رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

21 فبراير 2019

مقالات

خليها تصدى!

11-2-2019 | 16:56 152

  لم يكن فى مخيلة أحد أن تحقق حملة "خليها تصدى" كل هذا الارتباك داخل السوق، ولا أن تحدث كل هذا الكم من الضجيج وتصبح الشغل الشاغل لكل أطراف سوق السيارات، وهى حملة لا يمكنك الموافقة عليها بعين الخبير أو المراقب المحايد لآثارها السلبية العديدة وخوفا من شيوعها وانتقالها إلى السلع الأخرى، ولكنك لا يمكنك كذلك أن تمنع نفسك من التعاطف معها بل إبداء بعض الإعجاب بالجهد الذى بذله شباب الحملة فى تقصى المعلومات وجمع الأدلة والقرائن التى تشير إلى مبالغة وكلاء السيارات فى مصر وموزعيها فى تقدير أرباحهم حتى أصبحت السيارة فى بلادنا هى الأغلى فى المنطقة باستبعاد الجمارك والضرائب الحكومية. من الصعوبة بمكان التوصل إلى نتائج محددة بشأن ما حققته الحملة من تأثير، ولكن حالة الاحتشاد والتوحد بين وكلاء السيارات وإصرارهم على عقد المؤتمرات ولكز أبواقهم الإعلامية للدفاع عن صحة موقفهم بل استجداء الناس لعدم الامتثال لدعاوى المقاطعة تؤكد بلاشك أن ثمة تأثيرا ما للحملة فى السوق إضافة إلى التأثيرات الاقتصادية، ومن الناحية الموضوعية فإن إعلان عدة وكالات إجراء تخفيضات متفاوتة على بعض الطرازات التى بحوزتهم يمثل دليلا آخر على نجاعة الحملة وتأثيرها حتى ولو تعللوا بأن هذه التخفيضات مرتبطة بإزالة الجمارك عن السيارات الأوروبية على نحو ما هو معروف.

بالبحث تبين أن الحملة قديمة بدأت على صفحات التواصل الاجتماعى قبل أكثر من 3 سنوات ولكنها اكتسبت زخما إضافيا وتعاطفا كبيرا مع نهاية العام الماضى حين ثار لغط كبير داخل السوق أن أسعار السيارات ذات المنشأ الأوروبى لن تقل مع تطبيق زيرو جمارك! لكن الأهم هو نجاح بعض الشباب فى التوصل إلى الأسعار الفعلية التى يتم استيراد مختلف أنواع السيارات بها أوروبية وغير أوروبية ونشروها على الإنترنت إضافة إلى نشر مقارنات بين أسعار السيارات فى الأسواق المجاوزة ونظيراتها فى مصر.

من ناحية المبدأ لا يمكن القبول بدور لمواقع التواصل الاجتماعى فى الضغط على الأسواق وتوجيه الاقتصاد والتجارة بنفس القدر الذى نرفض فيه أى دور لهذه المنتديات الافتراضية يستهدف الإخلال بالأمن، فكلاهما يؤدى إلى الإضرار بالاستقرار الذى ننعم به ونحرص على دعمه واستمراره. ومع ذلك فإن هذه الحملات تكشف عن أن ثمة أخطاء وتجاوزات يتعين الانتباه إليها وتصويبها.

لو كانت الأحزاب السياسية الكثيرة ومنظمات المجتمع المدنى تقوم بدورها فى رصد وتحليل مثل هذه الظواهر لما اضطر الشباب للقيام بكل هذا الجهد لـ" تعرية" تجاوزات وكالات السيارات فى التضخيم غير المبرر فى التكاليف بغية تعظيم الأسعار والأرباح، لأن معالجة هذه التجاوزات يجب أن تتم من خلال دراسات مستفيضة وتفصيلية يقوم بإعدادها خبراء ومتخصصون وحينها تكتسب مصداقيتها، أما ما نشره الشباب على مواقع التواصل فهو جهد معلوماتى طيب وإن كانت تنقصه الخبرة والإلمام بكل التفاصيل القانونية والتجارية التى يجب أن تشملها هذه الدراسات، أما الحديث عن ترك حرية استيراد السيارات للأفراد فهو الشطط بعينه والأصوب والأكثر جدية العمل على إصلاح نظام الوكالات التجارية بصفة عامة  وابتكار آليات تضمن وصول السيارات وأى سلعة أخرى بالسعر المناسب  للمستهلك وهذا الأمر يتطلب جهدا مضنيا تتشارك فيه الحكومة مع مجلس النواب والأحزاب ومنظمات حماية المستهلك المجتمع المدنى وبالطبع اتحادات التجارة والأعمال.. هكذا يكون الجهد أكثر تنظيما واتساقا مع القوانين والأعراف وهكذا نضمن فعالية الحلول بعيدا عن دعوات المقاطعة وغيرها من الممارسات شبه الفوضوية.

خليها تصدى وخليها تعفن ثم خليها تعنس كل هذه مظاهرات فى العالم الافتراضى كان يمكن استيعابها على سبيل الدعابة والتنبيه أن ثمة مشكلة تتطلب حلولا، أما أن تصبح حملات المقاطعة اليائسة الآخذة فى الانتشار عبر الإنترنت بديلا عن العمل المنظم من المؤسسات الشرعية فى العالم الحقيقى، فهذا ما يجب التصدى له بقوة وبحسم، والتصدى هنا يشمل بالضرورة تصويب الأوضاع القانونية والتجارية وحتى العرفية على أرض الواقع فهذا هو المدخل العملى والوحيد لمواجهة محاولات بث الفوضى التى تصاحب مثل هذه الدعوات.