رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

21 فبراير 2019

مقالات

عن الجنيه والدولار.. وعودة الأموال الساخنة

3-2-2019 | 15:33 105

عماد غنيم

الاحتفاء الإعلامى بالتحسن الذى طرأ على قيمة الجنيه الأسبوع الماضى طغى على تطور آخر ربما كان الأكثر أهمية، وهو المتعلق بتراجع الفائدة على أذون الخزانة بنحو 1.5% لتسجل 18.47% فى المتوسط وهى الفائدة الأقل منذ بداية شهر يونيو 2018. وهذا هو العطاء الثالث على التوالى الذى تواصل فيه فائدة أذون الخزانة تراجعها الذى تزامن مع بداية العام الجديد ليدفع البنك المركزى لقبول عطاءات بقيمة 19.5 مليار جنيه بزيادة 2.5 مليار على المستهدف فى جلسة الأحد الماضى. كلا المؤشرين يمثلان علامة إيجابية تؤكد صحة المسار الذى نسير عليه فى مجال الإصلاح النقدى والمالى، ومع ذلك فقد حدث بعض الخلط بين تحسن الجنيه كمؤشر على صحة النهج وبين قطف ثمار الإصلاح نفسه الذى يتعين أن نصبر عليه بعض الوقت ريثما تترجم هذه الإصلاحات فى صورة انتعاش اقتصادى شامل ومستدام ينعم الجميع فى ظلاله بالرخاء والأمان.

الرخاء المرتقب لن يعتمد بأى حال على قيمة مرتفعة للجنيه مقابل العملات الأجنبية وهذا خطأ شعبى شائع تستدرج إليه بعض وسائل الإعلام التى تروج لمقولة إن العلامة الأساسية لنجاح جهود الإصلاح الذى نمر بها هى عودة قيمة الجنيه لما كانت عليه قبل ثلاث أو خمس أو عشر سنوات. فالواقع وفقا لتجارب من سبقونا على خطى الإصلاح أن النتائج النهائية لعمليات الإصلاح الشاقة تسفر عن مشهد اقتصادى جديد تختلف فيه جذريا حياة الناس وتكاليفها، حيث يؤدى النمو النشط إلى زيادة القوة الشرائية بصورة جذرية عبر زيادة الأجور والدخول وتراجع البطالة وبالتالى لن يكون لقيمة العملة وقتها اعتبار كبير لأن الأجور ستضع فى اعتبارها عندئذ معدلات التضخم والإغراءات التى على جهات التوظيف منحها للعاملين، وهذا الذى يحدث فى الاقتصادات المطورة، وهذا الذى نتطلع إلى حدوثه عندنا.

ولهذا السبب كان استقبال الدوائر النقدية والمصرفية للتراجع الذى طرأ على سعر الدولار متحفظا وأكثر حذرا، فالمؤشرات المختلفة التى تؤثر فى العلاقة بين الجنيه والدولار أظهرت تحسنا لصالح الجنيه حيث شهدت البنوك رواجا فيما يصل إليها من عملات أجنبية وهذا مؤشر صحى مبعثه زيادة عوائد السياحة وقناة السويس والصادرات، كما كان لإعلان صندوق النقد الدولى عن قرب الإفراج عن الشريحة الرابعة من القرض أثره المعنوى، وكذلك ما صرحت به مصادر مصرفية من تحسن فى الاستثمارات الأجنبية فى أذون الخزانة أثره فى زيادة المعروض من النقد الأجنبى رغم إلغاء العمل بآلية ضمان رد أموال المستثمرين الأجانب عند رغبتهم فى تحويل استثماراتهم مرة أخرى للنقد الأجنبى. وقبل أيام صرح محافظ البنك المركزى بأن إلغاء آلية الالتزام بتحويل المستثمرين الأجانب من شأنه أن يؤدى إلى تذبذب سعر الجنيه، ولحسن الحظ فقد أدى توافر المعروض من النقد الأجنبى إلى عدم تراجع قيمة الجنيه عبر إلغاء هذا الالتزام بل أظهرت التعاملات تحسنا فى قيمة الجنيه فى مفاجأة سعيدة وغير متوقعة. الاستثمارات الأجنبية فى سندات الدين وأذون الخزانة "الأموال الساخنة" كانت قد شهدت تراجعا كبيرا خلال عام 2018 لأسباب محلية وخارجية حيث يذكر آخر تقرير للبك المركزى بهذا الشأن أنها بلغت 17.2 مليار دولار فى نهاية سبتمبر الماضى مقابل 23.6 مليار فى نهاية 2017، والأموال الساخنة يمكن أن تكون حلا مؤقتا لزيادة تدفقات النقد الاجنبى إلا أنها بالتأكيد لا يمكن الاعتماد عليها على الأجل الطويل نظرا لطبيعتها وأحوالها المتقلبة، وربما لهذا السبب وغيره أبقت المؤسسات المصرفية والاستثمارية توقعاتها لسعر الدولار عند 18.5 جنيها خلال 2019 رغم التحسن الأخير.

الكل الآن فى انتظار الاجتماع المقبل لمجلس إدارة البنك المركزى فى منتصف فبراير لمعرفة ما إذا كانت مؤشرات انخفاض الفائدة على أذون الخزانة والتحسن الحالى فى قيمة الجنيه سيقنعان البنك المركزى بالعمل على خفض أسعار الفائدة أم أنه سيتريث لاجتماع قادم لاتخاذ هذه الخطوة التى ينتظرها الجميع لأثرها الإيجابى فى النشاط الاقتصادى والتخفيف من حدة الدين العام، وكان آخر خفض للفائدة أقره البنك المركزى فى مارس الماضى بنسبة 1% لتصبح فائدة الإيداع 16.75% والإقراض عند 17.75 %، فهل نرى هبوطا جديا فى الفائدة قريبا فى ضوء هذه المؤشرات الإيجابية؟