رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

21 فبراير 2019

مقالات

رجال الستة ملايين دولار وذاكرة البيروقراطية الثمينة

3-2-2019 | 16:16 291

فى عام 1995 كلفنى وزير الخارجية بتولى مسئولية المفاوضات لعقد اتفاقية المشاركة المصرية الأوروبية، ولضمان استمرارية العمل وجديته، أصدر رئيس الوزراء قرارا بتشكيل جهاز التفاوض من لجنة عليا برئاسته. وتتكون من 26 وزيرا، ومقررها وزير الخارجية. ولجنة تنفيذية برئاسة مساعد وزير الخارجية تتولى عملية التفاوض، وتتكون من ممثلين للسادة الوزراء. وينضم للجنة من تراه من مؤسسات وأشخاص العمل الاقتصادى الخاص، وبلغ عدد مجموع الخبراء من المفاوضين عظماء الكفاءة 278 مفاوضا وخبيرا.

ومن أوائل الملفات التى عرضنا لها، كان ملف قواعد المنشأ التى بموجبها تكتسب سلعة من السلع صفة (صنع فى مصر) حتى تحظى بحق الإعفاء من الرسوم الجمركية عندما تصدر لدول الاتحاد الأوروبى، وكان من المهم التدقيق فى تلك القواعد حتى تتمتع بالإعفاء منتجات الصناعة والزراعة المصرية فقط. وكانت المفاجأة عندما اكتشفنا أن أحد السادة الوزراء ـ الذى كان يأمل أن يقود المفاوضات بنفسه ــ تسرع وتعاقد مع خبير أجنبى، ليشرح للمفاوضين المصريين ملف "قواعد المنشأ" مقابل حصوله على ستة ملايين دولار، وأدهشنى الأمر فقواعد المنشأ وشهاداتها هى من الموضوعات المتداولة فى وزارة الخارجية وبعثاتنا فى الخارج، وهى تدرك أهم أبعادها.

ولما اطلعت على الملف أدركت سبب التسرع، فقد كان يضم مئات الصفحات التى بدت بالغة التعقيد لأول وهلة، لكن بنظرة فاحصة وجدتها بضعا وعشرين صفحة تشرح القواعد الأساسية، ثم جداول تشغل مئات الصفحات الباقية تشرح القاعدة المطبقة لكل سلعة على حدة فى سطور قليلة. وعلى من يريد المعرفة أن يلم بالقواعد الأساسية، ثم يطالع السطور القليلة الخاصة بالسلعة المعنية، فتعمدت أن أكلف أصغر زميل وقتها، وهو الملحق وائل حامد (الوزير المفوض حاليا) لعرض المستند. وقدم مذكرة ممتازة من ثلاث صفحات. عرضناها على وزير الخارجية الذى رفع الأمر لرئيس الوزراء، فأصدر أمرا بإلغاء عقد الستة ملايين دولار، وصرنا نتعامل مع الموضوع بكل تمكن. وصار العشرات فى وزارات الخارجية والتجارة والزراعة والتخطيط خبراء فى الموضوع، ومن وقتها أطلقنا على الزميل وائل حامد تسمية "رجل الستة ملايين دولار".

تذكرت ذلك وأنا أتابع ما يجرى فى شأن إلغاء الشريحة الأخيرة من الرسوم الجمركية على السيارات الواردة من دول الاتحاد الأوروبى، بموجب اتفاقية المشاركة التى دخلت حيز النفاذ منذ سنة 2004، وألغت الرسوم تماما على صادرات مصر إلى الاتحاد الأوروبى منذ اليوم الأول، وضاعفت الصادرات المصرية أربع مرات. وألغت الرسوم على واردات مصر من الاتحاد الأوروبى بالتدريج لتصل إلى الصفر فى يناير 2015، ماعدا السيارات التى تمتعت بفترة سماح أطول لتلغى الرسوم الجمركية عليها بالتدريج حتى يناير 2019. وقد لاحظ العديد من المتابعين أن أسعار السيارات الأوروبية لا تزال عند مستواها دون أن يستفيد المشترون من قيمة الإعفاء الجمركى، وفى هذا دارت حوارات عديدة فى مختلف وسائل الإعلام، وتصدى للنقاش مجموعة أصحاب المصالح، شاركت فى بعض منها فلاحظت الآتى:

1.         أن هناك قدرا كبيرا من عدم المعرفة بالاتفاق المصرى الأوروبى، ولا بقواعد التجارة العالمية والمصرية الأوروبية التى تحكم المعاملات.

2.         استخدم لوبى المستوردين حججا (مدهشة) للدفاع عن بقاء أسعار السيارات على ما هى عليه دون استفادة المشترين من التخفيض، مثل حجة ارتفاع سعر الدولار، متغافلين عن أن ذلك ينطبق على كل أنواع السيارات الواردة من أى بلد. ويبقى أن السيارات الأوروبية معفاة ــ  دون غيرها ــ  من الرسوم.

3.         ادعى المستوردون أيضا أن الشركات الأوروبية المنتجة ترفع أسعار السيارات، كلما خفضت مصر الرسوم، وهى حجة إن صحت فإنها تعنى أن من يرتكبها يمارس جريمة التمييز الاحتكارى بالبيع بأكثر من سعر فى الأسواق المختلفة.

4.         ما يزيد من جسامة الظلم الواقع على المستهلكين، أن سلطات الجمارك تعفى السيارات الأوروبية الواردة من بلد منشأ الإنتاج، ولا تتيح ذلك لنفس السيارات إذا جاءت من بلدان عربية أو إفريقية بصحبة أصحابها.

5.         يتوهم بعض من صناع تجميع السيارات فى مصر أنها يمكن أن تحصل على شهادة المنشأ المصرية إذا ما توفر فيها 50% من المكونات المصرية، ولا يعلم أحد أن السيارة لا تكتسب المنشأ إلا بتصنيع المحرك وجسم السيارة (الشاسيه) وليس بنسبة المكونات البسيطة الأخرى، ورغم أن لدينا خبراء عالميين فى هذا الموضوع، فلم يستشرهم أحد أو استمع إليهم.

6.         ينطبق كل ما سبق على جميع السلع الصناعية الواردة من أوروبا التى صارت معفاة من الرسوم الجمركية وجميع الرسوم والأعباء المشابهة، ومع ذلك لا نرى انخفاضا فى أسعارها فى السوق المصرى، تحت نفس الحجج.

ولمواجهة هذه الحالة من عدم انضباط السوق يكون علينا:

1.         تفعيل عمل جهاز حماية التنافسية ليقينا من الممارسات الضارة بها كالاحتكار، والممارسات الاحتكارية، والبيع بأكثر من سعر لنفس السلعة.

2.         تحقيق جهاز حماية المستهلك فيما إذا كان الوكلاء والمستوردون يبالغون فى وضع هوامش ربح غير مبررة، والتأكد من الأسعار التى يتم بها استيراد السيارات وغيرها، بالاطلاع على قوائم الأسعار العالمية للشركات المنتجة. ويمكن فى ذلك الاستعانة بالأجهزة الموازية فى الدول المصدرة وطلب خبرتها ومشورتها. والإعلان عن المعلومات التى يحصل عليها الجهاز، لترشيد المواطنين من المستهلكين، ولتستعين بها أجهزة ضرائب الأرباح التجارية فى محاسبة من يبالغون هوامش أرباحهم برفع الأسعار.

3.         تتأكد السلطات الجمركية من سلامة فواتير الشراء، والتى يتم على أساسها تحديد المعاملة بالنسبة لضريبة القيمة المضافة والضرائب الداخلية المختلفة.

4.         استمرار حالة (العصيان) التى يمارسها المجتمع بتأخير ــ إن لم يكن مقاطعة ــ السلع التى يرجح أن هناك تلاعبا فى أسعارها.

والأهم من ذلك كله أن تعبئ الحكومة ثرواتها الإنسانية، وتحافظ على قواها البشرية وخبراتها المكتسبة فى الساحة العملية فى مختلف المجالات، وتوظف نوعيات الرجال، الذين تزيد قيمة إسهام كل منهم على الستة ملايين دولار، وما أكثرهم فى أجهزة الدولة. وبخاصة فى وزارات الخارجية والتجارة والتمثيل التجارى والزراعة والتخطيط، فهذه ثروة بشرية أراها مشتتة ولا يستفاد بها بالقدر الكافى. وبغير هذا سنظل نستمع لنشاز يخرج عن قواعد النغم السليم، ونردد أقوالا خاطئة ما أنزل الله بها من سلطان.