتقلب فى أسواق المواد الأولية خاصة النفط منذ منتصف عام 2014.

 (2) التقلبات الكبيرة التى تشهدها بعض الأسواق المالية.

(3)  الحرب التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة وعدد من الكتل التجارية مثل الاتحاد الأوروبى، والدول ذات الاقتصادات المؤثرة فى العالم مثل الصين، مع تولى الرئيس ترامب الحكم فى الولايات المتحدة.

 (4) المناكفات السياسية من جانب الديمقراطيين إزاء الجمهوريين فى ظل إدارة الرئيس ترامب.

إن هذه العوامل تلقى بظلالها على التجارة والاستثمار فى اقتصاد عالمى ما زال مثقلا بعدد من المشكلات التى بعضها فى أساسه من تداعيات الأزمة المالية العالمية فى عام 2009. وما يدعو للتفاؤل مع العام الجديد نوع من التعافى لأسواق السلع الأولية وأسواق المال وكذلك تهدئة الأجواء بعد إعلان الولايات المتحدة والصين عن هدنة مؤقتة وبدء مشاورات ثنائية بينهما فى قمة العشرين الأخيرة فى الأرجنتين. ويجدر بالذكر أن صُلب الحروب التجارية العالمية هو "متطلبات المحتوى المحلى" فى القوانين والأنظمة الوطنية التى تهدف إلى تشجيع التصنيع المحلى وإيجاد الوظائف المحلية التى تجعل إلزاميا على المستثمرين الأجانب شراء أجهزة ومكونات محلية الصنع، ولا سيما بعد التنامى الهائل لتلك المتطلبات فى مشاريع قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والطاقة المتجددة والاتصالات، والسيارات ... إلخ، فى الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبى، واليابان ... إلخ، ومن ثم فى الوقت نفسه تنامى النزاعات ذات الصلة بهذه المتطلبات أمام لجان التحكيم فى منظمة التجارة العالمية التى لم تتم تسويتها بشكل حاسم مع الطعن فى الأحكام والاستئناف عليها، ما أصبح له آثار خطيرة على الاستثمار الأجنبى المباشر وحركة التجارة العالمية، ومن ثم فإن التحول إلى إجراء مشاورات رسمية على المستوى الثنائى هو البديل الأفضل للتوصل إلى حلول حاسمة ومواءمات تراض بشأن الخلافات العديدة الشائكة المتعلقة بمتطلبات المحتوى المحلى بدلا من التنازع عبثا أمام منظمة التجارة العالمية.

وختاما، لا أحد يستطيع أن يطابق توقعاته تماما، لكن من الممكن القول بأن أجواء الاقتصاد السياسى والأرقام والإحصاءات المتعلقة بالمؤشرات الاقتصادية حتى الآن لا تدعو إلى الاعتقاد فيما تصوره مخاوف وتحذيرات بعض الاقتصاديين. ولعل هذا العام الجديد 2019 يأتى بانفراجات على مختلف الأصعدة تجعل مجتمع الأعمال والمستهلكين "ممتلئا بالثقة" ومن ثم استدامة التوسع فى الاقتصاد العالمى.